الجمهورية السورية الاتحادية نحو دولة واحدة وولايات قوية واقتصاد ينهي أسباب الفقر والتهميش والصراع

آراس اليوسف

ما جرى خلال آب 2026 بين أبناء دمشق وأبناء دير الزور يستحق أن نقرأه من زاوية أوسع من تفاصيل الحادثة، فقد ظهر خلال التوتر خطاب مناطقي أليم، خطير، بين أبناء دير الزور المقيمين في دمشق وريفها، وأبناء المكان، و وهذا يطرح سؤالاً يتجاوز الحادثة ذاتها: لماذا يضطر الإنسان إلى مغادرة أرضه كي يجد في مدينة أخرى ما يحتاجه لحياته؟

لفت اهتمامي في هذا السياق مقطع لشاب من دير الزور تحدث بغضب عن واقع أبناء منطقته، وطرح فكرة مستوحاة من تجربة الولايات المتحدة، ومفادها أن عودة أبناء دير الزور إلى أرضهم تحتاج إلى اقتصاد يستطيع استيعابهم، وإلى قدرة حقيقية على الاستفادة من النفط والغاز والقمح والكهرباء والثروات الموجودة في المنطقة، بحيث تتحول الموارد إلى مدارس وجامعات ومستشفيات وطرق ومشاريع وفرص عمل، وعندها يستطيع ابن دير الزور أن يعيش في دير الزور بدلاً من أن يذهب إلى دمشق بحثاً عن لقمة العيش، وهو ما تذوقه أبناء مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين، من قبل.

هذه الفكرة تفتح باب أسئلة سورية عاجلة، لأن المشكلة التي تظهر في دير الزور والرقة والحسكة تمتد بأشكال مختلفة إلى مناطق أخرى، وتصل إلى السويداء، كما تمس القضية الكردية و علاقة الدولة المركزية بمختلف المناطق، ناهيك عن ملف توزيع القرار والثروة والخدمات وفرص التنمية.

الرقة ودير الزور والحسكة تحتوي كل منها جزءاً مهماً من الثروة الزراعية والنفطية والمائية في سوريا، ومع ذلك عاش سكانها سنوات طويلة وسط غياب الاستثمار والبنية التحتية وفرص العمل والخدمات، فأصبحت مجرد مناطق تنتج القمح والطاقة وتملك موارد كبيرة، بينما يخرج أبناؤها إلى دمشق ومدن أخرى بحثاً عن العمل والتعليم والعلاج. وهنا تظهر مشكلة اجتماعية واقتصادية عميقة، لأن الفقر يدفع الإنسان إلى الهجرة، كما أن الهجرة الداخلية تخلق احتكاكات جديدة، ثم تتحول مشكلات الحياة اليومية في لحظات التوتر إلى حساسيات مناطقية، تم توظيفها، في إطار التأليب عند الضرورة، كما تم الاشتغال على ذلك وتوظيفه على امتداد حكم البعث والأسد، عند اللزوم، ولما نتخلص من ذلك بعد.

من هنا أعيد طرح فكرة “الجمهورية السورية الاتحادية” التي تم تناولها بصيغ محددة، وتم الإقلاع عنها، وهي تصلح من وجهة نظري، كصيغة تستحق النقاش في بناء الدولة السورية الجديدة، دولة واحدة بحدود واحدة وجنسية واحدة وعملة واحدة وجيش واحد وسياسة خارجية واحدة ومؤسسات اتحادية واحدة، وفي داخلها ولايات سورية- أو أية مسميات متفق عليها- تتمتع بصلاحيات واسعة في إدارة الاقتصاد والتعليم والصحة والزراعة والصناعة والاستثمار والخدمات والثقافة المحلية.

