القاضي زهير كاظم عبود: العدالة لا تكتمل إلا بحماية الإنسان وصون التنوع العراقي”

 

 

حاوره: حسو هورمي

برلين 4/8/2026

الأستاذ القاضي والكاتب زهير كاظم عبود، لكم منا خالص التقدير والاحترام لما قدمتموه من جهود في خدمة العدالة، والبحث القانوني، والدفاع عن حقوق الأقليات العراقية، ولا سيما الإيزيديين، من خلال مؤلفاتكم ودراساتكم ومشاركاتكم الفكرية. ويسعدنا أن نكمل معكم الجزء الثاني والأخير من الحوار لتوثيق جانب من تجربتكم الثرية.

 

الجزء الثاني والأخير

س5:شاركتم في العديد من المؤتمرات والندوات والفعاليات الفكرية والقانونية، ما أبرز هذه المشاركات التي تركت أثرًا خاصًا في مسيرتكم؟ وكيف تقيّمون واقع البحث القانوني العربي ومدى قدرته على مواكبة التطورات التشريعية والحقوقية الحديثة؟ ومن خلال تجربتكم في القضاء والبحث والدفاع عن حقوق الإنسان، هل ترون أن وجود النصوص القانونية كافٍ لحماية الحقوق والحريات، أم أن التحدي الحقيقي يكمن في تطبيقها؟ وما أبرز التحديات التي تواجه العدالة وترسيخ ثقافة حقوق الإنسان في المنطقة العربية؟

 

ج5: بناء على قناعتي الراسخة بحق الانسان في العقيدة وحرية الأديان ، دافعت بكل الوسائل عن حق الايزيدية كمكون عراقي يحميه الدستور ، قدمت لقاءات ضمن الفضائيات ، كتبت العديد من المقالات ، أصدرت عددا من الكتب التي انتشرت في الوطن العربي ، وفسح لنا الانترنيت المجال لإيصال تلك الحقوق والصورة الحقيقية للمجتمع الايزيدي وللديانة الايزيدية ، واجهت مواجهة واتهامات وتخرصات عن اتهامات لا أساس لها من الصحة ، منها انني اقصد الربح من اصدار كتبي ، والحقيقية انني انفقت من مالي الخاص على جميع الكتب التي أصدرتها دون ان اعرضها للبيع ، وسمحت لدور النشر ان تبيع لحسابها ، لم يكن الهاجس المادي والربح في مخيلتي لان قناعتي وايماني بحقهم في الحياة كان مسيطرا تماما ، وازعم انني اول من كتب عنهم بأنصاف وتحملت العديد والكثير من المواقف حتي تمكنت من نشر الضوء والحقيقة ، اليوم اجد ان ما بدأنا به اخذ ينتشر ضمن حقوق الانسان ، كما انني ومجموعة خيرة من العراقيين بادرنا لتشكيل هيئة الدفاع عن اتباع الديانات والمذاهب في العراق ، وكان لها ولم تزل الدور الكبير والمهم في دعم تلك الحقوق ، ومع كل الغبن والظلم الذي تعيشه المكونات وحقوق الانسان في العراق الا اننا ماضون في طريقنا مع قناعة راسخة باننا على الطريق الصحيح من اجل حق الانسان في العقيدة .

 

س6: كيف أثرت إقامتكم في مملكة السويد على تجربتكم الفكرية والبحثية، وعلى رؤيتكم للقضايا التي تناولتموها في كتاباتكم؟ وهل وفر لكم العيش في المهجر مساحة أوسع للتأليف والبحث والتواصل مع الثقافات والمدارس الفكرية المختلفة، بما أسهم في تطوير مشروعكم الثقافي والقانوني؟

 

ج6: السويد وفرت لي فرصة ما كنت احلم بها ، بعد ان اوصلتني الأمم المتحدة اليها واكتسبت جنسيتها ، تمكنت من حضور المؤتمرات والندوات التي طرحت فيها الحقائق التي تتعلق بالايزيدية ، توفرت لي مساحة كبيرة من الوقت والامكانيات التي دفعتني لتطوير كتاباتي عن الايزيدية ، خصوصا بعد ان أصبحت عضوا في اتحاد كتاب السويد ، والذي كرمني اكثر من مرة ، تمكنت من انجاز كتابي ( الايزيدية حقائق وخفايا واساطير ) وبعده ( الشيخ عدي بن مسافر مجدد الديانة الايزيدية ) ومن ثم ( طاووس ملك كبير الملائكة عند الايزيدية ) وبعده التنقيب في التاريخ الايزيدي القديم ) ، ثم ( الايزيدية وصحف إبراهيم الأولى ) ، بعدها صدر لي كتاب ( الايزيدية ) والذي اعيدت طباعته بجزأين هذا العام ، ومن ثم ( التناص بين الديانة الايزيدية والديانة الزرادشتية ) ، ( كتابات عن الايزيدية ) ، وأخيرا كتاب ( الجنة والنار في الديانة الايزيدية ) وهو آخر الكتب ، مثل هذا الجهد والانجاز اسهم فعليا في تطوير المشروع الثقافي والفكري والقانوني ، ما يفرح النفس ان تصلني رسائل واستفسارات من مواطنين من بلدان عربية غير العراق عن الايزيدية ، كتاباتي اصبحت ضمن المراجع التي يستند ويشير اليها من يكتب رسائل الماجستير والدكتوراه عن الايزيدية .

