قراءة قانونية
أُصدر مشروع الدستور للجمهورية العربية السورية في مطلع عام 2025 من قِبل السلطة الجديدة في دمشق. وفي أعقاب التحولات المتسارعة في المشهدين السياسي والعسكري على الساحة السورية، طالما تمثّل الهاجس الرئيسي للمكونات القومية والدينية ولا سيما الكرد والدروز والعلويين والأزيديين في مدى إيمان السلطة الجديدة الفعلي بالتعددية، الديمقراطية، التعايش، وحقوق الإنسان. ويأتي مشروع الدستور السوري الجديد، الذي يترجم بوضوح توجهات السلطة الراهنة (بقيادة أحمد الشراع)، ليقدم إجابة صريحة وواضحة؛ إذ يُظهر من خلال قراءتنا التحليلية أنه لا يقتصر على تهميش حقوق المكونات فحسب، بل يعلن رسمياً رفضه التام لأي كيان سياسي أو قومي خاص بها، ويضع عموم مناطق التعددية في البلاد أمام خطر حقيقي ينذر بالتطهير، وهو ما قد يتم إقراره لاحقاً عبر التشريعات والقوانين الفرعية.
وعند قراءة مصدر الدستور وفلسفته الدستورية في سوريا، نجد أن المادة (1) تنص على أن الدولة هي دولة عربية، وتعتبرها من الناحيتين السياسية والجغرافية وحدة منجزة لا تقبل التجزئة ولا تتنازل عن أي جزء منها؛ وقد صيغت هذه المادة صراحةً في مواجهة المكون الكردي والمناطق الأخرى كالسويداء والساحل، لكي تُجرَّد المكونات من أي دور أو ثقل سياسي ودبلوماسي، ولا تُعترف بكياناتها دستورياً. وفي الوقت ذاته، بُني هذا الدستور على أسس احتكاردي، وقومية عربية متطرفة، وإسلام سياسي متشدد. وتقتصر المادة (4) على الاعتراف باللغة العربية وحدها لغة رسمية، حارمةً الكرد وبقية المكونات من حق التعلم والكتابة بلغاتهم الأم، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً لمبادئ حقوق الإنسان الدولية.
يُطرح هذا الدستور في المرحلة الراهنة كمشروع مقترح (Draft Constitution) يتسم بخصائص صارمة وجامدة؛ إذ لم يُبقِ في مواده الختامية أي نافذة واقعية أو مرنة لتعديل مواده الجوهرية، مانحاً سلطات واسعة ومطلقة لرئيس الجمهورية بطريقة قطعت الطريق أمام أي مسار للتغيير الديمقراطي. وإذا كانت المادة (2) تتحدث عن مبدأ الفصل بين السلطات، فإن المادتين (24 و 25) تثبتان عكس ذلك تماماً؛ إذ تنص الفقرة الأولى من المادة (24) على أن “رئيس الجمهورية يشكل لجنة لانتخاب أعضاء البرلمان”، بينما تنص الفقرة الثالثة على أنه “يعين ثلث أعضاء البرلمان مباشرة”. وتؤكد المادة (25) بدورها أنه لا يمكن إعفاء أي عضو برلماني إلا بموافقة ثلثي الأعضاء، وهو ما يعني عملياً استحالة عزل أي نائب دون مباركة وموافقة مطلقة من رئيس الجمهورية.
وفي معرض تسليط الضوء على تغول السلطة التنفيذية ومصير روجآفا والمناطق الأخرى، نرى أن السلطة التنفيذية تتركز في يد رئاسة تتمتع بصلاحيات مفرطة من دون أي توازن دستوري، ويظهر ذلك جلياً في الأدلة التالية:
أولاً: المادة (31): يمارس رئيس مجلس الوزراء والوزراء صلاحياتهم على كامل الأراضي السورية، وهو ما يترجم عملياً وبصورة غير دستورية إلى إلغاء وتفكيك الإدارة الذاتية في روجآفا، فضلاً عن تقويض الصلاحيات الإدارية لمناطق الدروز والعلويين.
ثانياً: المادة (32): يُعد رئيس الدولة القائد الأعلى لكافة القوات المسلحة، بحيث تخضع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ووحدات حماية المكونات حتماً لسطمنته وسلطته الفردية.
ثالثاً: المادتان (7 و 9): تعتبر المادة (7) أي دعوة للانفصال أو طلب الدعم من جهات خارجية جريمة معاقباً عليها، بينما تنص الفقرة الثانية من المادة (9) على أن الدولة وحدها هي المخولة بتأسيس الجيش، وتعتبر كافة التشكيلات والتنظيمات العسكرية الأخرى محظورة وملغاة رسمياً.
أما فيما يتعلق بضعف البرلمان، فتمنح المادة (39) في فقرتها الأولى رئيس الجمهورية حق اقتراح مشاريع القوانين، بينما تشترط في فقرتها الثانية عدم تمرير أي قانون من دون موافقته. وفي حال أُعيد القانون إلى البرلمان، فإنه يحتاج إلى تصويت ثلثي الأعضاء، في حين أن ثلث (1/3) أعضاء البرلمان أنفسهم هم معلّبون ومُعينون مباشرة من قِبل رئيس الجمهورية شخصياً. وبناءً على ذلك، يتحول البرلمان إلى مجرد “ختم مطاطي” وتُجهض استقلالية التشريعات برمتها ضمن هذا الإطار المغلق.