للعلم، أن استخدام كلمة “ولاية” هنا مقصود، لأن المطلوب إدارة محلية قوية تستطيع اتخاذ قراراتها وتحديد أولوياتها ومحاسبة مسؤوليها، فمجلس الولاية المنتخب من شأنه أن يضع خطط التنمية وأن يدير الميزانية المحلية ويعمل على تطوير التعليم والصحة والبنية التحتية والاستثمار، بينما تبقى الملفات السيادية الكبرى من اختصاص الدولة الاتحادية.

وبناء على ذلك، فإن دير الزور – مثلا- تستطيع في هذه الصيغة أن تستثمر جزءاً واضحاً من عائدات النفط والغاز في اقتصادها المحلي، فتطور الكهرباء والمياه والطرق والجامعات والمستشفيات والصناعة، كما أن الرقة تستطيع بناء اقتصاد زراعي وصناعات غذائية حول القمح والفرات، و هكذا بالنسبة إلى الحسكة فهي تستطيع تطوير الزراعة والطاقة والتجارة، وتستطيع كل ولاية أن تبني خطتها الاقتصادية وفق مواردها وحاجات سكانها.

وهذا ما يفتح الباب أمام عودة رجال الأعمال وأصحاب الكفاءات السورية إلى مناطقهم، فالمغترب من دير الزور يستطيع أن يجد مشروعاً في مدينته، وابن الرقة يستطيع الاستثمار في الزراعة والصناعة، والطبيب يستطيع العودة إلى مستشفى حديث، والأستاذ الجامعي يستطيع العمل في جامعة تحتاج إلى خبرته، وتتحول العودة إلى خيار اقتصادي واقعي عندما يجد الإنسان في أرضه مدرسة جيدة وجامعة ومستشفى وطريقاً وكهرباء وفرصة عمل.

كما تستطيع هذه الصيغة أن تفتح باباً لمعالجة القضية الكردية داخل الدولة السورية، عبر ضمانات دستورية واضحة للحقوق الثقافية واللغوية والسياسية، ومنح الولايات ذات الغالبية الكردية صلاحيات واسعة في التعليم والثقافة والخدمات والتنمية المحلية، مع مشاركة الكرد الكاملة في مؤسسات الجمهورية السورية الاتحادية. وهكذا تدخل حقوق الكرد في بناء الدولة نفسها، وتصبح جزءاً من عقد دستوري شامل للسوريين.

كذلك فإن السويداء تستطيع الاستفادة من النظام نفسه، فتدير شؤونها المحلية وتحدد أولوياتها الاقتصادية والخدمية وتطور مؤسساتها، وتشارك في المؤسسات الاتحادية، وتحصل على مساحة حقيقية لاتخاذ القرارات التي تتعلق بحياة سكانها، مع بقاء ارتباطها الكامل بالجمهورية السورية.

إن قوة هذه الصيغة تأتي من قاعدة واحدة تطبق على الجميع، فالصلاحيات المحلية التي يحصل عليها الكردي يستطيع العربي الحصول عليها، وما تحصل عليه السويداء تستطيع دير الزور والرقة والحسكة وحلب ودرعا وسائر الولايات الحصول عليه وفق الدستور، وبذلك يصبح الحديث عن الإدارة المحلية حديثاً عن نظام للدولة كلها، لا عن امتياز لمنطقة أو جماعة.

كما تستطيع الولايات السورية أن تدخل في منافسة اقتصادية واسعة، فتتنافس على جذب المستثمرين وتطوير الجامعات والمستشفيات والطرق والمناطق الصناعية والزراعة والسياحة والخدمات، ويصبح نجاح الولاية مرتبطاً بقدرتها على تحسين حياة سكانها، ويصبح المستثمر معنياً بوجود قانون محلي واضح ومؤسسات قادرة على حماية مشروعه.

ويحتاج هذا النظام إلى اتفاق مالي واضح حول الموارد، فالثروات الطبيعية ملك للسوريين جميعاً، وتحصل الولاية المنتجة على حصة عادلة من عائداتها لتمويل التنمية المحلية، وتحصل الدولة الاتحادية على حصتها لتمويل المؤسسات السيادية والمشاريع الوطنية، ويعمل صندوق اتحادي على دعم الولايات الأقل دخلاً، حتى تصبح الفوارق الاقتصادية سبباً للتعاون والتكامل.

