انقسام الكورد هل يضيع مكتسباتنا

شيركو حبيب

يمر الكورد في العراق بمرحلة حساسة ومصيرية. ففي الوقت الذي تتجه فيه المنطقة بسرعة نحو تغييرات سياسية وأمنية كبيرة، لا يزال الكورد في الداخل يواجهون مشكلات وخلافات سياسية.

وهذا الوضع لا يتعلق فقط بالخلاف بين الأحزاب، لأن الاختلافات السياسية، إذا تجاوزت حدود التنافس السياسي وتحولت إلى انقسام في الموقف الكوردي، فإن تأثيرها لن يقتصر على طرف أو حزب، بل سيطال الكورد جميعاً، وقد يضع حقوقهم ومكتسباتهم أمام الخطر.

لم يصل الكورد في العراق بسهولة إلى المكانة التي يتمتعون بها اليوم. فهذه الحقوق والمكتسبات تحققت عبر النضال والتضحيات وسنوات طويلة من الكفاح. وبعد عام 2003، وبشكل خاص من خلال الدستور العراقي لعام 2005، تم تثبيت إقليم كوردستان وعدد من حقوق الكورد ضمن الإطار الدستوري العراقي، لكن ما تم تثبيته على الورق يحتاج إلى قوة سياسية ووحدة موقف من أجل حمايته.

الحقوق لا تُحمى بالدستور وحده، بل تُحمى بالموقف والقوة السياسية.

المشكلة تبدأ عندما لا يستطيع الكورد في الداخل أن يكونوا أصحاب صوت واحد وموقف واحد تجاه القضايا المصيرية. فالاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي في السياسة، ولا يمكن لأي مجتمع ديمقراطي أن يكون خالياً من الاختلاف السياسي، لكن الاختلاف السياسي يجب ألا يتحول إلى انقسام وطني.

يمكن أن نختلف حول أسلوب الإدارة، ويمكن أن نتنافس حول السياسة والسلطة، لكن عندما يتعلق الأمر بالحقوق القومية، والدستور، والعلاقة بين أربيل وبغداد، والموازنة، والرواتب، والنفط والغاز، والبيشمركة، والمناطق المتنازع عليها، فإن الكورد بحاجة إلى موقف مشترك، لأن الكورد عندما يتحدثون بأصوات متعددة ومتناقضة، يصبح صوتهم وموقفهم أضعف.

انقسام الكورد… فرصة لمن؟

إن التاريخ السياسي للكورد في المنطقة يحمل الكثير من الدروس. ففي كل مرة انقسم فيها الكورد، تمكنت قوى أخرى من الاستفادة من ذلك الانقسام لخدمة مصالحها.

واليوم، لا ينبغي أن ننظر إلى الخلافات الداخلية باعتبارها مجرد مشكلة بين حزبين أو طرفين. ففي الواقع السياسي العراقي، كل فراغ يصنعه الكورد يمكن لطرف آخر أن يملأه.

والسؤال ليس: أي طرف سينتصر في هذا الصراع السياسي؟

بل إن السؤال الأهم هو:

هل ستكون كوردستان أقوى أم أضعف في نهاية هذا الخلاف؟

إذا نجح طرف في صراع سياسي، لكن مكانة الكورد بشكل عام أصبحت أضعف، فإن ذلك لا يمكن اعتباره انتصاراً وطنياً.

إقليم كوردستان والعراق… بحاجة إلى موقف مشترك

إقليم كوردستان جزء مهم من النظام السياسي العراقي، وعلاقاته مع بغداد يجب أن تُدار على أساس الدستور والحوار السياسي.

ولا ينبغي للكورد أن يعالجوا جميع قضاياهم مع بغداد بصورة منفردة، ومن خلال مواقف متباينة. بل يجب أن تكون لديهم رسالة واضحة في القضايا الأساسية.

لبغداد مصالحها، وللكورد مصالحهم، وهذا أمر طبيعي. لكن التفاوض يصبح أقوى عندما يذهب الطرف الكوردي إلى طاولة الحوار بموقف موحد.

الكورد في العراق لا يستمدون قوتهم فقط من عدد مقاعدهم في البرلمان، بل إن قوتهم الحقيقية تكمن في وحدتهم، ومكانتهم السياسية، وقدرتهم على التفاوض.

دور الرئيس مسعود بارزاني

في هذه المرحلة الحساسة، يمكن الاستفادة من دور الرئيس مسعود بارزاني. فخبرته السياسية الطويلة وتجربته في التعامل مع بغداد والقوى الإقليمية والدولية يمكن أن تشكل أساساً لتقريب وجهات النظر بين الأطراف الكوردية.

ولا يعني ذلك أن تكون لدى جميع الأطراف الرؤية نفسها، وإنما المطلوب أن يتمكنوا، في القضايا الوطنية، من الوصول إلى موقف مشترك.

إن تجربة الرئيس بارزاني في المراحل المختلفة من التاريخ السياسي لكوردستان، ولا سيما في التعامل مع بغداد والقوى الإقليمية والدولية، يمكن توظيفها من أجل بناء موقف مشترك وحماية المصالح العامة.

الوحدة لا تعني حزباً واحداً

يجب أن نقول ذلك بوضوح: الدعوة إلى وحدة الكورد لا تعني أن تتحول جميع الأحزاب إلى حزب واحد، ولا تعني أن يكون لجميع الكورد الفكر والرؤية نفسيهما.

فالاختلاف السياسي هو أساس من أسس الديمقراطية، لكن في القضايا الوطنية يجب أن تكون هناك مساحة مشتركة.

يمكننا أن نتنافس، لكن لا ينبغي أن ننقسم حول حقوقنا.

يمكننا أن نختلف حول السلطة، لكن لا ينبغي أن نتحدث في بغداد بأصوات متعددة.

يمكن أن تكون لدينا سياسات مختلفة، لكن لا ينبغي أن نجعل مصالح كوردستان ضحية للمنافسة الحزبية.

كوردستان يجب ألا تدفع ثمن الخلاف

اليوم يقف الكورد في العراق أمام سؤال كبير:

هل يستطيعون إدارة اختلافاتهم بصورة سياسية وديمقراطية، من دون أن تتحول هذه الاختلافات إلى سبب لإضعاف المكانة العامة للكورد؟

يجب أن تكون الإجابة: نعم.

لأن كوردستان يجب ألا تدفع ثمن الخلافات الحزبية.

حقوقنا تحققت بالنضال والتضحيات، وحمايتها مسؤولية جميع الأطراف. فإذا كان الكورد متحدين، فإنهم يستطيعون أن يكونوا أقوياء على طاولة التفاوض.

أما إذا كانوا منقسمين، فإن الآخرين سيحصلون على فرص أكبر للضغط والمساومة.

في النهاية…

السؤال واضح جداً:

هل نريد أن تتحول اختلافاتنا إلى سبب لإضعاف الكورد؟

أم نريد أن نعالج اختلافاتنا من خلال الحوار، وأن نتوحد حول حقوقنا؟

الكورد لا يحتاجون إلى أن يكون كل شيء بينهم متطابقاً، وإنما يحتاجون إلى أن يكون لديهم موقف واحد تجاه القضايا التي يرتبط بها مستقبل كوردستان.

لأن:

انقسام الكورد قد يتحول إلى فرصة وقوة للآخرين، أما وحدة الكورد فهي قوة لهم.

وإذا كنا لا نريد حقاً أن نضع حقوقنا ومكتسباتنا أمام الخطر، فعلينا قبل كل شيء أن نتوحد حول حقوقنا.

قد يعجبك ايضا