د. سيروان عبدالله إسماعيل*
ليست اليابان بالنسبة إليّ بلداً عرفته من الكتب والتقارير والدراسات فحسب، بل خلال تجربة ميدانية أكثر من خمس زيارات، كان لي في عدد منها شرف ترؤس وفد نيابي من مجلس النواب العراقي. وخلال تلك الزيارات، التقينا قيادات سياسية وبرلمانية ومسؤولين يابانيين، واطلعنا عن قرب على تجربة دولة استطاعت أن تنهض من دمار الحرب لتصبح واحدة من أبرز القوى الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية في العالم.
وفي كل زيارة كنت أعود بالسؤال نفسه: كيف استطاع شعب خرج من حرب مدمرة، ويمتلك موارد طبيعية محدودة، أن يحوّل الإنسان نفسه إلى أعظم موارده؟
لكن زياراتي ومتابعتي اللاحقة للتحولات التي يشهدها المجتمع الياباني قادتني أيضاً إلى حقيقة أخرى: حتى أنجح التجارب ليست محصنة من الاختلالات، وحتى الحداثة، إذا فقدت توازنها بين الاقتصاد والإنسان والأسرة، يمكن أن تنتج أزمات لا تستطيع التكنولوجيا وحدها معالجتها.
وهنا تكمن أهمية التجربة اليابانية بالنسبة لنا في العراق وكوردستان: أن نتعلم من أسباب نجاحها، ومن التحديات التي تواجهها أيضاً.
الإنسان قبل المؤسسة
من يزور اليابان يدرك سريعاً أن قوتها لا تقوم على التكنولوجيا وحدها.
فالنظام ليس مجرد قوانين مكتوبة، والنظافة ليست مسؤولية البلدية وحدها، واحترام الوقت ليس إجراءً إدارياً، والمحافظة على المال والمكان العام ليست شعارات؛ بل منظومة ثقافية تبدأ من الأسرة والمدرسة، ثم تتحول إلى سلوك اجتماعي ومؤسساتي.
ومن أهم ما تعلمته من اليابان أن الدولة الحديثة لا تُبنى بالإسمنت والحديد وحدهما، وإنما ببناء الإنسان الذي يعرف حقوقه وواجباته معاً.
يمكن للدولة أن تشيد أجمل الطرق والجسور والمطارات، لكن إذا لم تبنِ في الإنسان ثقافة احترام القانون والعمل والمصلحة العامة، فقد تتقدم البنية التحتية بينما يعجز المجتمع عن حماية ذلك التقدم واستدامته.
حديث ياباني لم أنسه
في إحدى زياراتنا البرلمانية، وخلال لقاء مع مسؤولين ونواب يابانيين، تحدث أحد النواب ـ وكان طبيباً ـ عن قضية بقيت عالقة في ذاكرتي حتى اليوم.
كان مضمون حديثه أن اليابان تواجه تحدياً استراتيجياً يتمثل في انخفاض معدلات الإنجاب وارتفاع نسبة كبار السن، وأن على الدولة أن تدرس منذ ذلك الوقت شكل المجتمع الياباني في العقود المقبلة، وتضع السياسات التي تمنع تحول الشيخوخة والتراجع السكاني إلى تهديد لمستقبل البلاد.
واللافت بالنسبة إليّ لم يكن المشكلة وحدها، وإنما طريقة التفكير فيها.
كانوا يتحدثون عن عام 2050، وعن مجتمع لم يولد جزء كبير من أفراده بعد. لم يكن الحديث عن انتخابات مقبلة أو حكومة ستتغير بعد سنوات، بل عن اليابان بعد عقود.
وبعد سنوات طويلة على ذلك اللقاء، قرأت مقالاً للدكتور عزيز رباح، السياسي والأكاديمي المعروف، تناول فيه بعض التحديات الاجتماعية والديموغرافية في اليابان، فأعادني إلى ذلك الحديث ودفعني إلى متابعة ما قامت به الدولة اليابانية لمواجهة هذه الأزمة.
وقد اتجهت اليابان إلى مجموعة من السياسات، من بينها دعم الأسرة والطفولة، وتحسين التوازن بين العمل والحياة الأسرية، والاستفادة من خبرات كبار السن وإبقائهم فاعلين في المجتمع وسوق العمل، وتوظيف التكنولوجيا والروبوتات في الرعاية والخدمات، وتعزيز التواصل بين الأجيال، والاستفادة بصورة أكثر تنظيماً من العمالة الأجنبية.
وهنا يتجسد أحد أهم الفوارق في مفهوم إدارة الدولة:
الدولة الحقيقية لا تفكر في الانتخابات القادمة فقط، بل في الأجيال القادمة.
