نبيل عبد الأمير الربيعي
من أكثر المفارقات إيلاماً في تاريخ الحزب الشيوعي العراقي أن الحزب امتلك في مراحل عديدة قاعدةً مناضلةً واسعة، دفعت أثماناً باهظة من أجل أفكارها ومواقفها الوطنية، لكنها لم تكن دائماً تجد في قيادتها السياسية ما يوازي شجاعتها وتضحياتها.
ولعل هذه المفارقة تستحق أن تقرأ اليوم بعيداً عن التقديس الحزبي أو الخصومة السياسية؛ فالتاريخ لا يصبح أكثر إنصافاً عندما نحوله إلى سجل للمناقب فقط، ولا يصبح أكثر فائدة عندما نجعله دفتر اتهامات. إن قيمة التجربة السياسية تكمن في قدرتنا على رؤية نجاحاتها وإخفاقاتها معاً، وأن نمتلك الشجاعة للقول إن المناضلين قد يكونون أنبل من القرارات التي اتخذتها قياداتهم.
لقد كان للحزب الشيوعي العراقي حضور استثنائي في تاريخ العراق الحديث. فقد قدم أجيالاً من المثقفين والمناضلين الذين تعرضوا للسجن والتعذيب والإعدام والملاحقة والنفي، وظل كثير منهم متمسكاً بما آمن به حتى اللحظة الأخيرة. ولهذا فإن نقد الحزب لا يعني، بأي حال، الانتقاص من تضحيات هؤلاء؛ بل ربما يكون النقد الصريح هو الشكل الأكثر احتراماً لتلك التضحيات.
المشكلة تبدأ عندما تتحول القيادة من أداة لخدمة الفكرة إلى مركز لإنتاج القرارات المغلقة، وعندما يصبح الاعتراف بالخطأ عبئاً على القيادة، بينما يصبح تبرير الخطأ واجباً على القاعدة.
وهنا يمكن الحديث عن ظاهرة أراها أخطر من مجرد (النرجسية) الفردية: النرجسية التنظيمية. وهي الحالة التي تتعامل فيها القيادة مع نفسها باعتبارها الأقدر على تفسير الواقع، والأكثر معرفة بمصالح الحزب، والأحق بتحديد اتجاهاته، حتى عندما تكشف الوقائع أن بعض خياراتها كانت مكلفة أو خاطئة.
وما هو لأخطر في السياسة أن لا يتعلم الحزب من أخطائه. لقد عاش الشيوعيون العراقيون واحدة من أكثر المراحل دموية في تاريخ العراق الحديث، ولا سيما بعد انقلاب شباط 1963، حين تعرض الحزب ورفاقه لحملة قمع واسعة. وكان من الطبيعي، بعد تلك التجربة، أن تكون الذاكرة السياسية شديدة الحساسية تجاه أي تقارب مع القوى التي يمكن أن تهدد وجود الحزب أو حياة أعضائه.
لكن التاريخ السياسي لا يُقرأ بالنوايا وحدها. فالتحالفات، مهما كانت دوافعها، تحتاج إلى حساب دقيق لموازين القوى، وطبيعة الأطراف الأخرى، والنتائج المحتملة. وما يبدو في لحظة معينة مناورة سياسية ذكية قد يتحول لاحقاً إلى فخ سياسي مكلف.
وهنا تحديداً ينبغي أن نتوقف أمام بعض التجارب التي وضعت الحزب في مواقع لم تكن منسجمة مع تاريخه أو مع حجم التضحيات التي قدمها مناضلوه.
المشكلة ليست في أن يدخل حزب سياسي في تحالفات؛ فالسياسة بطبيعتها فن التحالفات والتسويات. لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح التحالف غايةً بحد ذاته، وعندما يفقد الحزب المسافة النقدية التي تمكنه من رؤية حليفه كما هو، لا كما يتمنى أن يكون.
وقد أثبت التاريخ العراقي أكثر من مرة أن القوى السياسية لا تتعامل دائماً مع بعضها وفق حُسن النوايا، وأن التحالف غير المتكافئ قد ينتهي إلى دفع الطرف الأضعف الثمن الأكبر.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه: هل أخطأ الحزب الشيوعي العراقي؟ نعم، أخطأ، كما أخطأت جميع القوى السياسية العراقية. والسؤال الأهم هو: هل امتلك الحزب دائماً الشجاعة التنظيمية والفكرية للاعتراف بأخطائه ومراجعتها؟ هنا تكمن المشكلة.
