هل نخشى فقدان الثقة… أم نخشى فقدان الدولة؟

محمد مراد فتاح

عندما وصل أحد أمراء الإمارات إلى السلطة، أدرك منذ الأيام الأولى أن قوة الحكم لا تقوم على السلاح وحده، وإنما تبدأ بإصلاح البيت الداخلي للدولة. لذلك شرع في محاسبة مستشاريه وكبار المسؤولين الذين ثبت تورطهم في الخيانة والفساد؛ فأقال بعضهم، وأصدر أحكاماً قاسية بحق آخرين، وبدأ حملة واسعة لتطهير مؤسسات الإمارة من الفاسدين.

وبفضل تلك الإجراءات، تحسن الوضع الاقتصادي والعسكري في إمارته، وبدأت الدولة تستعيد قوتها. واهتم الأمير ببناء المدن وتطويرها، وتقوية الجيش وتسليحه، حتى أصبحت إمارته أكثر قوة واستقراراً، ولم يعد هناك مجال أمام الفاسدين والخونة للتلاعب بمقدرات الدولة.

لكن الأمير، رغم ما حققه من إصلاحات، وقع في خطأ بالغ الخطورة؛ فقد أصبح بعيداً عن نبض شعبه، ولم يعد يعرف حقيقة ما يقوله الناس عن حكمه وسياساته.

وبعد سنوات، طلب من مستشاريه القيام بجولة في المدينة، ومراقبة حياة الناس اليومية، لمعرفة أحوالهم الحقيقية.

وعندما وصل الأمير إلى السوق، فوجئ بأن الناس يهربون من أمامه؛ فالنساء والأطفال والشباب تركوا المكان، واختبأ الناس عن أنظاره، ولم يجد أحداً يستقبله بالترحيب أو الفرح.

استغرب الأمير وسأل مستشاريه:

«لماذا يهرب هؤلاء الناس؟ ولماذا يخافون مني؟»

فأجابه أحد مستشاريه:

«يا سيدي، إنهم لا يهربون لأنهم يكرهونك، بل لأنهم يخافون منك. إنهم يقولون إن الأمير يقطع الرؤوس، ولذلك يخافون منك».

غضب الأمير وقال:

«ولماذا لم تقولوا لي الحقيقة؟ لماذا لم تخبروني بأن الناس لا يعرفون حقيقة الإصلاحات التي قمنا بها؟ ولماذا لم تقولوا لهم إنني أريد محاربة الفساد والخيانة من أجل تحسين حياتهم؟»

صمت المستشارون، ولم يجدوا جواباً.

عندها أدرك الأمير الحقيقة الكبرى: لقد فقد ثقة شعبه، وحين يفقد الحاكم ثقة الناس، تصبح الإصلاحات نفسها عاجزة عن حماية الدولة.

وبعد فترة قصيرة، قرر الأمير التخلي عن الحكم، بعدما أدرك أن استمرار السلطة من دون ثقة الشعب يفقدها معناها.

العراق أمام لحظة تاريخية

تطرح هذه الحكاية سؤالاً مهماً أمام العراق اليوم: هل ما زال الوقت متاحاً أمام رئيس الوزراء العراقي لإعادة بناء ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها؟

يمر العراق بمرحلة حساسة للغاية؛ فالفساد، والمحسوبية، والسلاح خارج إطار الدولة، وضعف الثقة بالمؤسسات الرسمية، كلها عوامل تهدد مستقبل الدولة العراقية، وتفتح الباب أمام قوى داخلية وخارجية للتأثير في القرار السياسي والأمني والاقتصادي.

وفي هذه المرحلة، أمام رئيس الوزراء فرصة قد تكون قصيرة، لكنها مهمة؛ فرصة للبدء بخطوات واضحة وجريئة لمكافحة الفساد واستغلال السلطة، وتقديم كل من تثبت إدانته إلى القضاء، بعيداً عن الانتماءات الحزبية والطائفية والسياسية.