ماذا عن العراق وكوردستان؟
نحن نستهلك جزءاً كبيراً من طاقاتنا ومواردنا في إدارة أزمات اليوم، بينما الدول التي تفكر استراتيجياً تسأل منذ الآن: ماذا سيحدث بعد عشرين أو ثلاثين أو خمسين عاماً؟
كيف سيكون تعليم أبنائنا؟ وما الوظائف التي ستختفي وما المهن الجديدة التي ستولد؟ وماذا سيبقى من المياه؟ وكيف سيكون اقتصادنا بعد النفط؟ وكيف سيغير الذكاء الاصطناعي سوق العمل؟ وما شكل الأسرة والمجتمع والبيئة في منتصف هذا القرن؟
هذه ليست أسئلة ترف فكري، وإنما أسئلة تتصل بالأمن القومي ومستقبل الدولة والمجتمع.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: اليابان تمتلك دولة قوية ومؤسسات متقدمة واقتصاداً وتكنولوجيا وتعليماً متطوراً، لكنها تواجه نقصاً متزايداً في المورد الذي لا تستطيع المصانع إنتاجه: الإنسان.
أما العراق وكوردستان، فما زلنا نمتلك مجتمعاً شاباً وطاقة بشرية كبيرة وعلاقات أسرية واجتماعية قوية، لكننا لم ننجح بالقدر المطلوب في تحويل هذه الطاقة إلى رأس مال بشري منتج ومبدع.
فكثرة السكان وحدها ليست قوة، كما أن الثروة الطبيعية وحدها لا تصنع دولة ناجحة. القوة تبدأ عندما يتحول الإنسان إلى مواطن متعلم ومنتج ومسؤول؛ يحترم القانون، ويعرف قيمة الوقت، ويؤمن بأن المال العام ملك للمجتمع، وأن الوظيفة مسؤولية وليست امتيازاً.
لا نريد استنساخ اليابان
حين أدعو إلى الاستفادة من اليابان، فإنني لا أدعو إلى استنساخ نموذجها، فلكل مجتمع تاريخه وثقافته وقيمه.
بل إن اليابان تقدم لنا درساً مزدوجاً: درساً في النجاح، ودرساً في التحذير.
نأخذ منها العلم والتكنولوجيا والانضباط والجودة واحترام الوقت وقوة المؤسسة والتخطيط للمستقبل، وفي الوقت نفسه نحافظ على ما يمتلكه مجتمعنا من قيم الأسرة والتكافل والتواصل بين الأجيال.
فالعزلة الاجتماعية، وتراجع الزواج والإنجاب، وشيخوخة المجتمع، تذكرنا بأن النجاح الاقتصادي إذا انفصل عن الإنسان وجودة حياته قد يحمل في داخله بذور أزمات مستقبلية.
ليس المطلوب أن نختار بين الأصالة والحداثة؛ المطلوب أن نصنع حداثتنا نحن.
المدرسة قبل النفط
إذا سألني أحد عن أهم ثروة رأيتها في اليابان، فلن أقول القطارات السريعة أو المصانع أو الروبوتات، بل سأقول: الإنسان الذي يستطيع بناءها وتشغيلها والمحافظة عليها وتطويرها.
وهذا الإنسان لا يولد جاهزاً؛ تصنعه الأسرة والمدرسة والجامعة والثقافة العامة ومؤسسات الدولة.
العراق وكوردستان غنيان بالموارد الطبيعية، لكن مستقبل الشعوب في القرن الحادي والعشرين لن تحدده كمية النفط الموجودة تحت الأرض بقدر ما ستحدده نوعية الإنسان الموجود فوقها.
لذلك فإن الإنفاق على التعليم ليس مجرد بند في الموازنة، بل استثمار سيادي طويل الأمد. ونحن بحاجة إلى مدرسة تعلم العلوم والرياضيات واللغات والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولكنها تعلم أيضاً النظام والنظافة واحترام الوقت والعمل الجماعي والمحافظة على الممتلكات العامة والتسامح وقبول الاختلاف.
العراق وكوردستان 2050
إن الاستفادة الحقيقية من التجربة اليابانية لا تكون بالإعجاب بها، وإنما بتحويل الدروس إلى سياسات.
وأرى أن العراق وإقليم كوردستان بحاجة إلى رؤية استراتيجية للإنسان والمجتمع حتى عام 2050، تتجاوز عمر الحكومات والأحزاب والدورات الانتخابية.
وينبغي أن تشمل هذه الرؤية إصلاح التعليم، ودعم الأسرة والطفولة والشباب، ودراسة التحولات السكانية، وربط سوق العمل باحتياجات المستقبل، والاستثمار في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد المعرفي، ووضع سياسات مستدامة للمياه والغذاء والطاقة، وتعزيز الصحة النفسية والتماسك الاجتماعي والمواطنة.
كما نحتاج إلى جهة علمية وطنية تضم خبراء في السكان والاقتصاد والتعليم والاجتماع والبيئة والتكنولوجيا والصحة، تكون مهمتها دراسة سيناريوهات العراق وكوردستان 2050، وإصدار تقارير دورية عن المخاطر والفرص المستقبلية.
*النائب والأمين العام السابق في مجلس النواب العراقي