شيروان الجاف
باحث في تاريخ الحركة التحررية الكوردية
تشكلتْ شخصية الملا مصطفى البارزاني رحمه الله في سياق تاريخي مُعقد؛ اتسم بتبدل الدول والأنظمة وتعدد أنماط السيطرة على المجتمع الكُردي؛ ولذلك فإنَّ فهم دوره التأسيسي في الحزب الديمقراطي الكُردستاني يقتضي أولاً؛ قراءة البيئة التي نشأ فيها والأنماط المبكرة من التجربة التي اكتسبها قبل ظهور الحزب بوصفه إطاراً مؤسسياً منظماً.
ولدَ البارزاني في وسط عشائري ريفي يرتكز إلى منظومة قِيَم محددة؛ تقوم على التضامن الداخلي والشرف والدفاع عن الأرض؛ وفي الوقت نفسه عاش في ظلّ سُلطة مركزية؛ تتعامل مع المناطق الكُردية بمنطق الأمن والعقاب أكثر مما تتعامل معها بمنطق التنمية والمشاركة السياسية؛ وهذا التوتر بين المجتمع المحلي والدولة ترك أثراً عميقاً في وعيه المبكر؛ حيث أدرك أنَّ الخلل ليس في طائفة معينةٍ أو قبيلة ما؛ بل في بنية سياسية تحرم الكرد من حقهم في المشاركة الفعلية في إدارة شؤونهم. وفي سنواته الأولى ارتبطتْ تجربته العملية بأحداث العنف والقمع التي طالت القرى الكُردية؛ فتعلم أنَّ العلاقة بين المركز والمحيط ليست متكافئة وأنّ الكُرد لا يملكون أدوات مؤسسية فعالة للدفاع عن مصالحهم.
ومثلتْ مشاركته في عدد من الانتفاضات والحركات المسلحة عاملاً إضافياً في تكوين رؤيته؛ إذ اكتشف من خلال الاحتكاك المباشر أنَّ الشجاعة الفردية لا تكفي، وأن غياب القيادة المنظمة يؤدي غالباً إلى تكرار الهزائم مهما كانت تضحيات المقاتلين كبيرة. ومن خلال هذه الخبرة المبكرة بدأ البارزاني يميز بين مستويين من العمل القومي: سطح احتجاجي يتجلى في التمردات المحلية المحدودة؛ ومضمون أعمق يحتاج إلى تنظيم سياسي يمتلك مشروعاً طويل الأمد ووسائل واضحة لتحقيقه؛ لذلك لم يعد يَنظر إلى الثورة باعتبارها تعبيراً عن الغضب فقط؛ بل باعتبارها عملية تحتاج إلى تخطيط، وعلاقة مدروسة بين العمل العسكري والعمل السياسي وبين الداخل والخارج.
واكتسبت شخصيته بُعداً إضافياً خلال مشاركته في تجربة جمهورية مهاباد في إيران؛ حيث لمس لأول مرة شكلاً من أشكال السلطة الكُردية المنظَمة، ولو في إطار محدود زمنياً وجغرافياً. وقد سمحتْ له هذه التجربة بمراقبة كيفية إدارة حكومة ناشئة لشؤون مجتمعها، وكيفية بناء علاقة بين القيادة السياسية والقوة العسكرية، وبين الداخل الكُردي والعوامل الإقليمية والدولية. ومن خلال ذلك تعززت قناعته بأن الحركة القومية لا يمكن أنْ تستمر اعتماداً على الزعامة التقليدية وحدها؛ بل تحتاج إلى حزب حديث ذي برنامج مكتوب وهياكل واضحة.
في ضوء ذلك يمكن النظر إلى شخصية البارزاني بوصفها نقطة التقاء بين ثلاثة أبعاد رئيسية:
البعد العشائري: الذي وفر له قاعدة اجتماعية أولية.
البعد الجهادي المسلح: الذي منحه مكانة رمزية في الوعي الشعبي الكردي.
البعد التنظيمي الناشئ: الذي بدأ يتشكّل لديه من خلال احتكاكه بالتجارب السياسية في المدن، ومع المثقفين الكُرد في العراق وخارجه.
هذا التركيب جعل منه شخصية قادرة على التحرك بين الجبل والمدينة، بين المقاتل والفقيه، وبين الزعيم التقليدي والفاعل السياسي الحديث. فقبل تأسيس الحزب الديمقراطي الكردستاني كانت الساحة الكُردية في العراق موزعة بين جمعيات ثقافية محدودة التأثير، وبين حلقات سرية ذات طابع نخبوي؛ وكانت هذه التشكيلات تعاني من ضعف الصلة بالريف وبالبيئة العشائرية، كما كانت تفتقر إلى زعامة كاريزمية قادرة على توحيد التوجهات المتباينة. وفي هذا الفراغ برزت أهمية البارزاني؛ فوجوده في الجبل وقدرته على حشد المقاتلين من جهة، وسمعته الواسعة بين الكُرد من جهة أخرى؛ جعلته المرشح الطبيعي ليكون مرجعية سياسية ورمزية لأي مشروع تنظيمي جديد.
