د. نزار الربيعي
حين يطلّ المولد النبوي الشريف على الأمة الإسلامية، لا يعود الزمن مجرد تعاقب للأيام والسنين، بل يتحول إلى ذاكرة حية تستعيد اللحظة التي أشرقت فيها رسالة سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم، الرسالة التي نقلت الإنسان من ضيق العصبية إلى سعة الأخوة، ومن منطق القوة المجردة إلى قوة الرحمة، ومن عبادة المصالح والأهواء إلى عبادة الله تعالى والارتقاء بالأخلاق. ومن هنا فإن الاحتفال بالمولد النبوي لا تكتمل دلالته في الزينة والإنشاد واجتماع المحبين فحسب، وإنما يبلغ معناه الأعمق حين يصبح مناسبة لتجديد الصلة بالرسول الأعظم، واستحضار أخلاقه في السلوك، وتحويل محبته إلى مشروع لإصلاح النفس وخدمة الإنسان وبناء السلام. وفي هذا المعنى تتجلى خصوصية الرؤية الروحية للطريقة العلية القادرية الكسنزانية، التي جعلت من الاحتفاء بالمولد النبوي محطة إيمانية وتربوية وإنسانية تتلاقى فيها المحبة والذكر والتسامح، ويصبح فيها الفرح برسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مدخلاً إلى تربية الإنسان على الرحمة والصدق والإخلاص.
إن المولد في الوجدان الصوفي ليس احتفالاً بشخصية تاريخية مضت وانقضى زمنها، لأن الرسول صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حاضر في حياة المؤمن برسالته وسنته وأخلاقه، وحاضر في الصلاة والسلام عليه، وحاضر في كل فعل يترجم الرحمة والعدل والإحسان إلى واقع. ولهذا يصبح استذكار مولده استذكاراً لبداية التحول الأعظم في تاريخ الإنسان، حين ارتبط الإيمان بالكرامة، والعبادة بالأخلاق، والقوة بالعدل، والعلم بالمسؤولية. ومن يقرأ خطاب الطريقة الكسنزانية في هذه المناسبة يجد أن فكرة » الحقيقة المحمدية« لا تُطرح بوصفها معنى نظرياً معزولاً عن الحياة، بل بوصفها باعثاً على تهذيب القلب وتوجيه السلوك، بحيث يكون حب النبي طريقاً إلى محبة الخير للناس، ويكون الذكر طريقاً إلى اليقظة، وتكون الصحبة طريقاً إلى الأخوة، ويكون الاحتفال بالمولد تجديداً للعهد مع منظومة أخلاقية كاملة.
وقد رسّخ حضرة السيد الشيخ السلطان الخليفة محمد المحمد الكسنزان الحسيني قدس سره هذا المعنى في خطبه وتوجيهاته الروحية، إذ كان يؤكد أن الطريق إلى الله يقوم في جوهره على الحب والمحبة، وأن الذكر ليس حركة لسان منفصلة عن القلب، وإنما وسيلة لإحياء المحبة وتعميق الصلة بالله تعالى. وفي هذه المدرسة يصبح حب رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ميزاناً للسلوك، لأن المحبة الصادقة لا تبقى عاطفة داخلية، بل تفرض على صاحبها أن يسأل نفسه: كم من أخلاق النبي أصبحت جزءاً من أخلاقي؟ وكم من رحمته حضرت في تعاملي مع الآخرين؟ وكم من صدقه وأمانته وتواضعه وصبره انعكس في حياتي؟ وهكذا تنتقل مناسبة المولد من الذاكرة إلى المسؤولية، ومن الاحتفاء بالماضي إلى صناعة الحاضر.
ومن المعاني العميقة المنقولة عن حضرة الشيخ محمد المحمد الكسنزان قدس سره أن معرفة النبي ليست معرفة صورة وشكل فحسب، بل معرفة مقام ومعنى ونور. وهذه الفكرة تفتح باباً واسعاً لفهم التربية الصوفية؛ فالمعرفة الحقيقية لا تتوقف عند جمع المعلومات عن السيرة، على أهميتها، وإنما تتقدم إلى محاولة تمثل القيم التي جسدتها السيرة. فقد يعرف الإنسان تاريخ الهجرة والغزوات والصلح والفتح، لكنه لا يكون قد أدرك روح السيرة ما لم يتعلم من الهجرة التضحية، ومن الصلح الحكمة، ومن الفتح العفو، ومن المدينة بناء المجتمع، ومن حياة الرسول الرحمة بالضعيف، والوفاء بالعهد، والعدل بين الناس. لذلك تصبح معرفة النبي معرفةً تُقاس بما تغيّره في الإنسان، لا بما تضيفه إلى ذاكرته فقط.
