الصحفي والمحامي عرفان الداوودي
ما شاهدناه في اللقاء الذي جمع الأحزاب والقوى السياسية الكوردستانية في خانقين، وما صدر عنه من توحيد للرؤى والمواقف، يمثل خطوة سياسية مهمة تستحق الترحيب، خصوصاً في هذه المرحلة التي تتصاعد فيها بعض الأصوات النشاز التي تحاول التشكيك بالحقوق الدستورية، والتحريض على المادة 140 من الدستور العراقي.
لقد كان لهذا الموقف الموحّد أثر واضح في نفوس جماهير خانقين، لأن المواطن الكوردي، كما المواطن العربي والتركماني والمسيحي، يريد أن يرى خطاباً سياسياً مسؤولاً يحمي السلم الأهلي ويضع المصلحة العامة فوق الحسابات الحزبية الضيقة.
المادة 140 ليست ورقة سياسية قابلة للمساومة، ولا شعاراً انتخابياً يُرفع متى ما اقتضت المصالح؛ إنها نص دستوري أقرّه الدستور العراقي، ووضع آليات لمعالجة آثار السياسات السابقة، وصولاً إلى الاستفتاء وتحديد الإرادة الشعبية وفق ما نص عليه الدستور.
ومن هنا، فإن الاعتراض السياسي على تنفيذ الدستور حق مكفول في إطار القانون، لكن تحويل الاعتراض إلى خطاب كراهية أو تحريض بين العرب والكورد أمر مختلف تماماً، ولا يخدم خانقين ولا العراق.
خانقين ليست ساحة لصراع المكونات.
إنها مدينة عرفت التعايش، واحتضنت الكورد والعرب والتركمان والمسيحيين، والسنة والشيعة، وعاش أبناؤها سنوات طويلة بروح الجيرة والتآخي والمصالح المشتركة. ولذلك فإن أي خطاب يسعى إلى تحويل الاختلاف السياسي إلى عداء قومي أو مذهبي هو خطاب خطير يجب أن يواجه سياسياً وقانونياً، لا بالصمت.
والتاريخ لا يُعاد بالتحريض
هناك ملفات تاريخية وسياسية وقانونية لا يمكن القفز فوقها أو دفنها تحت ضجيج التصريحات. فقد شهد العراق خلال عقود سابقة سياسات تعريب وتهجير وتغيير ديموغرافي والاستيلاء على ممتلكات وأراضٍ، وهي من القضايا التي جاء الدستور لمعالجتها ضمن الإطار الذي رسمته المادة 140.
لذلك، فإن محاولة تصوير المطالبة بتطبيق المادة 140 على أنها اعتداء على مكوّن آخر هي قراءة سياسية مغلوطة.
المطالبة بتطبيق الدستور ليست مطالبة بإقصاء العربي أو التركماني أو المسيحي، وليست حرباً على أي مذهب أو قومية.
الحقوق تُستعاد بالقانون، ولا تُنتزع بالكراهية.
من خانقين تبدأ وحدة الموقف
إن اللقاء الكوردستاني الأخير في خانقين يجب ألا يبقى مجرد اجتماع وتصريحات إعلامية، بل ينبغي أن يتحول إلى مشروع سياسي موحّد في خانقين وسائر المناطق المشمولة بالمادة 140.
فالخلافات الحزبية أمر طبيعي في الحياة السياسية، لكن عندما يتعلق الأمر بالحقوق الدستورية والمصالح العليا للشعب، فإن المطلوب هو توحيد الموقف والتفاوض من موقع القوة السياسية والقانونية.
وعلى القوى السياسية الكوردستانية أن تدرك أن تشتت المواقف يضعف المطالب، بينما وحدة الموقف تمنحها قوة تفاوضية وشعبية أكبر.
وفي المقابل، فإن القوى السياسية العربية والتركمانية وجميع المكونات مدعوة إلى المشاركة في بناء مستقبل خانقين على أساس المواطنة والدستور والقانون، بعيداً عن لغة التخوين والتحريض.
رسالة إلى أصحاب الأصوات النشاز
نقولها بوضوح:
لن تستطيعوا إعادة عجلة التاريخ إلى الوراء بالصراخ، ولن تستطيعوا إسقاط نص دستوري بالتصريحات والتهديدات السياسية.
الدستور لا يُلغى بمنشور على مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يُعدّل ببيان حزبي، ولا تسقط مواده بالصوت العالي.
ومن لديه اعتراض قانوني على أي إجراء، فليذهب إلى المؤسسات الدستورية والقضائية المختصة، وليقدم حجته بالقانون.
أما تحويل الخلاف السياسي إلى كراهية بين مكونات خانقين، فهو أمر مرفوض من كل إنسان حريص على مستقبل المدينة.
خانقين تحتاج إلى رجال دولة، لا إلى تجار فتنة.
تحتاج إلى قانون، لا إلى فوضى التصريحات.
تحتاج إلى وحدة موقف، لا إلى تمزيق الصفوف.
إن جماهير خانقين اليوم أمام مسؤولية تاريخية: أن تحافظ على مدينتها، وعلى تعايشها، وعلى حقوقها الدستورية، وأن تقول بصوت واضح إن المستقبل لا يُبنى بالكراهية، وإنما بالدستور والقانون والشراكة والتآخي.
وإذا كانت هناك أصوات تريد إعادة إنتاج الماضي، فإن الرد الأقوى عليها ليس الفتنة، بل الوحدة.
فليكن لقاء الأحزاب الكوردستانية في خانقين بداية مرحلة جديدة من توحيد الصفوف والمواقف في جميع المناطق المشمولة بالمادة 140.
خانقين قالت كلمتها…
والدستور هو الحكم…
والقانون هو الطريق…
ووحدة الصف هي القوة .