السينما الكوردية.. قرن من الصورة في مواجهة الصمت

تانيا ملکشاهي

2/2

السينما والذاكرة

من أبرز سمات السينما الكوردية ارتباطها الوثيق بالذاكرة. فالحرب، والتهجير، والأنفال، والهجرة، والحدود، والفقر، وفقدان الأحبة، والبحث عن الهوية، كلها موضوعات تكررت في عدد كبير من الأعمال.

لكن السينما الكوردية لا تختزل في المأساة وحدها. فقد تناول مخرجون كورد أيضاً الحب، والعائلة، والموسيقى، والحياة اليومية، والمرأة، والطبيعة، وأحلام الشباب، والصراع بين الأجيال. ومع تطور التجربة بدأت الأفلام تبتعد تدريجياً عن تقديم الكوردي بوصفه «ضحية» فقط، وتتجه نحو بناء شخصيات أكثر تعقيداً وتنوعاً. وهذه النقلة مهمة فنياً؛ لأن السينما الناضجة لا تكتفي بتوثيق الألم، بل تبحث أيضاً عن الإنسان الموجود خلف الحدث السياسي.

المرأة في السينما الكوردية

برزت المرأة الكوردية في السينما بوصفها شخصية مركزية في كثير من الأفلام، سواء باعتبارها أماً أو زوجة أو عاملة أو مقاتلة أو مهاجرة أو ضحية للحرب والعنف الاجتماعي.

ومع دخول مخرجات وفنانات كورد إلى مجال السينما، بدأت صورة المرأة تتحول من شخصية مرتبطة بمعاناة المجتمع إلى شخصية تمتلك صوتها الخاص وأسئلتها وأحلامها. وهو تحول يعكس تطور السينما الكوردية نفسها من تسجيل الأحداث إلى مساءلة المجتمع والهوية والعلاقات الإنسانية.

السينما الكوردية في العصر الرقمي

دخلت السينما الكوردية خلال العقدين الأخيرين مرحلة جديدة بفضل الثورة الرقمية. فلم تعد صناعة الفيلم تحتاج دائماً إلى معدات باهظة أو استوديوهات ضخمة، وأصبح بإمكان المخرج الشاب تصوير فيلم قصير بكاميرا رقمية ثم عرضه عبر المهرجانات أو المنصات الرقمية.

كما ساهم انتشار القنوات الفضائية الكوردية ووسائل الإعلام الرقمية في خلق جمهور أوسع للأفلام الكوردية، ووفرت المهرجانات السينمائية في أوروبا والشرق الأوسط منصات مهمة للتعريف بالمخرجين والأفلام الكوردية. وتشير دراسات متخصصة إلى أن المهرجانات أصبحت جزءاً مهماً من منظومة إنتاج وتوزيع وعرض السينما الكوردية في العالم.

واليوم أصبح من الممكن الحديث عن أجيال متعددة من السينمائيين الكورد، من بينهم أسماء مثل يلماز غوناي، بهمن قوبادي، هنر سالم، شوكت أمين كوركي، جانو روژبياني، مانو خليل، هشام زمان، شاهيم عمر خليفة، وغيرهم.

أكثر من فن..سينما تبحث عن مكانها

إن تاريخ السينما الكوردية هو، في جانب كبير منه، تاريخ البحث عن الصورة واللغة والذاكرة. فحين يصعب على شعب أن يروي قصته بلغته، تصبح الكاميرا وسيلة لحفظ ما يمكن أن يضيع من الذاكرة.

ولهذا اكتسبت السينما الكوردية خصوصيتها من التقاء ثلاثة عناصر: الفن والهوية والذاكرة. وقد ساعدت هذه العناصر على نشوء سينما لا تتحدد فقط بالمكان الذي تُنتج فيه، وإنما بالموضوعات والأسئلة التي تحملها.

ومن هنا يمكن القول إن السينما الكوردية لم تولد في استوديو واحد، ولم تمتلك منذ البداية صناعة متكاملة أو مؤسسات إنتاج ضخمة؛ لكنها ولدت من الحاجة إلى رواية الحكاية. ولذلك بقيت الكاميرا، في كثير من مراحل تاريخها، شاهداً على ما حدث، ووسيلة لاستعادة ما غاب، ومساحة لمنح الصوت لمن لم يكن صوته مسموعاً.

قرن من الصورة.. ومستقبل مفتوح

بعد نحو قرن من «زَرێ»، تبدو السينما الكوردية اليوم أكثر تنوعاً واتساعاً من أي وقت مضى. فمن الفيلم الصامت الذي صور حياة الكورد في أرمينيا السوفيتية، إلى أفلام غوناي وقوبادي، وصولاً إلى جيل السينمائيين الشباب الذين يعملون في أربيل والسليمانية ودهوك وشرنخ ووانومهاباد وديار بكر وأوروبا، قطعت السينما الكوردية طريقاً طويلاً.

وإذا كانت العقود الأولى قد انشغلت بالسؤال: كيف نحافظ على وجودنا في الصورة؟ فإن السؤال الذي يواجه السينمائيين الكورد اليوم قد يكون أكثر اتساعاً: كيف نصنع سينما كوردية قادرة على منافسة السينما العالمية من دون أن تفقد خصوصيتها؟

إن مستقبل السينما الكوردية لن يعتمد على عدد الأفلام المنتجة فحسب، بل على قدرتها على تطوير صناعة سينمائية حقيقية، ودعم المخرجين الشباب، وإنشاء أرشيف يحفظ الأفلام القديمة، وتطوير المعاهد وورش التدريب، وتشجيع الإنتاج المشترك، وفتح أسواق التوزيع أمام الأفلام الكوردية.

فالتاريخ أثبت أن الكاميرا تستطيع أن تفعل ما تعجز عنه الكلمات أحياناً: أن تحفظ الذاكرة، وأن تعبر الحدود، وأن تجعل الحكاية المحلية جزءاً من الذاكرة الإنسانية العالمية.

وهكذا، فإن تاريخ السينما الكوردية ليس مجرد تاريخ أفلام ومخرجين، بل هو تاريخ شعب حاول، عبر الصورة، أن يحفظ ملامحه وحكاياته وذاكرته، وأن يقول للعالم: نحن هنا، وهذه قصتنا.

قوبادي.. السينما الكوردية تصل إلى العالم

إذا كان يلماز غوناي قد فتح نافذة عالمية أمام القضية والهوية الكوردية، فإن بهمن قوبادي وسّع هذه النافذة من خلال أفلامه التي جمعت بين الواقعية الشعرية وقسوة الحياة اليومية.

في أفلام قوبادي، تتحول الجبال والحدود والقرى إلى شخصيات قائمة بذاتها. وتصبح رحلة الأطفال أو الموسيقيين أو النازحين وسيلة للحديث عن الحرب والحرمان والهوية. ولهذا درست أعماله أكاديمياً بوصفها جزءاً مهماً من تشكل الهوية الكوردية على الشاشة، ولا سيما في أفلام مثل «زمن الخيول السكرانة» و«السلاحف تستطيع الطيران» و«نصف القمر.

قد يعجبك ايضا