أجل، إن هذه الصيغة- بحد ذاتها- تستطيع أيضاً أن تخفف أسباب الهجرة الداخلية التي صنعت جزءاً من الاحتكاكات الاجتماعية في المدن الكبرى، لأن المواطن الذي يجد عملاً وتعليماً وصحة وخدمات في ولايته تقل حاجته إلى الانتقال بحثاً عن الأساسيات، وتبقى دمشق عاصمة سياسية واقتصادية وثقافية تستقبل السوريين للعمل والدراسة والتجارة، بينما تستطيع الولايات بناء اقتصاداتها واستيعاب سكانها.

والأهم أن سوريا تستطيع الانتقال من مرحلة تأجيل المشكلات إلى مرحلة معالجة جذورها، فالقوة الأمنية تستطيع فرض الهدوء في لحظة معينة، بينما يحتاج الاستقرار إلى مؤسسات ومصالح اقتصادية وفرص عمل تجعل الناس حريصين على حماية حياتهم ومجتمعاتهم. عندما يصبح نجاح الولاية مرتبطاً بالاستثمار والتعليم والخدمات، تصبح التنمية مصلحة مشتركة، وتصبح المنافسة بين المناطق حول الاقتصاد والبنية التحتية والتعليم أكثر نفعاً من الصراع حول النفوذ والسلاح.

ووفق هذا التصور، تغدو الجمهورية السورية الاتحادية تستطيع أن تجمع بين وحدة الدولة وقوة المناطق، فتظل سوريا دولة واحدة ذات سيادة، وفي الوقت عينه يحصل سكان كل ولاية على قدرة حقيقية في إدارة شؤونهم وبناء اقتصادهم وحماية خصوصيتهم والمشاركة في صناعة القرار.

وعلى هذا النحو سنجد أن القضية الكردية تستطيع أن تجد إطاراً دستورياً واضحاً، والسويداء تستطيع إدارة شؤونها المحلية، ودير الزور والرقة والحسكة تستطيع تحويل مواردها إلى اقتصاد وفرص عمل، ودمشق تستطيع أن تبقى عاصمة لكل السوريين، وحلب وسائر المدن تستطيع استعادة قوتها الاقتصادية، وتصبح الولايات شركاء في بناء دولة واحدة بدلاً من أن تبقى العلاقة بينها وبين المركز قائمة على انتظار القرار القادم من العاصمة.

السؤال الذي طرحه ذلك الشاب من دير الزور يستحق أن يتحول إلى سؤال وطني وهو سؤال كل محافظة تم تهميشها من قبل النظام السابق واستفحل أمرها في زمن الحرب، مفاده: إذا كانت المنطقة تنتج النفط والغاز والقمح وتملك المياه، فلماذا يضطر ابنها إلى مغادرة أرضه بحثاً عن العمل؟

قد يبدأ جزء كبير من الحل عندما يصبح الاستثمار في دير الزور استثماراً في سوريا، والاستثمار في الرقة استثماراً في سوريا، وتنمية السويداء جزءاً من قوة الدولة، وحقوق الكرد جزءاً من الدستور، وعندما يصبح لكل ولاية دور واضح في بناء اقتصادها وحماية مستقبل أبنائها.

اعتمادا على كل ماسبق تستطيع سوريا أن تدخل مرحلة مختلفة، دولة واحدة قوية، وولايات قوية، واقتصادات محلية متنافسة ومتعاونة، وحقوق دستورية واضحة، وقرار محلي واسع، ودمشق عاصمة للجميع، ودير الزور والرقة والحسكة والسويداء وحلب وسائر الولايات شركاء حقيقيون في بناء الجمهورية السورية الاتحادية.

قد يعجبك ايضا