لاجئ سياسي قصة قصيرة

ماهين شيخاني

في بلدة كوردية صغيرة، قريبة من الحدود، حيث الحواجز العسكرية جزء من المشهد اليومي، عاش رجل لم يكن مضطهداً.

لم يكن عضواً في حزب.

لم يوزع منشوراً سرياً.

لم يكتب مقالاً ضد السلطة.

ولم يدخل السجن يوماً، إلا مرة واحدة حين أوقفته الشرطة بسبب مخالفة مرورية، فخرج بعد نصف ساعة، بعدما دفع الغرامة وابتسم للضابط الذي قال له: “روح، بس المرة الجاية انتبه.”

لكن الرجل كان يؤمن أن لكل مشكلة حلاً، وأن لكل باب مفتاحاً، وأن أبواب أوروبا، على الأقل كما سمع، تحتاج أحياناً إلى قصة جيدة. وأحياناً، إلى قصة مموهة بدقة.

في صباح يوم بارد من أيام كانون الأول، جلس في السيارة القديمة إلى جانب صديقه. ظل صامتاً طوال الطريق. كان ينظر من النافذة إلى الأشجار العارية والحقول التي تئن تحت وطأة الصقيع.

قبل الوصول إلى الحاجز، قال فجأة:

– أعطني هاتفك.

ناوله صديقه الهاتف دون سؤال.

– حين أصل إلى الحاجز، صوّرني.

سأله الصديق باستغراب:

– لماذا؟

ابتسم ابتسامة غامضة:

– لا تسأل. فقط صوّر.

اقتربت السيارة من الحاجز الإسمنتي. كان هناك عسكريان، يرتديان معاطف سميكة، وأيديهما في جيوبهما من البرد.

وفجأة، لمح الرجل قريبه بينهما.

فرح في داخله، فرحٌ خافت، كمن يجد مفتاحاً كان يظنه ضائعاً.

قال لصديقه:

– يا لها من صدفة!

نزل من السيارة ببطء، كأنه ليس في عجلة من أمره. اقترب من قريبه العسكري. لم يسلم عليه، ولم يسأله عن حاله. بدلاً من ذلك، ربت على كتفه بقوة، وقال بصوت مرتفع، يكاد يسمعه الجميع:

– يا ابن الحرام! أنت هنا!

التفت العسكري إليه. حدق فيه لحظة، ثم عرفه.

– أنت؟ ماذا تفعل هنا؟

لكن الرجل لم ينتظر. بدأ مهمته.

اقترب أكثر، وقال بصوت أعلى:

– أنتم لا تعرفون سوى ضرب الناس!

نظر العسكري حوله. كان الحاجز هادئاً. سيارة وحيدة. جنديان. وصديق في السيارة يصور بذهول.

– ماذا بك؟ هل جننت؟

اقترب الرجل خطوة أخرى. عيناه تتلألآن بشيء لا يشبه الخوف.

– اضربني!

– ماذا؟!

– قلت اضربني!

– يا رجل، أنت قريبي! عمي! ماذا تفعل؟

– لا يهم… اضربني!

كان صديقه في السيارة يصور كل شيء. والرجل يعرف أن الكاميرا لا تحب التفاصيل. الكاميرا تحب اللحظة. لحظة واحدة تكفي لتكتب تاريخاً بأكمله.

رفع العسكري يده. لم يضربه، بل حاول إبعاده عنه، كأنه يدفع حشرة مزعجة.

لكن الرجل لم ينتظر. ارتمى على الأرض، بطريقة فنية ممتازة، كمن سقط تحت ضربة قوية. رفع يديه فوق رأسه. بقي ساكناً.

كان المشهد مثالياً. عسكري. حاجز. رجل أعزل على الأرض. يداه مرفوعتان. وهاتف يصور من زاوية مثالية.

لم يكن ينقص الصورة سوى عنوان.

وبعد لحظات، نهض الرجل بهدوء. مسح الغبار عن معطفه. نظر إلى قريبه الذي ما زال واقفاً في مكانه، مصدوماً.

همس له العسكري:

– لماذا؟!

أجاب الرجل، وهو لا يلتفت:

– لأن أوروبا تحب الأفلام الوثائقية.

عاد إلى السيارة. قال لصديقه:

– انتهى. امشِ.

مضت أشهر.

كان يجلس أمام موظف الهجرة في إحدى الدول الأوروبية. الغرفة بيضاء، باردة، كأنها معمَّلة. الموظف كان يرتدي بدلة أنيقة، وينظر إلى الرجل بعينين محايدتين.

– لماذا تركت بلدك؟

أخرج الرجل ملفاً سميكاً، ووضعه على الطاولة بحذر.

– بسبب الاضطهاد السياسي.

– هل كنت عضواً في حزب؟

تردد لحظة. ثم قال بثقة:

– كنت… مستقلاً.

كتب الموظف شيئاً في كمبيوتره.

– هل اعتُقلت؟

– لا.

رفع الموظف حاجبه.

– هل تعرضت للتعذيب؟

– ليس بالمعنى التقليدي.

توقف القلم. نظر الموظف إليه بفضول.

– ماذا يعني هذا؟

قال الرجل، وهو يخرج هاتفه:

– لدي دليل.

شغّل الفيديو.

ظهر الحاجز. ظهر العسكري. ثم ظهر هو على الأرض، رافعاً يديه، وكأنه تحت تهديد السلاح.

أعاد الموظف المشهد.

ثم أعاده مرة ثانية.

– من هذا الرجل؟

– أحد عناصر الأمن.

– هل تعرفه؟

توقف الرجل للحظة. تأمل السؤال. ثم قال:

– لا.

وكانت هذه أول كذبة كبيرة في ملف اللجوء.

أما الثانية، فلم تكن كذبة تماماً.

قال، بصوت واثق:

– كان يهددني.

توقف الموظف عن الكتابة. نظر إلى الفيديو. ثم إلى الرجل. ثم إلى الفيديو مرة أخرى.

– أنت محظوظ لأن لديك دليلاً.

ابتسم الرجل. وفي سره، قال:

“بل أنا محظوظ لأن لي قريباً لم يفهم ما حدث إلا بعد فوات الأوان.”

بعد أشهر أخرى، وصلته رسالة البريد الإلكتروني.

“تم قبول طلبكم.”

قرأها أكثر من مرة. ثم اتصل بصديقه المصور.

– نجحت!

– بسبب الفيديو؟

قال الرجل، وهو ينظر من نافذة شقته الجديدة إلى مدينة لا تعرفه:

– بسبب التاريخ.

– أي تاريخ؟

ضحك.

– التاريخ الذي صنعناه في ثلاث ثوانٍ.

أغلق الهاتف. نظر إلى صورته في المرآة. كانت ملامحه هادئة. لكن عينيه كانتا تقولان شيئاً آخر.

“كم من اللاجئين الحقيقيين لم يمتلكوا كاميرا؟”

أطفأ الضوء. وجلس في الظلام.

لم يندم. لكنه لم يفرح أيضاً.

كان يعرف أنه لم يهرب من اضطهاد. بل من فقر. ومن روتين. ومن حياة كانت تضيق به.

وفي مكان ما، في قرية كوردية بعيدة، كان قريبه العسكري ما زال يشرح لزملائه ما حدث في ذلك الصباح البارد.

لكن أحداً لم يصدقه.

كان الفيديو قد انتشر.

وصار الرجل بطلاً.

وصار قريبه جلاداً.

وصار التاريخ… كما صنعته الكاميرا.

النهاية

قد يعجبك ايضا