وعندما بدأت النواة الأولى للمثقفين الكُرد في بغداد والسليمانية وأربيل التداولَ في فكرة تأسيس حزب سياسي قومي؛ كانوا يدركون أن أيَّ تنظيم لا يستند إلى شرعية نضالية ميدانية سيظل محدوداً في نطاق المثقفين؛ لذلك كان الحرص واضحاً على ربط المشروع الجديد باسم الملا مصطفى؛ الذي مثل في نظرهم الجسر الضروري بين المدينة والريف وبين الخطاب النظري والعمل المسلح. وقد انعكس هذا الإدراك في قرار انتخابه رئيساً للحزب في مؤتمر بغداد عام ١٩٤٦ رغم وجوده خارج العراق. هذا الاختيار كان تعبيراً عن تصور سياسي مفاده أنَّ الحزب يجب أن يَدمج بين نوعين من الشرعية: شرعية التاريخ النضالي الذي يمثل الملا مصطفى أحد أبرز رموزه، وشرعية التنظيم الحديث القائم على المؤتمرات والانتخابات الداخلية؛ ومن خلال هذا الدمج أراد المؤسسون أن يقدموا الحزب الديمقراطي الكُردستاني بوصفه استمراراً للمقاومة الكُردية في صورة مؤسسية قادرة على إدارة الصراع بأساليب جديدة.
إنّ تحليل خلفية البارزاني الفكرية والسياسية يبين أنه لم ينطلق من تصوراتٍ أيديولوجية مغلقة؛ بل من ملاحظة عملية لواقع المجتمع الكُردي وموقعه في الدولة العراقية؛ فقد فهم مبكراً أن طرح مطلب الانفصال الكامل ليس ممكناً في ميزان القوى القائم، وأنَّ الخيار الأكثر واقعية هو الدفاع عن مشروع حكم ذاتي واسع في إطار دولة عراقية تعاد صياغتها على أسس ديمقراطية؛ ولذلك سعى إلى أن يكون الحزب أداة تفاوض مع المركز بقدر ما هو أداة مقاومة عند الحاجة. وفي السياق نفسه يمكن ملاحظة أن نظرته للحزب لم تكنْ مجرد بحث عن إطار تنظيمي يحمي الزعامة الشخصية؛ بل مشروعاً لتحويل الزعامة التقليدية إلى زعامة مؤسسية؛ حيث لا تبقى العلاقة بين القائد والأتباع قائمة على الولاء الشخصي وحده؛ بل تنتقل تدريجياً إلى ولاء لبرنامج سياسي وأهداف محددة؛ وهذا ما يفسر قبوله بمبدأ المؤتمرات الحزبية واحترام القرارات الصادرة عنها، حتى وإنْ فرضت عليه إعادة ترتيب أسلوب القيادة بما ينسجم مع الطبيعة الجماعية للعمل الحزبي.
وعلى المستوى الاجتماعي، كان الملا مصطفى واعياً بأهمية أن يُمثِل الحزب جميع فئات المجتمع الكردي، مدركاً أن بناء حركة قومية واسعة يتطلب إدماج الطلبة، والموظفين، والعمال والتجار، وأنَّ بقاء الحزب محصوراً في الإطار العشائريّ يَحُد من فاعليته السياسية؛ لذلك حرص في خطاباته ومواقفه على تقديم نفسه زعيماً قومياً؛ لا زعيماً قبَلياً، واختار أن يضع نفسه في موقع الحارس على وحدة الصف الكردي أكثرَ من كونه مُمثِلاً لعشيرةٍ أو منطقةٍ محددة. ومن زاوية أخرى، أضفت طبيعة شخصيته المتأملة وتأنيه في اتخاذ القرار طابعاً عملياً على خياراته السياسية؛ فقد كان يراقب تطورات الوضع الإقليمي وانعكاساتها على القضية الكُردية، ويعيد تقييم أدوات النضال تبعاً لتغير ميزان القوى؛ فلم يكن متسرعاً في إعلان المواقف النهائية؛ بل كان يفضل بناء توافق داخلي في صفوف القيادات الكردية قبل الانتقال إلى خطوات ميدانية جديدة؛ وبذلك صنع لنفسه صورة قائدٍ حَذِر؛ ولكنه حاسمٌ حين تقتضي الظروف.
يمكن القول إنَّ الفترة الممتدة من بدايات تجربته النضالية حتى لحظة تأسيس الحزب؛ هي مرحلة تبلور تدريجي لعلاقة خاصة بين شخصه، وبين فكرة التنظيم السياسي؛ فقد بدأ مقاتلاً في ثورات محلية، ثم أصبح قائداً ميدانياً لتمرُّدات أوسع، ثم تحوّل في تجربة مهاباد إلى جزء من قيادة شبه دولانية، وأخيراً استقر في موقع المرجعية العليا لحزب قومي حديث. وفي كل مرحلة كانت تتراكم لديه قناعة جديدة بشأن ضرورة الانتقال من العفوية إلى التنظيم، ومن رد الفعل إلى التخطيط، ومن الاعتماد على الزعامة الفردية إلى بناء مؤسسة دائمة.
بهذا، فإنّ شخصية الملا مصطفى البارزاني لا يمكن اختزالها في صورة قائد عسكري أو زعيم عشائري؛ بل ينبغي النظرُ إليها باعتبارها إطاراً إنسانياً وسياسياً ساهم في نقل الحركة القومية الكُردية من طور المقاومة غير المنظمة، إلى طور السعي لتأسيس كيانٍ سياسي مؤسسي؛ هو الحزب الديمقراطي الكُردستاني.