31 آب… يومٌ من الذاكرة الكوردية يحتاج إلى قراءة منصفة

شيركو حبيب

تمر ذكرى 31 آب من كل عام، فتعود معها واحدة من الصفحات الحساسة، إنها ذكرى لا يمكن قراءتها بمنطق الأبيض والأسود، ولا يمكن اختصارها في رواية واحدة، لأن ما جرى في ذلك اليوم لم يكن حدثاً منفصلاً عن سياقه، بل جاء في مرحلة كانت فيها كوردستان تعيش صراعاً داخلياً عميقاً، وتداخلت فيه الحسابات السياسية والعسكرية والإقليمية، في ظل واقع شديد التعقيد بعد انتفاضة 1991.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس فقط:ماذا حدث في 31 آب؟
بل السؤال الأهم: لماذا وصلت كوردستان إلى 31 آب أصلاً؟
الخلاف الكوردي قبل 31 آب
لفهم ذلك اليوم بصورة منصفة، لا بد من العودة إلى السنوات التي سبقته، بعد انتفاضة 1991، دخل إقليم كوردستان مرحلة تاريخية جديدة. تشكلت مؤسسات الإدارة الكوردية، وأجريت الانتخابات، وبدأت تجربة سياسية مختلفة، وكان الأمل كبيراً في أن تتحول هذه التجربة إلى نموذج للحكم المثالي والديمقراطية.
لكن الطريق لم يكن سهلاً، فالتنافس السياسي بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني أخذ يتصاعد، ثم تحول الخلاف إلى مواجهات مسلحة، وأصبحت مناطق الإقليم مسرحاً للصراع، ومع استمرار القتال، تراجعت مساحة السياسة واتسعت مساحة السلاح، وأصبح المواطن الكوردي هو الذي يدفع الثمن.
ولهذا يجب أن نكون واضحين:
31 آب لم يولد من فراغ.
كان نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية عميقة، وعدم تمكن القوى الكوردية في تلك المرحلة في إدارة خلافاتها داخل المؤسسات وبالوسائل السياسية، وتعاون طرف مع دولة إقليمية ضد الطرف الآخر
أربيل قبل 31 آب… كانت مدينة تعيش تحت الخوف
ومن الصعب أن نفهم قرار 31 آب من دون أن نتذكر حال أربيل في ذلك الوقت، أربيل التي نعرفها اليوم لم تكن هي أربيل منتصف التسعينيات كانت المدينة تعيش في ظل صراع سياسي وعسكري مفتوح، وكانت الاشتباكات والتوترات الأمنية جزءاً من الحياة اليومية، وكان المواطن يعيش حالة من القلق وعدم اليقين بشأن أمنه ومستقبله ولم يكن الناس يبحثون عن المشاريع الكبرى أو الأبراج أو الفنادق أو الاستثمارات الدولية.
كانت الأولوية بالنسبة لكثير من العائلات هي الأمان، وأن يخرج الأب إلى عمله ويعود إلى بيته، أن يذهب الطفل إلى مدرسته من دون خوف، أن تنام العائلة وهي مطمئنة إلى ان يومها التالي لن يبدأ على أزيز الرصاص وهذه الحقيقة يجب ألا تُنسى عند قراءة أحداث 31 آب.
فالتاريخ لا يقرأ فقط من مكاتب السياسيين، وإنما أيضاً من حياة الناس الذين عاشوا نتائجه.
لماذا اتخذ الحزب الديمقراطي الكوردستاني ذلك القرار؟
من الإنصاف عند قراءة موقف الحزب الديمقراطي الكوردستاني ألا ننظر إلى قراره بمعزل عن الظروف التي كان يعيشها، فالحزب كان يرى أن نفوذه السياسي ومناطقه ومؤسساته مهددة، وأن الصراع مع الاتحاد الوطني لم يعد مجرد اختلاف سياسي، وإنما تحول إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بالتعاون مع دولة إقليمية (حيث اشار احد قادة الاتحاد الوطني الكوردستاني خلال ندوة في لندن بان ايران بدأت بالهجوم من اجل السيطرة على الحزب الديمقراطي الكوردستاني)، وفي تلك الظروف، دخل الحزب في تفاهم مع بغداد أدى إلى تدخل القوات العراقية في أربيل.
هذا القرار يمكن نقده سياسياً وتاريخياً، ويمكن للكورد أن يختلفوا حوله، وهذا حق مشروع، لكن الإنصاف يقتضي أيضاً أن نقرأ القرار في ظروفه، لا أن نقتطع لحظة واحدة من تاريخ طويل ونحوّلها إلى حكم نهائي ضد الحزب، وكان موقف الحزب، في روايته للأحداث، أن الظروف التي أحاطت به وضعته أمام خيارات صعبة، وأنه اختار ما اعتبره في ذلك الوقت وسيلة لحماية وجوده السياسي ومؤسساته ومناطقه.
وقد يرى البعض أن ذلك كان اختياراً بين خيارات بالغة الصعوبة، أو ما يمكن وصفه سياسياً بـ«دفع الأفسد بالفاسد »**.ومهما اختلفنا مع هذا التبرير أو اتفقنا معه، فإن فهمه يبقى ضرورياً لفهم القرار.
فالسياسة في أوقات الصراع لا تُقرأ فقط من خلال نتائجها، وإنما أيضاً من خلال الظروف والتهديدات والحسابات التي أحاطت بصناع القرار، ويرى أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني كان أمام خطر عسكري وسياسي حقيقي، وأن قراره جاء في سياق صراع داخلي وصل إلى مرحلة تهدد وجوده ومؤسساته، ولهذا فإن الحكم التاريخي على 31 آب يجب أن يقوم على قراءة كاملة للأحداث، لا على اقتطاع يوم واحد من سياقه.
مسؤولية الجميع
من الخطأ تحميل طرف كوردي واحد مسؤولية كل ما حدث في تلك المرحلة.
فالحرب الداخلية لم تكن نتيجة قرار واحد، ولم تبدأ في 31 آب، ولم تكن نتيجة طرف واحد فقط، كانت هناك خلافات سياسية عميقة، ومنافسة، فضلاً عن تدخلات إقليمية ودولية، ولهذا فإن القراءة التاريخية العادلة تقتضي وضع المسؤولية على عاتق كل الأطراف التي شاركت في الصراع، مع الاعتراف بأن لكل طرف قراراته وأخطاءه وحساباته، وهذا لا يعني تبرئة أحد، وإنما يعني رفض كتابة التاريخ بمنطق الخصومة الحزبية.

