نبيل عبد الأمير الربيعي
ثمة مفارقة صارخة في الخطاب الإيراني وحسابات القوى المرتبطة به في العراق: الحديث المتكرر عن (وجود إسرائيلي)في إقليم كوردستان، وتحويل هذا الادعاء إلى مبرر للتصعيد والتهديد، في وقت تبدو فيه المعركة الحقيقية أبعد بكثير من الخرائط والشعارات.
فإذا كان هناك نشاط أمني أو استخباري إسرائيلي، فالمواجهة معه شأن دولة ومؤسسات وأجهزة مختصة، وليس ذريعة مفتوحة لإقحام العراق في صراعات الآخرين. أما تحويل كوردستان إلى عنوان دائم للاتهام، فإنه لا يقدم جواباً عن السؤال الأهم: هل تبحث طهران عن حقيقة أمنية، أم عن مبرر سياسي لصراع يتجاوز حدودها؟
المشكلة أن السياسة حين تبنى على الشكوك والذرائع، تتحول سريعاً إلى مغامرة، والمغامرات الاستراتيجية لا يدفع ثمنها صانعو القرار وحدهم، بل يدفعها المواطن الذي يستيقظ كل صباح على ارتفاع الأسعار وضيق فرص العمل وتراجع مستوى المعيشة.
إذا اتجهت المواجهة مع إيران نحو مزيد من الخنق الاقتصادي، فإن السؤال لن يكون عن قدرة إيران على إطلاق الصواريخ أو امتلاك الطائرات المسيرة فحسب، بل عن قدرتها على حماية اقتصادها ومجتمعها من تداعيات العزلة.
الاقتصاد الإيراني، مثل أي اقتصاد آخر، يحتاج إلى النفط والأسواق والتجارة وسلاسل الإمداد ومنافذ الحركة المالية. وكلما ضاقت هذه المنافذ، ارتفعت كلفة الحياة على المواطن، وتراجعت قدرة المؤسسات الإنتاجية على الاستمرار، واتسعت مساحة الاقتصاد الموازي والتهريب والفساد.
وهنا تكمن خطورة العقوبات؛ فهي لا تدخل المدن بالدبابات، ولا تحتاج إلى معركة عسكرية كي تحدث أثراً عميقاً. إنها تتسلل إلى السوق، ثم إلى المصنع، ثم إلى جيب الموظف والعامل، قبل أن تصل في النهاية إلى المزاج الاجتماعي العام.
والعراق يعرف هذه التجربة جيداً. فقد أظهرت سنوات الحصار أن تدمير الاقتصاد لا يعني بالضرورة إسقاط النظام، لكنه يستطيع أن يمزق النسيج الاجتماعي، ويحول الفقر إلى ظاهرة عامة، ويفتح أبواباً واسعة للفساد والتهريب واقتصاد الظل.
لكن استنساخ التجربة العراقية في إيران قد يكون أكثر تعقيداً؛ فإيران دولة كبيرة، ذات موارد بشرية واقتصادية واسعة، ولديها خبرة طويلة في الالتفاف على العقوبات. ولذلك فإن الحديث عن (انهيار سريع) للنظام ليس أكثر من تبسيط مخل. غير أن استمرار الضغط الاقتصادي مع سوء الإدارة والعزلة السياسية قد يخلق أزمة مختلفة تماماً: أزمة ثقة بين المجتمع والسلطة.
يمكن لأي سلطة أن تطلب من شعبها الصبر لبعض الوقت، ويمكن للأيديولوجيا أن تمنح المجتمع قدرة على الاحتمال في ظروف استثنائية، لكن لا توجد أيديولوجيا تستطيع أن تلغي قوانين الاقتصاد، ولا شعار يستطيع أن يخفض أسعار الغذاء، ولا خطاب ثوري يستطيع وحده أن يوفر فرص العمل.
فالإنسان قد يصبر على الفقر عندما يعتقد أن وراء الصبر مشروعاً وطنياً واضحاً، لكنه يبدأ بالسؤال عندما يصبح الحرمان نمط حياة، وعندما يرى أن السلطة تنفق على صراعات خارجية بينما تتسع مشكلاته في الداخل. وهذا هو الخطر الذي ينبغي أن تدركه القيادة الإيرانية قبل غيرها: الخصم الخارجي قد يوحد المجتمع، لكن الفشل الداخلي قد يفرقه.