لا يقف مشروع الدستور عند حدود المؤشرات الشكلية، بل يذهب لتهميش عموم المطالب الأساسية للمكونات، ويظهر ذلك في عدة جوانب:
أولاً: الحرمان من الاعتراف الرسمي:حُرمت المكونات بوصفها مكونات أصيلة وذات تاريخ في البلاد من أي إقرار دستوري، وعوملت بصفة مواطنين مجردين وهامشيين من دون أي تمثيل اعتباري.
ثانياً: رفض الإدارة الذاتية واللامركزية: لم يُعتمد أي شكل من أشكال اللامركزية السياسية لروجآفا أو السويداء أو بقية المناطق، وتكدست كافة الصلاحيات بشكل مركزي مطلق.
[8/30/2026 11:38 AM] جواد كاظم: ثالثاً: تجاهل ملف المحرومين من الجنسية:خلو الدستور تماماً من أي آلية قانونية لتعويض وإعادة الحقوق المدنية والجنسية الكاملة لأولئك المواطنين الذين جُرِّدوا منها في ظل السياسات السابقة.
وهنا يبرز التساؤل الملحّ حول خطر تقويض حقوق المواطنة والهوية؛ إذ إن تغييب اللغة الكردية والخصوصيات الدينية والثقافية للدروز والعلويين والأزيديين في هذا الدستور يضع الحقوق الأساسية للمواطنة أمام مهددات كبرى. هذا التهميش يقسم المجتمع إلى مواطنين من الدرجة الأولى وآخرين من الدرجة الثانية، وهو ما يصطدم تصادماً مباشراً مع معايير حقوق الإنسان الدولية.
وعلى مستوى بُعد التطهير المدني والثقافي، فإن محو التاريخ والثقافة والموروث الخاص بالمكونات داخل أتون دولة أحادية ومنهجية احتكارية، يمثل خطوة خطيرة باتجاه التطهير المدني، الثقافي، والعرقي. إذ يمنح هذا الدستور شرعية لعمليات الانصهار القسري لكافة المكونات، مما يخلق تهديداً جسيماً يطال التنوع المجتمعي في سوريا.
إن إسقاط مشروع متطرف كهذا على أرض الواقع، سيضع السلطة المركزية من الناحيتين المالية واللوجستية والعسكرية أمام تحديات جسيمة للسيطرة على كافة المناطق. ومن منظور آخر، فإن هذه الصيغة الدستورية ستفضي في السياقات الإقليمية والدولية (لا سيما موقف التحالف الدولي ودول الجوار) إلى تفجير أمني، وموجات نزوح جماعي، وتآكل تام لثقة المجتمع الدولي، مما يعيد سوريا حتمياً إلى أتون أزمة إنسانية وأمنية أعمق وأقسى.
تتمثل الرؤية الاستراتيجية والبديل الموضوعي في مواجهة هذا المشروع التوتاليتاري في ضرورة انتظام القوى السياسية والمدنية الكردية وعموم المكونات الأخرى (الدروز والعلويين) ضمن جبهة استراتيجية مشتركة وموحدة؛ وذلك عبر تشكيل تحالف دبلوماسي فاعل في المحافل الدولية للضغط على دمشق باتجاه تعديل المشروع، وصياغة خارطة طريق إدارية وعسكرية واضحة (كتقديم نموذج لامركزي مشترك) لضمان طرح خيارات الحوار والتفاوض جادّةً قبل الانزلاق نحو الصدام الحتمي الشامل.
المصادر:
١. النصوص الرسمية:
مشروع الدستور للجمهورية العربية السورية، (مشروع الدستور الرسمي، دمشق، كانون الثاني/يناير 2025).
المواد (1، 2، 4، 7، 9، 24، 25، 31، 32، 39) من مشروع الدستور السوري الجديد، (دمشق، 2025).
٢.الدراسات والتقارير:
مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية، “قراءة في مشروع الدستور السوري الجديد وتداعياته على المكونات”، تقرير تحليلي، الرقم 14، دمشق/إسطنبول، شباط/فبراير 2025.
منظمة الأمم المتحدة، مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية وحماية حقوق الأقليات”، وثيقة رسمية، مرجع المستند: CCPR/C/79/Add.102، نيويورك، 1999-2025.
٣ المنصات والمطبوعات المدنية:
مركز روجآفا للدراسات القانونية والاستراتيجية، “مذكرة وموقف رسمي بشأن خطورة المواد الدستورية السورية على الحقوق القومية للكرد والمكونات”، منشور برقم 08، القامشلي، آذار/مارس 2025.
جمعية الدفاع عن حقوق المكونات في سوريا، “بيان مشترك للكرد والدروز والعلويين حول رفض الاحتكار الدستوري وصيانة التعددية”، منشور إلكتروني، أربيل، كانون الثاني/يناير 2025.