 

س 7: حصلتم على عدد من التكريمات تقديرًا لعطائكم الفكري والقانوني، ماذا تمثل لكم هذه المبادرات؟ وهل ترون أن القيمة الحقيقية للمفكر تكمن في الجوائز والتكريمات التي يحصل عليها، أم في الأثر الذي تتركه أفكاره وأعماله في المجتمع والأجيال القادمة؟ وفي ختام مسيرتكم الحافلة، ما المشروع الفكري أو البحثي الذي ما زلتم تطمحون إلى إنجازه؟ وما الرسالة أو النصيحة التي توجهونها إلى الباحثين الشباب في مجالات القانون والتاريخ وحقوق الإنسان؟ وكيف تتمنون أن تبقى تجربتكم ونتاجكم الفكري في ذاكرة القراء والأجيال المقبلة؟

 

ج7: التكريم لا يجسد القيمة الحقيقية للباحث او الكاتب ، بل تشكل دافعا إضافيا ، وطلبا اعتباريا لاستمرار العطاء ، ولهذا انا اراهن على ما سأتركه من اثر طيب وحقائق دونتها عن قناعة عن المجتمع الايزيدي ، ومتفائل جدا اليوم لبروز عدد من الكتاب المهمين والجادين من بين أبناء الايزيديين ، عدد من الكتب التي صدرت منهم تنم عن ظهور جيل شجاع يدافع عن حقه وحقوق اهله ، أسماء مهمة واعدة لها مستقبل باهر في الكتابة والبحث ، منهم على سبيل المثال لا الحصر الدكتور خليل جندي ، والدكتور ممو فرحان عثمان ، وصباح كنجي ، وميرزا دناني ، والمرحوم عيدو بابا شيخ ، والمرحوم خدر بير سليمان ،والمرحوم خيري شنكالي وحاجي علو ، وعدنان زيان ، وهوشنك بروكا ، و عز الدين باقسري ، وداوود مراد الختاري ، والدكتور قيصر خلات يزدين ، وبدل فقير حجي وحسو هورمي وغيرهم العديد من الكتاب الايزيديين الذين اثبتوا قدرتهم العلمية على البحث والكتابة .

البحث يحتاج الى معيشة ومعرفة دقيقة بالحدث ، ولهذا وقع العديد من الكتاب في أخطاء معلوماتهم عن المجتمع والديانة الايزيدية ، اغلب هؤلاء اعتمد على السماع والنقل ، معايشة المجتمع وتدقيق التفاصيل ومشاهدة الطقس ومعرفته بدقة هو ما يوصل للصورة الدقيقة المطلوب من الكاتب والمؤرخ كتابتها ، الايزيدية ليست خبرا او ملف او قضية بقدر ماهي عميقة الجذور ، تتضمن طقوس والتزامات صارمة ، داخلها عميق وروحاني ، تاريخ طويل مليء بالمآسي والدماء ، كل هذا يحتاج من الباحثين الشباب الصبر والدقة وخوض التجربة شخصيا ، وان لا أتمنى بل اثق جدا بان كتاباتي عن الايزيدية ستبقى لزمن طويل بعدي في ذاكرة المجتمع الايزيدي واجيالهم القادمة بعد رحيلي عن هذه الدنيا .

 

سؤال أخير

 

جاء تكريمكم في برلين من قبل المركز الاستشاري الإيزيدي في ألمانيا متزامنًا مع إحياء الذكرى الثانية عشرة للإبادة الجماعية بحق الإيزيديين، وهي مناسبة تحمل أبعادًا إنسانية وتاريخية كبيرة. كيف استقبلتم هذا التكريم؟ وما الرسالة التي تودون توجيهها إلى المجتمع الدولي والباحثين والإعلاميين بشأن مسؤولية توثيق هذه الجريمة والحفاظ على ذاكرة الضحايا ومنع تكرارها؟

 

ج: كما اخبرتك سابقا ان التكريم من المجلس المركزي للايزيديين في المانيا شكل لي دافعا والتزاما بمواصلة الدرب والمضي الى اخر يوم من العمر ، الإبادة التي حصلت هزت الضمير الإنساني وبقدر الخسارة الفجيعة التي وقعت على المجتمع الايزيدي فأنها وغرت مواقف إيجابية وتعاطف من أوسع المكونات العراقية ، واثق بانها زادت من متانة المجتمع الايزيدي ومواجهته لها ، عاد الايزيدي الى ارضه ومجتمعه وكنس التاريخ كل من أراد به السوء ، الإبادة جرحا لن يندمل مادامت بناتنا واولادنا لم يزلوا مجهولين ، لم تزل بعض القبور غير معروفة ، ستبقى الإبادة الجماعية نحملها كأمانة في ذاكرتنا ، ان نرفع صوتنا سوية ، ان نستمر بالمطالبة بالعدالة وهو حق مشروع ، ان نقف الى جانب كل ناجية وكل عائلة اصابتها اللوعة ، واثق ان صمود الايزيدية انتصارا وسط الجراح والمحن ، لذلك نطالب المجتمع الدولي ان يلتفت الى الايزيديين الذين بدأت الهجرة من بلدهم تأكل أعمارهم واجيالهم ، وتضعف التزاماتهم ، وعلى المجتمع الدولي ان يساهم في توثيق الجرائم والحفاظ على الذاكرة ، وان يمنع تكرارها مرة أخرى فقد شبع الايزيديون من النكبات والفجائع على مر السنوات .

