انس الشيخ مظهر
لا تُختبر سيادة الدولة في يوم استعراضها العسكري، بل في اللحظة الصامتة التي يُسلَّم فيها متهم من يد جهاز أمني حكومي إلى يد جهاز أمني موازٍ يتبع فصيلاً مسلحاً. تلك اللحظة العابرة في ظاهرها هي لحظة إدارية شكليا، لكن في جوهرها هي اعتراف مكتوب بخط اليد ” أن القانون في العراق له عنوانان، وأن للسلاح جواز مرور لا يحمله المواطن العادي”
فأن تعتقل الدولة متهماً بأمر قضائي ثم تُسلّمه إلى جهة غير قضائية بحتة، ليس “تنسيقاً أمنياً” كما تصفه البيانات الرسمية، بل هو نقل ملكية القرار من القاضي إلى القائد. وهذا الفارق، رغم دقته، هو الفارق بين دولة القانون ودولة الفصائل.
هناك فكرة لم تُطرح بشكل واضح وهي “أن المنتسب للفصائل المسلحة يحمل عملياً “لا قانونياً” جنسية مزدوجة في منظومة العدالة. فهو مواطن عراقي خاضع نظرياً للقضاء المدني والعسكري الرسمي، وفي الوقت نفسه فرد في بنية موازية لها قضاؤها الداخلي وأعرافها الخاصة. وحين تتعارض الجهتان، لا تُحسم المسألة بموجب تراتبية قانونية واضحة، بل بموازين قوى سياسية متغيرة. هذه الازدواجية ليست عيباً عرضياً في النظام، بل بنية قائمة بذاتها، تنتج في كل قضية نسخة جديدة من هذا السؤال:- لمن الولاء الأول، للدستور أم للفصيل؟
حين تُسلّم الدولة متهماً إلى جهاز أمني غير رسمي بالكامل، فإنها لا تكتفي بالتنازل عن صلاحيتها، بل تمنح ضمنياً “تفويضاً بأثر رجعي” لذلك الجهاز، وكأنها تقول: كان يجب أن تتولوا هذا الملف منذ البداية. هذا التفويض الرجعي خطير لأنه لا يُقرّ فقط بعجز الدولة عن حسم القضية الحالية، بل يُعيد كتابة قواعد اللعبة لكل القضايا المقبلة؛ إذ يتعلم كل فصيل أن الطريق إلى الإفلات من المساءلة القضائية العادية يمر عبر الضغط السياسي لا عبر الطعن القانوني.
في هذا المشهد، يتراجع دور الدولة من “قاضٍ” يفصل في النزاع، إلى “موثِّق” يضفي شرعية شكلية على قرار اتُخذ في مكان آخر. القبض يصبح مجرد إجراء بروتوكولي، بينما يُتخذ القرار الفعلي بشأن مصير المتهم في غرفة أخرى، بمنطق آخر، لا علاقة له بموازين الإثبات أو نصوص القانون. وحين تتحول مؤسسات الدولة إلى موثّق لقرارات غيرها، فإنها تفقد أخطر ما تملكه وهو اعطاء القدرة للفصيل كي تكون له الكلمة الفصل .
كل حالة تسليم من هذا النوع لا تُطوى بانتهاء ملفها؛ بل تُضاف إلى “أرشيف” غير مكتوب من السوابق يرجع إليه اللاعبون المسلحون كلما احتاجوا إثبات أن القانون قابل للتفاوض. هذا الأرشيف أخطر من أي قضية بمفردها، لأنه يبني ذاكرة مؤسسية للإفلات من العقاب، تُورَّث من أزمة إلى أخرى، وتحوّل الاستثناء إلى قاعدة ضمنية يعرفها الجميع ولا يجرؤ أحد على تسميتها.
يخطئ من يتصور أن ما يجري هو صراع نفوذ عابر بين مؤسستين. النموذج الأقرب هو ما شهدته تجارب إقليمية أخرى، حيث تتحول الفصائل المسلحة تدريجياً من “شريك أمني” إلى “سلطة موازية” ذات مؤسسات غير معلنة ، دون أن يُعلن أحد رسمياً نهاية الدولة الحاكمة . العراق ليس في تلك المرحلة بعد، لكن كل حالة تسليم متهم دون رقابة قضائية مستقلة تدفعه خطوة أقرب إليها، ليس عبر انهيار مفاجئ، بل عبر تآكل بطيء لا يشعر به أحد حتى يصبح أمراً واقعاً.
أن قوة الفصيل التفاوضية لا تُقاس فقط بعدد بنادقه، بل بعدد مقاعده البرلمانية وحصته في التحالفات الحاكمة. حين تندمج القوة العسكرية بالنفوذ الانتخابي، يصبح “حصر السلاح” شعاراً مستحيل التحقيق ما دامت المنظومة السياسية نفسها هي من تصوغ قواعد المحاسبة وتراقب تطبيقها في آن واحد. والدولة التي تفاوض على تسليم متهم بدلا من ان تامر بتسليمه لا تعود دولة تحكم وانما هي تتوسط بين نفسها ونفسها.
من الضروري التاكيد على ان حصر السلاح ليس عملية تفتيش، بل هوإعادة تعريف للولاء , الا ان المشكلة تكمن في ان الخطاب الرسمي يختزل حصر السلاح بيد الدولة في بعده المادي:
عدّ القطع.
جرد المخازن.
وتنظيم الفصائل تحت مظلة مؤسسية…
الا ان جوهر المسألة أعمق من ذلك بكثير, فهو اختبار حقيقي للولاء النهائي حين يتعارض القانون مع الجماعة , ولا قيمة لضبط السلاح إن ظل صاحبه يخضع عند المحاسبة لمنطق الجماعة لا لمنطق الدولة. فالسلاح المضبوط في مخزن لا في القضاء، يبقى سلاحاً خارج سلطة الدولة وإن تم تسجيله.
في النهاية اجد ان من حقنا ان نتسائل :- من يملك حق الكلمة الأخيرة حين يتقاطع القانون مع السلاح؟
إن كان الجواب هو القضاء المستقل دون استثناء، فالدولة قائمة وإن تأخرت إجراءاتها. أما إن كان الجواب هو موازين القوة السياسية، فإن الدولة، مهما رفعت من شعارات السيادة، لم تعد تحكم بمفردها, وانما تتقاسم القرار مع من يفترض أنها تحتكر عليه سلطة القانون .