فالحزب الذي يطالب المجتمع بالديمقراطية ينبغي أن تكون الديمقراطية جزءاً من حياته الداخلية. والحزب الذي يدعو إلى النقد ينبغي أن يقبل النقد من داخله قبل أن يوجهه إلى الآخرين. والحزب الذي يرفع شعار العقل والعلم والمادية التاريخية لا يجوز أن يتعامل مع تجربته السياسية باعتبارها فوق النقد أو خارج المراجعة.
إن قوة الحزب ليست في أن يقول دائماً إنه على حق، وإنما في أن يمتلك القدرة على اكتشاف أين أخطأ ولماذا أخطأ وكيف يمنع تكرار الخطأ.
وما حدث بعد سقوط النظام السابق يستحق هو الآخر قراءة نقدية هادئة. فقد تغير العراق، وتغيرت موازين القوى، وظهرت أمام القوى السياسية فرص جديدة، لكن بعض المعضلات القديمة عادت بأشكال جديدة: الثقة المفرطة بالحلفاء، المراهنة على ترتيبات سياسية لا تمتلك ضمانات كافية، وعدم امتلاك مشروع مستقل قادر على تحويل الرصيد التاريخي إلى قوة سياسية واجتماعية مؤثرة.
وهنا لا ينبغي تحميل القيادة وحدها كل المسؤولية، فالأحزاب نتاج بنيتها وثقافتها الداخلية، كما أن الظروف التاريخية تفرض أحياناً خيارات صعبة. لكن القيادة تظل مسؤولة عن قراءة تلك الظروف، وعن حماية الحزب من المغامرات التي قد تدفع القاعدة ثمنها.
لقد أثبتت التجربة العراقية أن القواعد الحزبية كثيراً ما تكون أكثر شجاعة من قياداتها، وأكثر استعداداً للتضحية، وأحياناً أكثر واقعية في قراءة المجتمع. وهذا ليس حكماً على جميع القيادات أو جميع المراحل، وإنما سؤال ينبغي أن يبقى مفتوحاً أمام أي حزب يريد الاستمرار: هل القيادة تعبر عن القاعدة، أم أن القاعدة أصبحت مجرد جمهور لقرارات القيادة؟
إن الحزب الشيوعي العراقي لا يحتاج إلى الدفاع عن تاريخه بقدر ما يحتاج إلى إعادة قراءة هذا التاريخ. فالتاريخ الذي لا نراجعه يتحول إلى أسطورة، والأسطورة لا تنتج سياسة. أما التاريخ الذي نقرأه بعين نقدية، فهو يتحول إلى خبرة.
ومن هنا، فإن الوفاء الحقيقي للشيوعيين العراقيين الذين سقطوا في السجون والمعتقلات، ولأولئك الذين عاشوا سنوات المطاردة والاختفاء والنفي، ليس أن نضع صورهم على الجدران ونكرر أسماءهم في المناسبات، وإنما أن نسأل بصدق: هل كانت القرارات التي اتخذت باسمهم تليق دائماً بحجم تضحياتهم؟
إن الحزب الشيوعي العراقي يمتلك رصيداً أخلاقياً وتاريخياً مهماً في الذاكرة العراقية، وهذا الرصيد ينبغي ألا يتحول إلى حصانة سياسية ضد النقد. بل على العكس، كلما كان التاريخ أكثر احتراماً، كان النقد تجاهه أكثر ضرورة. لا أقول هذا من موقع الخصومة مع الحزب، وإنما من موقع الحرص على أن يبقى الحزب جزءاً من الحياة الفكرية والسياسية العراقية، لا مجرد حزب يعيش على ذاكرة الماضي.
فالعراق يحتاج إلى يسار ديمقراطي حديث، نقدي، مستقل، يتجاوز لغة الشعارات، ويعيد وصل العدالة الاجتماعية بالديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، ويستطيع أن يقرأ المجتمع العراقي كما هو، لا كما كان في الكتب التنظيمية القديمة. أما النرجسية السياسية، أياً كان مصدرها، فإنها تقتل الأحزاب ببطء؛ لأنها تمنعها من رؤية أخطائها، وتجعل القيادة تستمع إلى المديح أكثر مما تستمع إلى النقد. والحزب الذي لا يسمع النقد من داخله، سيسمعه يوماً من التاريخ. والتاريخ، في نهاية المطاف، لا يجامل أحداً.