الدكتور احمد خليل كاخورى
تتجدد مع كل استحقاق شهري أزمة تأخير صرف رواتب موظفي ومتقاعدي إقليم كردستان، لتتحول من مجرد إرباك إداري أو مالي إلى قضية حقوقية ومجتمعية ضاغطة تضع الحقوق المعيشية للمواطن في مواجهة مباشرة مع المسؤولية الدستورية والأخلاقية للحكومة الاتحادية في بغداد.
أولاً: أبعاد الأزمة وأثرها المعيشي
تهديد الأمن الغذائي والاجتماعي: يُعد الراتب المصدر الأساسي لتأمين متطلبات الحياة اليومية لعشرات الآلاف من العوائل في الإقليم. ويرتبك سوق العمل وتتراجع القدرة الشرائية مع كل تأخير، مما يضاعف الضغوط على القطاعين الخدمي والتجاري.
تسييس القوت اليومي: يُنظر إلى زج مستحقات الموظفين في أتون المفاوضات السياسية والمحاصصات المالية على أنه استخدام غير عادل لورقة المعيشة للضغط في ملفات نفطية وإيرادية أخرى.
اتساع الفجوة المعيشية: يعمق التفاوت في انتظام صرف الرواتب بين المحافظات العراقية والإقليم الشعور بالإجحاف والتمييز لدى الموظفين الذين يتشاركون ذات الواجبات الوظيفية تحت مظلة الدولة الواحدة.
ثانياً: مسؤولية الحكومة الاتحادية (المركز)
الالتزام الدستوري للسيادة المالية: بواجب القانون والدستور، فإن الحكومة الاتحادية مسؤولة عن حماية المستويات المعيشية لجميع مواطني العراق، ولا يحق لأي إجراء رقابي أو تدقيقي أن يتحول إلى عقاب جماعي يطال صغار الموظفين والكسبة.
تنفيذ القرارات القضائية: فرضت قرارات المحكمة الاتحادية العليا آليات واضحة لتأمين الرواتب بعيداً عن أزمات الموازنات، ولا سيما عبر مشروع التوطين المصرفي لضمان تدفق الأموال مباشرة إلى مستحقيها بشكل دوري.
الموازنة بين الرقابة والإطلاق: يحق للمركز ممارسة الدور الرقابي وتدقيق القوائم (البايومتري) وضمان الشفافية في الإيرادات غير النفطية والمنافذ، إلا أن الاشتراط الدائم بقطع أو تأخير التمويل لحين انتهاء التقييم الفني يخلق شللاً معيشياً كاملاً.
ثالثاً: مسارات الحل المستدام
فصل الملف المعيشي عن التفاوض السياسي: إرسال التمويل الخاص بالرواتب بانتظام واستبعاد هذا الملف كلياً من أي نقطة خلاف إدارية أو نفطية بين أربيل وبغداد.
تسريع التوطين الشامل: استكمال إجراءات توطين الرواتب عبر المصارف المعتمدة لدى البنك المركزي العراقي، لضمان أعلى درجات الشفافية المالية وسد منافذ التقاطعات الحسابية.
تفعيل الرقابة المشتركة الميدانية: اعتماد لجان تدقيق دائمة ومكثفة بين ديوان الرقابة المالية الاتحادي ونظيره في الإقليم لحل الثغرات الفنية والدفترية دون المساس بمواعيد الصرف.
إن استقرار الحقوق المعيشية لموظفي الإقليم ليس مجرد ملف رقمي في جداول الموازنة، بل هو ركن أساسي للاستقرار الاجتماعي والسياسي واستعادة الثقة بين المواطن والدولة.