ومن هذا المنطلق نفهم العناية الكبيرة التي أولاها حضرة الشيخ محمد المحمد قدس سره للمولد النبوي الشريف. فالاحتفاء عنده تعظيمٌ للمحبوب وتجديدٌ للمحبة، حتى إن التهيؤ للمناسبة في المظهر والنظافة ولبس الحسن من الثياب يحمل معنى داخلياً هو تعظيم المناسبة في القلب. فالإنسان حين يستقبل من يحب يستعد له، وحين يعظم مناسبة روحية يهيئ لها ظاهره وباطنه. غير أن جوهر هذا الاستعداد يبقى في القلب: تصفية النية، ومراجعة النفس، والإكثار من الصلاة على النبي، وإحياء الذكر، وإصلاح ما فسد من العلاقات، لأن أجمل ما يمكن أن يقدمه المحب في ذكرى مولد النبي هو خلق يقترب به من أخلاقه.
وإذا كانت مدرسة حضرة الشيخ محمد المحمد قدس سره قد وضعت المحبة في قلب التربية الروحية، فإن حضرة السيد الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني قدس سره واصل هذا المعنى ووسّع دائرته ليأخذ بعداً إنسانياً وعالمياً واضحاً. ففي خطاباته المرتبطة بالمولد النبوي يتكرر التأكيد على أن الاحتفال برسول الله هو احتفال برسالة الإيمان والحب والسلام، وأن المولد ينبغي أن يكون رسالة تسامح وقبول للآخر، وجسراً بين الطوائف والقوميات والأديان، لا مناسبة تنغلق داخل جماعة على نفسها. وهذه النقلة مهمة، لأنها تجعل المحبة النبوية قوة اجتماعية تستطيع أن تسهم في معالجة الانقسام والعنف والكراهية.
لقد أكد حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان في مناسبات المولد أن الاحتفاء بمولد النبي يحمل رسالة المحبة والسلام والتسامح وقبول الآخر، ودعا إلى شراكة إنسانية صادقة تتجاوز الحواجز المصطنعة بين البشر. كما ارتبط خطابه بدعوة واضحة إلى وقف الحروب والصراعات ونشر الطمأنينة بين الناس. وهذه الرؤية تجعل المولد مناسبة تتجاوز حدود الاحتفال الديني إلى فضاء أخلاقي أوسع: فإذا كان النبي قد بُعث رحمة للعالمين، فإن الوفاء لرسالته يقتضي أن يكون المسلم مصدراً للرحمة لا للخوف، وللسلام لا للعدوان، ولجمع القلوب لا لتفريقها.
وهنا تتضح الصلة العميقة بين خطاب حضرة الشيخ محمد المحمد وخطاب حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو. الأول يضع المحبة في قلب بناء الإنسان من الداخل، والثاني ينقل ثمار هذه المحبة إلى المجال الاجتماعي والإنساني. ولا يوجد تعارض بين البعدين، بل إن أحدهما يكمل الآخر؛ فسلام العالم يبدأ من سلام الإنسان مع نفسه وربه، والتسامح في المجتمع يحتاج إلى قلب تربى على المحبة، والحوار مع المختلف يحتاج إلى نفس تحررت من الكراهية والتعصب. وهكذا يصبح الذكر تربية، والمحبة سلوكاً، والسلوك سلاماً، والسلام رسالةً تمتد من التكية إلى المجتمع ومن المجتمع إلى العالم.
إن احتفالات المولد في الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، بما تتضمنه من تلاوة للقرآن الكريم والذكر والصلاة على النبي والمدائح والكلمات الروحية واجتماع المريدين والمحبين، تقدم صورة عن هذا الترابط بين الفرد والجماعة. فالمريد لا يعيش التجربة وحده؛ إنه يجد نفسه وسط جماعة توحدها الصلاة على رسول الله والمحبة والذكر. ومن الناحية الاجتماعية، تحمل هذه الصورة معنى بالغ الأهمية في زمن تتزايد فيه النزعات الفردية والانقسامات والهويات المتصارعة. فالاجتماع على المحبة يعيد تذكير الإنسان بأن الدين لا يبني العزلة، وإنما يبني الأخوة، وأن الروحانية الحقيقية لا تنسحب من المجتمع، بل تسعى إلى إصلاحه.