 

وخِتاماً.. وبعد كل هذا الطريق من السير في دروب القضاء، والغوص في البحث، وشغف الكتابة، والدفاع عن الكرامة الإنسانية، يبقى السؤال الأهم: ماذا تبقى من أحلام زهير كاظم عبود التي لم تُقطف بعد؟.

ج: لم ازل احلم بان جميع العراقيين متساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز ، وان اطالع قانون للأحوال الشخصية للايزيديين وللمندائيين ، وان يكون هناك قاضيا من أبناء ديانتهم يقضي بينهم ، وان اسمع أيضا ان رئيسا للوزراء مسيحي وان رئيس الجمهورية آيزيدي وان وزير الداخلية او الدفاع مندائي ، لم ازل احلم بان لكل عراقي الحق في الحياة والحرية والامن ، وان تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين ، وان حرية الانسان وكرامته مكفولة بالقانون ، وان حرية التعبير عن الراي بكل الوسائل متاحة للجميع دون ان يتربص بنا الكاتم اورصاص المجهول .

بلدنا العراق جميل ومصادر الثروات فيه لاتعد ولاتحصى ، نهرين ومعادن متنوعة ، ودخل بالعملة الصعبة يوميا لا يضاهيه أي بلد بالعالم ، لا ينسجم ولاتناسب مع الفقر والتدهور الاقتصادي الذي يحل عليه ، اننا بحاجة لمسؤول يحكم ضميره لا نهتف له ولانموت من اجله ولانذهب فداء لخطواته ، فهو موظف يستلم راتبه ويحكمه قانون الخدمة المدنية ، يقلص الانفاق والهدر ، يلغي الحمايات التي لم يعد لها مبرر ، يدقق في اعداد الموظفين الهوائيين الذين لاوجود لهم فيوقف الانفاق والصرف عنهم ، يلغي المخصصات المليونية لكافة الدرجات والمراكز ، يوقف صرف المبالغ عن المكاتب الاقتصادية للأحزاب ، بحاجة لمسؤول يتابع الفاسدين مهما كانت مراكزهم وعناوينهم ويعرض امرهم على القضاء المستقل ، يعيد ما نهب من العراقيين الى خارج العراق بسرعة فالزمن له حسابات ، وعلى القضاء ان يفرض احكاما رادعة ليكون السارق والمرتشي والناهب ومن استغل منصبه وحصل على المال ان يكونوا عبرة لغيرهم من الفاسدين ، ان يكون المسؤول امام الله وامام الشعب لا يخشى من رئيس كتلة او زعيم حزب او رمز سياسي ، فهذا الشعب امانة في عنقه ان تمكن ان يعيد له حقوقه وكرامته وامنه وسيادته فهو بحق ابنا بارا للعراق ، وبعكسه سيرضى عنه الفاسدين ويذكره التاريخ محملا بالخزي والعار لانه غض النظر واشاح بصره عن الحقائق التي يعرفها ويراها كل أبناء العراق .

 

وفي ختام حديثنا…، نتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى القاضي والكاتب الأستاذ زهير كاظم عبود على منحه لنا جزءًا من وقته، وعلى ما قدمه من رؤى وشهادات مهمة حول مسيرته القضائية والفكرية والبحثية. ونثمّن عاليًا جهوده الممتدة في خدمة القانون، والدفاع عن حقوق الإنسان، والاهتمام بقضايا الأقليات العراقية، ولا سيما جهوده في توثيق تاريخ الإيزيديين وتصحيح المفاهيم المغلوطة وازالة الصور النمطية عنهم، وتعزيز قيم التعايش والتنوع في المجتمع العراقي.

إن تجربة القاضي والكاتب الأستاذ زهير كاظم عبود ، تمثل نموذجًا للمثقف الذي جمع بين رسالة القضاء ومسؤولية الكلمة، وجعل من البحث والكتابة وسيلة للدفاع عن العدالة والإنصاف وحفظ الذاكرة التاريخية للمكونات العراقية. نتمنى له دوام الصحة والعطاء، وأن تبقى مؤلفاته وأبحاثه مصدر إلهام للباحثين والمهتمين بقضايا القانون وحقوق الإنسان والتنوع الثقافيوالديني والقومي.

قد يعجبك ايضا