لكن ماذا حدث بعد 31 آب؟
هنا تبدأ زاوية أخرى من القصة.
فالتاريخ لا يتوقف عند لحظة الصراع، بعد انتهاء مرحلة القتال، بدأت أربيل تحت سيطرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني تدريجياً تدخل مرحلة مختلفة، وتحولت من مدينة أنهكتها المواجهات العسكرية إلى مركز سياسي وإداري في إقليم كوردستان، ومع مرور السنوات، بدأت ملامح المدينة تتغير، توسعت الشوارع، وتطورت البنية التحتية، وظهرت المشاريع الاستثمارية والعمرانية، ونمت المؤسسات الحكومية، وبدأت أربيل تستقبل الشركات والوفود السياسية والدبلوماسية والمنظمات الدولية ثم جاءت تحولات أكبر بعد عام 2003، وازدادت مكانة أربيل السياسية والاقتصادية، وأصبحت المدينة بوابة مهمة للتواصل مع العالم، ومركزاً لاستقبال القنصليات والبعثات والمنظمات والشركات والمؤسسات الدولية، وبمرور الوقت، أصبحت أربيل مدينة مختلفة تماماً عن تلك التي عاش أهلها الخوف وعدم الاستقرار في تسعينيات القرن الماضي.

أربيل اليوم… من الخوف إلى الحضور الدولي

عندما ننظر إلى أربيل اليوم، من الصعب أن نتخيل حجم التغيير الذي شهدته المدينة خلال عقود قليلة، من مدينة كانت تعيش وسط الانقسام والصراع، أصبحت عاصمة إقليم كوردستان، ومدينة ذات حضور سياسي واقتصادي ودبلوماسي واضح، أصبحت فيها الجامعات والمراكز التجارية والمشاريع الاستثمارية والفنادق والمؤسسات الدولية، واستقبلت شخصيات سياسية ودبلوماسية من مختلف أنحاء العالم، ولم يكن هذا التحول نتيجة يوم واحد، ولا نتيجة قرار واحد، وإنما كان حصيلة سنوات من الاستقرار النسبي، وبناء المؤسسات، والاستثمار، والإدارة، والعمل السياسي.
لكن من الإنصاف أيضاً القول إن الحزب الديمقراطي الكوردستاني، باعتباره القوة السياسية الرئيسية التي أدارت أربيل خلال مراحل مهمة من هذه العملية، يتحمل مسؤولية تاريخية عن هذا المسار، بما له وما عليه.
وهنا تكمن أهمية القراءة المتوازنة:
يمكن للمرء أن ينتقد قرار 31 آب، وفي الوقت نفسه يعترف بما شهدته أربيل من تحول وبناء في العقود التي تلت ذلك.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني لا يُختزل في 31 آب
الإنصاف يعني أيضاً ألا نختزل تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني في يوم واحد، الحزب تأسس في 16 آب 1946 بقيادة الزعيم ملا مصطفى بارزاني الخالد، وأصبح خلال عقود طويلة أحد أهم القوى السياسية في تاريخ الحركة القومية والسياسية الكوردية في العراق، من ثورة أيلول، إلى الانتفاضة، إلى بناء مؤسسات الإقليم، ثم المشاركة في العملية السياسية العراقية بعد 2003، مر الحزب بمراحل كثيرة، وحقق إنجازات، وواجه أزمات، واتخذ قرارات صائبة وأخرى قابلة للنقد.
وهذا هو حال الحركات السياسية الكبرى، لكن اختزال تاريخ حزب يمتد لعقود في حدث واحد لا يخدم الحقيقة ولا التاريخ.
31 آب… درس وليس مناسبة للخصومة
بعد مرور ثلاثة عقود، ربما يكون السؤال الأهم:
ماذا تعلم الكورد من 31 آب؟
أهم درس هو أن الخلاف الكوردي عندما يتحول إلى صراع مسلح لا ينتج رابحاً حقيقياً، قد يربح طرف جولة، وقد يخسر طرف منطقة، لكن الخاسر الأكبر في النهاية هو الشعب.