ويزداد هذا المعنى وضوحاً حين تشارك في هذه المناسبات وفود وشخصيات ومحبون من بيئات وقوميات وبلدان مختلفة. فالتنوع هنا لا يُنظر إليه بوصفه خطراً، وإنما بوصفه دليلاً على قدرة الرسالة المحمدية على جمع المختلفين حول القيم الكبرى. إن الإنسان قد يختلف مع الآخر في اللغة أو القومية أو المذهب أو الثقافة، لكنه يستطيع أن يلتقي معه على الرحمة والكرامة والسلام وخدمة المحتاج واحترام الإنسان. وهذا هو أحد أهم المعاني التي يمكن للمولد النبوي أن يقدمها للعالم المعاصر: أن الاختلاف لا يستوجب الخصومة، وأن الهوية الراسخة لا تخاف الحوار، وأن المحبة ليست ضعفاً، بل قوة أخلاقية قادرة على هزيمة الكراهية.
وفي هذا السياق، لا تبدو دعوة حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو إلى السلام مجرد شعار مرتبط بمناسبة احتفالية، وإنما امتداداً لمنهج يرى التصوف طريقاً للوسطية والاعتدال ومواجهة التطرف. فالمتطرف يبدأ غالباً بإلغاء إنسانية المختلف، أما التربية الروحية فتبدأ بتذكير الإنسان بعيوبه قبل أن تنشغل بعيوب الآخرين، وتربيه على التواضع بدل الاستعلاء، وعلى المحبة بدل الكراهية. ولذلك يمكن أن تتحول التكايا ومجالس الذكر والمناسبات الروحية إلى فضاءات لإعادة بناء الثقة الاجتماعية، إذا بقيت وفية لجوهرها الأخلاقي والإنساني.
والمولد النبوي في هذا الفهم ليس هروباً من مشكلات العصر، بل عودة إلى مصدر أخلاقي يساعد على مواجهتها. فعالم اليوم يمتلك من وسائل الاتصال ما لم تمتلكه أي حضارة سابقة، لكنه يعاني في الوقت نفسه من اتساع خطاب الكراهية والعزلة والحروب والاستقطاب. وقد أصبح الإنسان قادراً على أن يصل إلى الآخر في ثانية، لكنه ليس بالضرورة أكثر قدرة على فهمه أو التسامح معه. ومن هنا تأتي الحاجة إلى إعادة اكتشاف الرحمة المحمدية بوصفها قيمة عملية. الرحمة في السياسة تعني حفظ الدماء وتقديم الحوار على الحرب، والرحمة في المجتمع تعني حماية الضعيف، والرحمة في الخطاب تعني رفض الإهانة والتحريض، والرحمة في الأسرة تعني المودة، والرحمة في الدين تعني الدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة.
ومن أعمق ما يمكن استخلاصه من خطاب الشيخين أن المحبة ليست نقيضاً للعقل، بل هي التي تمنح العقل اتجاهه الأخلاقي. فقد يكون الإنسان شديد الذكاء لكنه يستخدم ذكاءه في صناعة الصراع، وقد يمتلك العلم لكنه يفتقد الحكمة. أما التربية المحمدية فتربط المعرفة بالرحمة، والقوة بالمسؤولية، والقدرة بالعفو. ولهذا فإن استحضار النبي في المولد هو استحضار لنموذج الإنسان الذي جمع بين العبادة وإدارة المجتمع، وبين الشجاعة والرحمة، وبين الحزم والعفو، وبين الإيمان والعمل.
وتبرز الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم في المدرسة الكسنزانية بوصفها محوراً روحياً مركزياً في إحياء المولد. وهي ليست ترديداً صوتياً فحسب، بل تذكير دائم بالمثال النبوي. فكل صلاة عليه ينبغي أن توقظ سؤال الاقتداء به. وإذا صلى الإنسان على نبي الرحمة ثم قسا على الناس فقد بقيت الصلاة عند حدود اللسان، وإذا مدح نبي الصدق ثم استباح الكذب فقد فصل المدح عن المعنى، وإذا احتفل بنبي الأخوة ثم غذّى الانقسام فقد فقد الاحتفال غايته الأخلاقية. أما حين تتحول الصلاة والمدائح إلى قوة تهذب السلوك، فإن المولد يصبح مدرسة متجددة طوال العام.
وهذا ما يمنح المدائح النبوية وحلقات الذكر معناها الأبعد. فالصوت الجميل ليس هو الغاية، وإنما ما يوقظه في القلب. والدمعة ليست الغاية، وإنما ما تفتحه من باب للتوبة والرحمة. والاجتماع ليس الغاية، وإنما ما يبنيه من أخوة. والزينة ليست الغاية، وإنما ما تعبّر عنه من فرح وتعظيم. ومن هنا فإن المولد الحقيقي يستمر بعد انفضاض المجلس؛ يستمر حين يعود الإنسان إلى بيته أكثر رحمة، وإلى عمله أكثر أمانة، وإلى مجتمعه أكثر استعداداً للعطاء، وإلى المختلف معه أكثر قدرة على الحوار.
