العراق… هل آن أوان الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل؟

نوري جاسم ..

في عالمٍ لم تعد فيه الأحداث تنتظر أحدًا، وتتسارع فيه التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية بصورة غير مسبوقة، يقف العراق أمام لحظة تستحق التوقف والتأمل: هل نبقى أسرى لإدارة الأزمات، أم نمتلك الشجاعة للانتقال إلى صناعة المستقبل؟
ليس السؤال ترفًا فكريًا، ولا شعارًا سياسيًا عابرًا؛ فالعراق اليوم يعيش في منطقة تتغير ملامحها بسرعة، وتتداخل فيها المصالح الدولية والإقليمية، وتُعاد فيها صياغة التحالفات وموازين القوى. وفي مثل هذه البيئة، لا يكفي أن تكون للدولة القدرة على التعامل مع الأزمات بعد وقوعها، بل ينبغي أن تمتلك رؤية استباقية تجعلها قادرة على التأثير في مسار الأحداث.
لقد دفع العراق، خلال العقود الماضية، ثمنًا باهظًا من الاستقرار والتنمية والفرص. وكانت الأزمات المتلاحقة تفرض على الدولة والمجتمع الانتقال من أزمة إلى أخرى، حتى أصبحت إدارة الأزمة في أحيان كثيرة بديلًا عن التخطيط للمستقبل. ولكن العراق الذي يملك موقعًا جغرافيًا استثنائيًا، وثروات طبيعية كبيرة، وطاقات بشرية واسعة، وتاريخًا عميقًا في صناعة الحضارة، لا ينبغي أن يقبل بأن يكون مجرد ساحة تتقاطع فيها مصالح الآخرين.
العراق يستطيع أن يكون لاعبًا مؤثرًا. وهذا الدور لا يتحقق بالشعارات، وإنما ببناء دولة قوية بمؤسساتها، واضحة في قرارها، متوازنة في علاقاتها، وقادرة على حماية مصالحها الوطنية. وإن أول شروط الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل هو أن تصبح الدولة هي الإطار الجامع الذي يحتكم إليه الجميع. فكلما قويت مؤسسات الدولة، أصبح العراق أكثر قدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، وأكثر قدرة على إدارة اختلافاته الداخلية بالحوار والقانون والمؤسسات. ولا يعني ذلك إلغاء التنوع الذي يميز المجتمع العراقي، بل يعني تحويل هذا التنوع من مصدر للتنافس السلبي إلى مصدر للقوة الوطنية.
فالعراق ليس لونًا سياسيًا واحدًا، ولا مكوّنًا واحدًا، ولا رؤية واحدة؛ إنه وطن تتعدد فيه القوميات والمذاهب والأديان والثقافات، وهذه التعددية يمكن أن تكون ثروة وطنية إذا أُديرت في إطار المواطنة والدستور وسيادة القانون. وفي المقابل، فإن التحولات الإقليمية تفرض على العراق أن يعيد النظر في مفهوم القوة. فالقوة في عالم اليوم لا تُقاس بالسلاح وحده، وإنما بالاقتصاد، والتعليم، والتكنولوجيا، والدبلوماسية، والطاقة، والمياه، والأمن الغذائي، وقدرة الدولة على بناء علاقات متوازنة مع محيطها والعالم. وهنا تظهر فرصة العراق.
فموقعه الجغرافي يمكن أن يجعله محورًا مهمًا لحركة التجارة والطاقة والنقل بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام، كما أن موارده البشرية والطبيعية تمنحه إمكانات واسعة إذا جرى توظيفها ضمن رؤية وطنية طويلة المدى. ولكن الفرصة لا تنتظر طويلًا. والدول التي لا تصنع مستقبلها، سيصنع الآخرون مستقبلها وفق مصالحهم. ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة الفعل، ومن معالجة المشكلات اليومية إلى بناء استراتيجيات تمتد لسنوات وعقود.
نحن بحاجة إلى مشروع وطني يجعل من التعليم والاستثمار والصناعة والزراعة والتكنولوجيا والبنية التحتية أولويات حقيقية، ويجعل من مكافحة الفساد وترسيخ سيادة القانون جزءًا أساسيًا من عملية بناء الدولة. كما أن العراق بحاجة إلى دبلوماسية أكثر حضورًا وفاعلية، تقوم على قاعدة بسيطة: صداقات واسعة، ومصالح واضحة، وقرار وطني مستقل. وإن العراق لا يحتاج إلى أن يكون جزءًا من صراعات الآخرين، بل يحتاج إلى أن يكون قادرًا على حماية مصالحه في عالم تتنافس فيه الدول على النفوذ والمصالح. وفي الداخل، تبقى العلاقة بين السلطات والمؤسسات الدستورية عنصرًا أساسيًا في بناء الدولة. فاستقرار النظام السياسي لا يتحقق بوجود النصوص الدستورية وحدها، وإنما بحسن تطبيقها، واحترام الاختصاصات، وتحقيق التوازن بين السلطات، وصيانة استقلال القضاء، وتفعيل الرقابة والمساءلة في إطار القانون.
إن الدولة القوية ليست الدولة التي لا يختلف أبناؤها، وإنما الدولة التي تستطيع أن تجعل الاختلاف وسيلة للبناء لا سببًا للانقسام. ولذلك فإن اللحظة الراهنة ينبغي ألا تُقرأ بوصفها أزمة جديدة تضاف إلى سجل الأزمات العراقية، بل بوصفها فرصة لإعادة تعريف موقع العراق ودوره ومستقبله. لقد آن الأوان لأن يسأل العراقيون سؤالًا مختلفًا: كيف نتجاوز الأزمة القادمة؟
بل: كيف نبني عراقًا لا تكون الأزمات قادرة على تعطيل مستقبله؟ ذلك هو التحول الحقيقي.
فصناعة المستقبل تبدأ عندما تتحول الدولة من مجرد مستجيب للأحداث إلى طرف قادر على صناعة القرار، وعندما يتحول الاقتصاد من الاعتماد على مورد واحد إلى اقتصاد متنوع، وعندما يتحول التنوع المجتمعي إلى قوة، وعندما يصبح القانون فوق الجميع، وعندما يشعر المواطن أن الدولة ليست مجرد مؤسسات، بل مظلة للحقوق والكرامة والأمان.
العراق أمام فرصة تاريخية.
والمطلوب ليس انتظار زمنٍ مثالي، ولا انتظار انتهاء أزمات المنطقة، وإنما البدء من الواقع نفسه، وبالإمكانات المتاحة اليوم.
فالعراق الذي كان يومًا مركزًا لصناعة الحضارة، قادر على أن يستعيد دوره في صناعة المستقبل.
المسألة لم تعد: هل يستطيع العراق أن يتغير؟
بل أصبحت:
هل يمتلك العراق إرادة الانتقال من إدارة الأزمات إلى صناعة المستقبل؟
والإجابة عن هذا السؤال لن تكون بالكلمات، وإنما بما نبنيه اليوم للأجيال التي ستأتي غدًا. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..

قد يعجبك ايضا