وليس من مصلحة العراق أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة لتبادل الرسائل بين طهران وخصومها. فالعراقيون دفعوا خلال العقود الماضية أثماناً باهظة بسبب صراعات إقليمية ودولية لم تكن لهم فيها الكلمة الأخيرة.
لذلك فإن استخدام الأراضي العراقية منصة للتهديد، أو تحويل بعض مناطق العراق إلى ساحات اشتباك غير مباشر، يمثل انتقاصاً من سيادة الدولة العراقية قبل أن يكون تحدياً لأي طرف آخر. والأكثر إثارة للقلق أن بعض القوى العراقية تتعامل مع المصالح الإيرانية وكأنها امتداد تلقائي للمصلحة الوطنية العراقية، بينما المعيار الطبيعي في السياسة هو أن يكون العراق أولاً، وأن تقاس علاقاته مع إيران وتركيا وأميركا وسائر الدول وفق مصالحه الوطنية، لا وفق ولاءات عابرة للحدود.
قد تخسر الدول معركة عسكرية وتستعيد توازنها، لكنها عندما تخسر قدرتها على قراءة الواقع تصبح الهزيمة أكثر عمقاً. الخطأ الاستراتيجي لا يبدأ لحظة سقوط الصاروخ، بل يبدأ عندما تبنى القرارات على تقديرات خاطئة، وعندما تتحول المكابرة إلى سياسة، والشعار إلى بديل عن الحساب، والتصعيد إلى غاية بحد ذاته. وكان يمكن لإيران، في مراحل مختلفة، أن توظف التفاوض والانفتاح الدولي لتقليل الضغوط وتحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية. أما الإصرار على إدارة الملفات بعقلية المواجهة الدائمة، فقد يجعل أي اتفاق فرصة ضائعة، وأي تراجع تكتيكي خسارة سياسية، وأي تنازل ضرورة مؤلمة تأتي بعد فوات الأوان.ليس المطلوب من إيران أن تستسلم لخصومها، بل أن تدير مصالحها بعقل الدولة لا بعاطفة المعركة.
هذه هي الخلاصة التي ينبغي ألا تضيع وسط ضجيج الصواريخ والبيانات والخطابات: القادة يقررون، لكن الشعوب تدفع.
فإذا أخطأت القيادة في تقدير حجم المواجهة، وإذا تحولت العقوبات إلى حصار اقتصادي طويل، وإذا تراجعت قيمة العملة وارتفعت الأسعار وتقلصت فرص العمل، فلن يعيش المسؤول وحده نتائج القرار؛ سيعيشها ملايين الإيرانيين في بيوتهم وأسواقهم ومستشفياتهم ومصانعهم. ولهذا فإن أخطر ما تواجهه إيران ليس فقط القوة العسكرية التي يمكن أن تواجهها، ولا العقوبات التي يمكن أن تحاول الالتفاف عليها، وإنما احتمال أن تتحول أخطاء القيادة إلى أزمة ثقة شعبية.
فالدولة القوية ليست التي ترفع سقف التهديد، وإنما التي تعرف متى تتقدم ومتى تتراجع، ومتى تقاتل ومتى تفاوض، ومتى يكون الصمت أكثر فائدة من الصراخ. أما أن تتحول السياسة إلى اختبار دائم للأعصاب، وأن يطلب من الشعب دفع ثمن كل مغامرة باسم (المقاومة) أو (السيادة) أو (المواجهة)، فذلك ليس انتصاراً للدولة، بل تحميل للمواطن فاتورة لم يكتبها ولم يوقع عليها.
وفي النهاية، قد تستطيع السلطة أن تصمد أمام خصومها سنوات، لكنها لا تستطيع أن تصمد إلى الأبد أمام شعب أنهكته الأزمة وفقد ثقته بجدوى الطريق الذي اختير له.
وهنا تحديداً يبدأ السؤال الأخطر: هل تستطيع إيران أن تنتصر في معركتها مع الخارج، من دون أن تخسر معركتها مع الداخل؟