إن حضرة الشيخ محمد المحمد قدس سره، حين جعل المحبة أساس الطريق، وضع قاعدة روحية يمكن أن نفهم في ضوئها معنى المولد كله. فالمحب يكثر من ذكر محبوبه، ومن أحب رسول الله أكثر من الصلاة عليه، ومن صدقت صلاته عليه أحب سنته وأخلاقه، ومن أحب أخلاقه سعى إلى الاقتداء بها. وهكذا تنشأ سلسلة تربوية تبدأ بالذكر ولا تنتهي عنده، بل تنتقل إلى العمل. وفي المقابل، فإن حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو حين يؤكد أن رسالة المولد هي السلام والتسامح وقبول الآخر، فإنه يبين الثمرة الاجتماعية لهذه السلسلة: قلب محب، ولسان ذاكر، وسلوك رحيم، ومجتمع أكثر سلاماً.
ومن المهم أيضاً أن نفهم أن الاحتفال بالمولد في الرؤية الكسنزانية يحمل معنى الوفاء للسلسلة الروحية التي ترى نفسها امتداداً لمنهج الإرشاد والتربية المحمدية. ولذلك تتداخل في هذه المناسبة ذاكرة النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم مع ذكر مشايخ الطريق الذين حملوا رسالة التربية جيلاً بعد جيل. وليس المقصود أن تحل شخصية الشيخ محل الأصل النبوي، وإنما أن يكون الشيخ دالاً على الأصل ومربياً على الاقتداء به. فالمعيار في التصوف الصحيح أن يقود الشيخ مريده إلى الله ورسوله وإلى حسن الخلق، وأن تكون مكانته مرتبطة بمقدار ما يوقظ في النفوس من صدق ومحبة وخدمة.
وعندما نتأمل الاحتفال بالمولد من منظور اجتماعي عراقي، تزداد أهميته. فالعراق بلد غني بتنوعه الديني والمذهبي والقومي والثقافي، لكنه دفع ثمناً باهظاً في مراحل مختلفة بسبب الصراع والتطرف وخطابات الانقسام. ولذلك فإن كل خطاب ديني يرفع قيمة التعايش ويعيد بناء جسور الثقة يمثل حاجة وطنية أيضاً. وحين يؤكد حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو أن رسالة المولد تتوجه إلى مختلف الطوائف والأديان والقوميات بالمحبة والسلام، فإن هذا الخطاب يكتسب معنى يتجاوز حدود الطريقة ليخاطب المجتمع كله: يمكن للعراقيين أن يختلفوا ويبقوا إخوة في الوطن، ويمكن للانتماءات أن تتعدد من دون أن تتحول إلى جدران، ويمكن للدين أن يكون جسراً للمصالحة بدل أن يُساء استخدامه في الصراع.
إن العراق يحتاج إلى هذا النوع من الروحانية التي تصون الهوية ولا تحولها إلى أداة خصومة، وتعتز بالموروث من دون أن تنغلق عن العصر، وتجمع بين الإيمان والوعي بالواقع. والمولد النبوي مناسبة مثالية لإظهار هذا التوازن؛ ففيه يعود المسلم إلى أصل رسالته، لكنه يعود إليها لكي يتحرك نحو المستقبل، لا لكي يبقى أسير الماضي. والسيرة النبوية نفسها تعلمنا أن الإيمان حركة وبناء: بناء للإنسان، وبناء للمجتمع، وبناء للعلاقات على أساس العدل والرحمة.
وعلى المستوى الإنساني الأوسع، يمكن قراءة خطاب المولد الكسنزاني بوصفه دعوة إلى استعادة البعد الروحي في عالم تحكمه المصالح المادية بصورة متزايدة. فالأزمات الدولية لا تنشأ دائماً من نقص المعرفة، بل كثيراً ما تنشأ من غياب الضمير. والبشرية لا تعاني من قلة الأدوات بقدر ما تعاني أحياناً من سوء استخدامها. ولهذا فإن الحديث عن المحبة والسلام ليس ترفاً عاطفياً؛ إنه سؤال عن الأساس الأخلاقي الذي ينبغي أن يوجه القوة والعلم والسياسة والاقتصاد. وحين يدعو حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو إلى إيقاف الحروب ونشر السلام، فإنه يضع البعد الروحي أمام مسؤولية واقعية: ما قيمة التدين إذا لم يسهم في حماية الإنسان؟
ويمكن القول إن المولد النبوي الشريف، كما يتجلى في خطاب الطريقة العلية القادرية الكسنزانية، يقوم على ثلاثة مستويات مترابطة: ذاكرة تستحضر الرسول، ومحبة تربّي القلب، ورسالة تتحول إلى عمل. فإذا انفصلت الذاكرة عن المحبة أصبح الاحتفال عادة، وإذا انفصلت المحبة عن العمل أصبحت عاطفة، وإذا انفصل العمل عن المثال النبوي فقد بوصلته. أما حين تجتمع هذه المستويات، فإن المولد يصبح حدثاً تربوياً متجدداً، يعيد ترتيب علاقة الإنسان بربه ونبيه ونفسه ومجتمعه والعالم.
