من بيرسي كوكس إلى توم باراك

سمير ميراني

في البدء كان الحبر، حبرٌ أسود يسيل من ريشة رجلٍ إنگليزي، يجلس في خيمةٍ قرب بغداد، ويرسم خطوطاً على ورق دون أن يسأل أصحاب الأرض، كان بيرسي كوكس يوقع باسم بريطانيا على مصائرنا، بينما كنا نزرع البلوط في سفوح زاگروس، ونغني بلغة لم يسمعها، ونحلم بوطنٍ لم يرسم بعد، وقالت لنا الخرائط : ” اندمجوا”، اندمجوا في العراق الجديد في دولة مركزية، وبقيت كركوك والنفط في قلب الحكاية.
مرّ قرن ثم جاء توم باراك، لم يتغير السؤال كثيراً وإن تغيرت الأسماء ، في زمنٍ كان فيه كوكس يتحدث باسم بريطانيا، ألحقت مناطقنا بالدولة العراقية الجديدة وجاء الاندماج من فوقنا، وبعد قرن يأتي باراك باسم أميركا، لتدخل مناطقنا وقواتنا في ترتيبات الدولة السورية الجديدة، ويعود الاندماج من جديد.
بين العراق وسوريا وبين قرنٍ وآخر، بقيت القضية الكوردية معلقةً بين مصالح القوى الكبرى.
لكن الاندماج الذي يطلبونه منا ، على أي أساس يكون؟ على أساس الشراكة، أم الذوبان في المركز؟ في جزءٍ من أرضنا، نحن شركاء على الورق، لكن الواقع يقول شيئاً آخر ، فأين الثقة بين الشركاء؟
تغير الحبر وتغيرت الخيمة، وتغيرت الوجوه، صار الحبر رقمياً وصارت الخرائط تُدار من خلف الشاشات، قاتلنا معهم وحملنا السلاح معهم، وحفظنا لهم الأرض عندما كانت الحرب مشتعلة، ثم سمعنا الكلمة نفسها: اندمجوا، اندمجنا في سوريا الجديدة وحُلت قواتنا وعادت الأرض إلى المركز .
وفي العراق ظل البلوط واقفاً فوق جزءٍ آخر من كوردستان، ثم بدأت المساحات تضيق وتتقلص الصلاحيات، من النفط والميزانية ثم المعابر والإيرادات، وعينٌ على المطار، لتضيق معها المسافة بين الإقليم والمركز، لكنهم قالوها لنا مرةً اخرى : اندمجوا .
وفي كل ذلك كان هناك الوقود، لكن الوقود لم يكن النفط وحده، كان النفط والجغرافية، والأمن والحدود والتحالفات، كانت الأرض وقوداً حين احتاجوا جغرافيتها، وكان النفط وقوداً عندما احتاجوا ثروتها، وكان الكورد وقوداً حين احتاجوا مقاتليهم، وبقيت قضيتنا تنتظر وعداً جديداً.
أخذوا الوقود وأعطونا الوعود، وعود تلمع في لحظة الحاجة، ثم تخفت مع تبدل الظروف، نحن اعتبرنا الوعد عهداً، وهم اعتبروه لحظة، نحن حفظناه في الذاكرة وهم حفظوه في الملفات.
قاتلنا عندما احتاجت المعركة إلينا، وانتظرنا حين جاء وقت التسوية، حلفاء في الحرب، أعباء في السلام، لم تكن القوى الكبرى دائماً ضدنا، كانت أحياناً أقرب حلفائنا، ثم تبدلت اللغة.
لكننا لا نستطيع أن نضع كل شيء في يد الآخرين، لقد كانت خلافاتنا الطويلة باباً دخلوا منه كثيراً، كلما اختلفنا على الطريق، اختلفت معنا الخريطة، وكلما انقسم قرارنا، اتسعت أمام الآخرين الأبواب.
تبدلت التحالفات بيننا وتبدلت معها مواقعنا، حتى أصبح الآخر قادراً على أن يجد في كل خلافٍ كوردي طريقاً إلى مصالحه، وفي الوقت الذي كانت قضيتنا تحتاج إلى صوتٍ واحد، كنا نقدم لها أصواتاً كثيرة.
وهنا يؤلمنا السؤال: إذا كنا لا نتفق على كوردستان، فكيف نريد للعالم أن يتعامل معها كقضية واحدة؟
ومع ذلك لم نكن مجرد ضحايا، نحن الذين زرعنا البلوط، نحن الذين حملنا الاسم عندما تغيرت الخرائط، نحن الذين بقينا حين تغيرت الدول، قد يأخذون الوقود، وتتبدل الحدود، وتتغير التحالفات والعهود، وتأتي وعودٌ جديدة بوجوهٍ جديدة، وحبرٍ جديد، لكن البلوط الذي زرعناه لا يقرأ خرائطهم .
سيبقى الكورد، نحن الذين زرعنا البلوط، ونحن الذين سنحصده.

قد يعجبك ايضا