فالمواطن العراقي لا يحتاج إلى مزيد من الوعود بقدر ما يحتاج إلى أن يرى القانون يطبق على الجميع، وأن يرى الفاسد، مهما كان موقعه، يُحاسب، وأن يشعر بأن الدولة أقوى من الأحزاب والجماعات المسلحة.

إن إعادة الثقة بين المواطن والدولة ليست مهمة إعلامية، بل هي معركة سياسية حقيقية. فإذا فقد العراقيون ثقتهم بمؤسسات الدولة، فإن الفراغ لن يبقى فارغاً، بل ستملؤه قوى أخرى، وقد تكون خارج إطار الدولة ومؤسساتها.

الخطر الأكبر بعد خروج القوات الأمريكية

والسؤال الأخطر هو: ماذا يمكن أن يحدث للعراق إذا خرجت الولايات المتحدة من البلاد، بينما بقيت الدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة على السلاح والقرار الأمني؟

إن انسحاب أي قوة أجنبية من العراق، من دون بناء مؤسسات دولة قوية وقادرة، قد يخلق فراغاً سياسياً وأمنياً يمكن أن تستغله جماعات مسلحة وقوى إقليمية.

وهنا تبرز مخاوف من أن تتحول بعض الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران إلى قوة أكبر من مؤسسات الدولة، وأن يصبح القرار السياسي والعسكري والاقتصادي في بغداد خاضعاً لتوازنات لا تصنعها الحكومة وحدها.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن العراق سيتحول إلى نسخة مطابقة لإيران، لكن استمرار تعدد مراكز القوة والسلاح والقرار يمكن أن يؤدي إلى إضعاف الدولة، وتحويل الحكومة إلى واجهة سياسية، بينما تتحرك قوى أكثر نفوذاً على الأرض بعيداً عن المؤسسات الرسمية.

لقد أثبتت التجارب التاريخية أن الدول لا تنهار فقط عندما تُهزم جيوشها، وإنما يبدأ الانهيار عندما يفقد المواطن ثقته بالدولة، وعندما يشعر بأن القانون لا يحميه، وأن السلطة لا تعمل لمصلحته.

هل تستطيع بغداد استعادة ثقة شعبها؟

المشكلة ليست في وجود الأحزاب أو الجماعات السياسية، ولا في اختلاف المواقف تجاه إيران أو الولايات المتحدة، بل في السؤال الأهم:

من يمتلك القرار النهائي في العراق؟

هل هو الدستور ومؤسسات الدولة والقوات المسلحة الرسمية؟ أم أن هناك قوى أخرى تستطيع فرض إرادتها خارج المؤسسات؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل العراق خلال السنوات المقبلة.

يمتلك العراق الموارد البشرية والاقتصادية والجغرافية التي تؤهله لأن يكون دولة قوية ومؤثرة في المنطقة، لكنه يحتاج إلى دولة يكون فيها السلاح تحت سلطة القانون، والاقتصاد تحت رقابة المؤسسات، والسياسة تحت سقف الدستور.

أما استمرار الفساد، وضعف المؤسسات، وتعدد مراكز القرار، فسيجعل العراق أكثر عرضة للتدخلات الخارجية والصراعات الداخلية.

والتاريخ يعلمنا أن أخطر لحظة على أي دولة ليست عندما يخرج الناس إلى الشوارع غاضبين، وإنما عندما يصمتون ويفقدون الثقة، ثم يبحثون عن جهة أخرى تمنحهم الشعور بالأمان.

لقد فهم أمير الإمارة هذه الحقيقة متأخراً، عندما رأى شعبه يهرب منه في السوق.

فهل تفهم بغداد هذه الحقيقة قبل فوات الأوان؟

إن إنقاذ الدولة يبدأ باستعادة ثقة المواطن، ومحاربة الفساد، وحصر السلاح بيد الدولة، ومنع أي قوة خارجية من امتلاك القرار العراقي.

فإذا بقيت الدولة قوية، بقي العراق قوياً.

أما إذا فقدت الدولة هيبتها وثقة شعبها، فإن التاريخ وحده كفيل بأن يخبرنا إلى أين يمكن أن يصل العراق.

قد يعجبك ايضا