إن أجمل وفاء لحضرة الشيخ السلطان الخليفة محمد المحمد الكسنزان قدس سره في هذه المناسبة هو إبقاء منهج المحبة حياً في القلوب والسلوك، وأجمل استجابة لتأكيدات حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني قدس سره هي أن تتحول رسالة السلام والتسامح إلى ممارسة يومية. فالمريد الذي يحمل المحبة لا يسمح للكراهية أن تستوطن قلبه، والإنسان الذي يتعلم من النبي لا يجعل الاختلاف سبباً للإهانة، ومن يحتفل بالرحمة لا يمكن أن يكون أداة للعنف.
وهكذا يصبح المولد النبوي الشريف أكثر من يوم في التقويم؛ يصبح ميزاناً سنوياً نزن به مقدار اقترابنا من أخلاق النبي. هل أصبحنا أكثر صدقاً؟ أكثر رحمة؟ أكثر تسامحاً؟ أكثر وفاءً؟ أكثر حرصاً على كرامة الإنسان؟ إن كانت الإجابة نعم، فقد امتد نور المناسبة إلى الحياة، وإن بقي الاحتفال في حدود المظاهر، فإن أمامنا طريقاً أطول للوصول إلى جوهره.
وفي زمن تتعالى فيه أصوات الصراع، تأتي رسالة المولد لتقول إن العالم لا ينقصه مزيد من الكراهية، بل يحتاج إلى قلوب تعرف معنى الرحمة. وفي زمن تتكاثر فيه الحدود النفسية بين البشر، تذكّرنا المدرسة الكسنزانية بأن المحبة تستطيع أن تجمع ما تفرقه السياسة والمصالح. وفي زمن يُختزل فيه الدين أحياناً في الجدل، يعيد التصوف التربوي السؤال إلى أصله: ماذا صنع الإيمان في أخلاقك؟ وماذا صنعت محبتك لرسول الله في علاقتك بالناس؟
إن الاحتفال بمولد سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هو في جوهره احتفال بميلاد الرحمة في ضمير الإنسان، وبميلاد الأمل في قلب عالم أثقلته الصراعات. ومن مدرسة حضرة الشيخ محمد المحمد الكسنزان قدس سره التي جعلت المحبة لبّ الطريق، إلى خطاب حضرة الشيخ شمس الدين محمد نهرو الكسنزان القادري الحسيني قدس سره الذي يرفع راية السلام والتسامح وقبول الآخر، تتشكل رؤية واحدة: أن الطريق إلى الله لا ينفصل عن إصلاح الإنسان، وأن محبة الرسول لا تنفصل عن الاقتداء بأخلاقه، وأن الذكر لا ينفصل عن العمل، وأن التصوف حين يكون وفياً لرسالته يصبح قوة لبناء الإنسان وجمع القلوب.
وفي هذه المناسبة العطرة، تبقى الدعوة الأجمل أن نجعل من المولد بداية عهد جديد مع الأخلاق المحمدية؛ أن نصالح من خاصمنا، وأن نرحم من ضعف، وأن نعين من احتاج، وأن نطفئ كلمة الفتنة قبل أن تصبح ناراً، وأن نرد على الكراهية بالحكمة، وعلى التعصب بالوعي، وعلى اليأس بالأمل. عندئذ لا نكون قد احتفلنا بمولد النبي يوماً واحداً، بل جعلنا حضوره الأخلاقي ممتداً في أيامنا كلها.
سلام على يوم أشرق فيه نور النبوة، وسلام على سيدنا محمد الذي علّم البشرية أن الرحمة قوة، وأن العفو رفعة، وأن الأخوة بناء، وأن الإنسان يعلو بأخلاقه. وسلام على كل قلب يجعل من هذه الذكرى باباً للمحبة والسلام وخدمة الناس، وعلى كل مجلس يذكر فيه اسم الحبيب فتصفو النفوس وتتآلف القلوب.
اللهم صل على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.