ياسين الحديدي
قد يغادر الإنسان منصبًا، لكنه لا يغادر القلوب التي أحبته، ولا المكان الذي خدمه بإخلاص. فالمناصب، مهما علت، تبقى محطات مؤقتة في مسيرة الإنسان، أما الأثر الطيب فهو السيرة التي تبقى ولا تنتهي.
كانت الدكتورة علياء عباس العطار، خلال فترة رئاستها للجامعة، أكثر من مسؤولة إدارية؛ كانت قائدة ميدانية، ونموذجًا للمرأة النزيهة والمتمكنة، التي جمعت بين الحزم والتواضع، وبين قوة القرار وإنسانية التعامل.
عرفناها من خلال حضورها الميداني وزياراتها المستمرة ومتابعتها الدقيقة لكل صغيرة وكبيرة بنفسها. لم تكن ممن يديرون المؤسسات من خلف المكاتب، بل كانت حاضرة في القاعات والمختبرات والساحات، تتابع وتسأل وتستمع، ثم تتخذ القرار وتعمل على معالجة المشكلات.

تركت وراءها جامعة أكثر تنظيمًا ونظافة، وعملًا مؤسسيًا أكثر رسوخًا، ورسالة واضحة في أن القيادة ليست منصبًا بقدر ما هي مسؤولية وأمانة. وقدمت نموذجًا متميزًا في الجمع بين الحزم والرحمة، وبين قوة القرار والتواضع، وبين الإدارة والاقتراب الحقيقي من الطلبة والموظفين والزملاء.
شكرًا لكِ، دكتورة علياء، لأنكِ علّمتِ الكثيرين في محيطك أن القيادة مسؤولية، وأن المرأة قادرة على أن تكون حازمة ومؤثرة، دون أن تفقد إنسانيتها ورقتها.
تغادر الدكتورة علياء كرسي المسؤولية، لكنها لن تغادر أروقة الجامعة ولا ذاكرة من عرفها. ستبقى حاضرة في كل ركن تركت فيه أثرًا، وفي كل موقف شهد نزاهتها وعطاءها وإخلاصها. كانت قريبة من الجميع، بابها مفتوح، وقلبها يتسع للجميع، وأثبتت أن المرأة حين تتولى المسؤولية بإخلاص وكفاءة تستطيع أن تتقن وتبدع وتُصلح.
المناصب محطات.. والأثر الطيب سيرة.
وستبقى سيرتكِ شاهدًا على تجربة إدارية وإنسانية مميزة، ودرسًا للجميع في معنى القيادة الحقيقية؛ قيادة تقوم على النزاهة والعطاء والإخلاص والحكمة.
شكرًا للدكتورة علياء، التي ودّعت الجامعة وأبكت عيون أبنائها وموظفيها وطلبتها. لم يكن الوداع لشخصٍ غادر منصبًا فحسب، بل كان وداعًا لمرحلة ارتبطت في ذاكرة الجميع بالنزاهة والعطاء والإخلاص والقيادة الحكيمة.
شكرًا لأنكِ كنتِ أمًّا للطلبة، وسندًا للزملاء، وعقلًا حاضرًا في خدمة الجامعة. شكرًا لأنكِ كنتِ تنزلين إلى تفاصيل العمل، وتتابعين كل صغيرة وكبيرة، فكبرتِ بذلك في عيون الجميع، والأهم أنكِ كبرتِ في قلوبهم.
فالمناصب تزول، والكرسي يُغادر، لكن المعدن الأصيل يبقى، والأثر الطيب لا يزول.