والدرس الثاني أن الخلافات السياسية يجب أن تبقى داخل المؤسسات، وأن التنافس بين الأحزاب يجب ألا يتحول إلى تهديد للمشروع الكوردي نفسه.
أما الدرس الثالث، فهو أن الاستقواء بالخارج لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن التفاهم الداخلي.
فالدول تتحرك وفق مصالحها، بينما يبقى الشعب الكوردي هو الذي يتحمل نتائج قراراته وصراعاته.
من الذاكرة إلى المستقبل
اليوم، بعد كل هذه السنوات، أصبحت كوردستان أمام واقع مختلف.
هناك مؤسسات، وتجربة سياسية، وبرلمان، وحكومة، وعلاقات مع بغداد، وحضور دولي، ومصالح اقتصادية وسياسية واسعة، ولهذا فإن استحضار 31 آب يجب ألا يكون من أجل إعادة إنتاج الانقسام، وإنما من أجل منع تكراره.
ليس المطلوب أن ينسى الكورد التاريخ، بل المطلوب أن يقرأوه بعقل سياسي هادئ، فالذاكرة التي تتحول إلى كراهية تعيد إنتاج الماضي، أما الذاكرة التي تتحول إلى درس، فإنها تصنع المستقبل.
الإنصاف لا يعني النسيان.
ومن حق كل حزب أن يقدم روايته.
ومن حق المؤرخ أن يبحث في الوثائق والوقائع ويطرح الأسئلة الصعبة.
لكن ليس من حق أحد أن يستخدم التاريخ لتقسيم المجتمع الكوردي إلى أعداء دائمين.
الحزب الديمقراطي الكوردستاني له تاريخه، وله إنجازاته، وله أخطاؤه.
والاتحاد الوطني الكوردستاني له تاريخه، وله إنجازاته، وله أخطاؤه.
والشعب الكوردي أكبر من كل الأحزاب.
لقد مرت كوردستان بعد ذلك بأحداث وتحولات كبيرة، وأثبتت التجربة أن الخلافات الداخلية يمكن أن تُدار بالحوار والسياسة، وأن ما يجمع الكورد أكبر بكثير مما يفرقهم، ولهذا فإن أفضل وفاء للضحايا وللذاكرة ليس في تبادل الاتهامات، وإنما في بناء نظام سياسي يحول دون تكرار تلك الأيام.
أربيل… هي الإجابة التي كتبها الزمن
ربما تكون أربيل نفسها أفضل شاهد على أن التاريخ لا يبقى ثابتاً، المدينة التي عاش أهلها الخوف وعدم الاستقرار في مرحلة من تاريخها، أصبحت اليوم مدينة تنظر إلى المستقبل، وتفتح أبوابها للعالم، وتبحث عن مكانها بين العواصم والمدن الإقليمية والدولية، ولذلك فإن 31 آب، مهما اختلفت القراءات حوله، لا ينبغي أن يكون نهاية الحديث عن أربيل.
بل يجب أن يكون مناسبة لطرح سؤال أكبر:
كيف انتقل الكورد من سنوات الصراع إلى مرحلة بناء المؤسسات والعمران والاستقرار؟
إن هذا التحول لا يلغي أخطاء الماضي، لكنه يثبت أن الشعوب قادرة على تجاوز أصعب مراحلها عندما تختار البناء بدلاً من استمرار الصراع.

هناك أخطاء وقرارات قابلة للنقد، وهناك أيضاً تحولات وإنجازات لا يمكن تجاهلها.
والإنصاف الحقيقي هو أن نضع كل ذلك في ميزان واحد، لا تبرئة مطلقة، ولا إدانة مطلقة، لا تقديس للتاريخ، ولا تشويه له بل قراءة صادقة وشجاعة تقول ما لها وما عليها.
ومن حق الأجيال الجديدة أن تعرف ماذا حدث، لكن من حقها أيضاً أن تعرف كيف خرجت كوردستان من سنوات الصراع، وكيف تحولت أربيل من مدينة مثقلة بالخوف إلى عاصمة سياسية واقتصادية ودبلوماسية لها حضورها في العراق والمنطقة.
وهنا ربما يكون الدرس الأكبر من 31 آب:
أن الماضي يجب أن يُقرأ حتى لا يتكرر، لكنه لا يجب أن يتحول إلى سجن للمستقبل.
فالشعب الذي يتعلم من أخطائه يستطيع أن يبني مستقبله، أما الشعب الذي يبقى أسيراً لخلافاته القديمة، فإنه يسمح للتاريخ بأن يعيد نفسه بأشكال جديدة.

قد يعجبك ايضا