التسويات السياسية بين الدول ودورها في تعزيز الأمن والاستقرار الجماعي

 

 

إعداد ـ التآخي

يكتسب موضوع التسويات السياسية بين الدول أهمية بالغة واستثنائية، لا سيما في ظل تشابك الأزمات الإقليمية والدولية وتصاعد الحاجة إلى الانتقال من منطق إدارة الصراعات إلى منطق حلها جذريا.

التسوية السياسية تسوية شاملة ومستدامة تعيد صياغة قواعد اللعبة السياسية وتوزيع المصالح، وتعمل على الانتقال من مفهوم الأمن القومي الضيق القائم على التسلح والردع المتبادل، إلى منظومة الأمن الجماعي التي تعد أمن كل دولة جزءا لا يتجزأ من أمن الإقليم ككل (استلهام مبادئ عصبة الأمم أو الأمم المتحدة وتطبيقاتها الإقليمية)، اذ عادة ما يسهم استنزاف الموارد الاقتصادية والبشرية في دفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات، فيأتي دور الأطراف الثالثة (الوساطة والضمانات) في شكل الوساطة الإيجابية (قوى دولية أو إقليمية محايدة)، ويجري الحديث عن أهمية تواجد “ضمانات دولية” ملزمة لضمان عدم تنصل الأطراف من بنود التسوية.

كما تجري عملية بناء الثقة بتبادل الأسرى، وفتح الممرات، وتخفيف القيود الاقتصادية كخطوات تمهيدية للتسوية الكبرى. يؤدي إيقاف صراع في نقطة ما إلى حماية الدول المجاورة من أزمات اللجوء، وتجارة المخدرات، والجماعات المسلحة العابرة للحدود وتعزيز الاندماج الاقتصادي الإقليمي بتحويل الحدود من “خطوط مواجهة” إلى “جسور تعاون” عبر مشاريع الربط الكهربائي، والممرات التجارية، واستثمار الموارد المشتركة وترسيخ الشرعية المؤسسية ببناء هياكل إقليمية أمنية واقتصادية تمنع تجدد النزاعات وتوفر منصات فضّ منازعات سلمية مستدامة.

من التحديات والمعوقات التي تواجه التسويات هشاشة الدول ومخرجات التسوية. عندما تكون الأطراف المتفاوضة ضعيفة أو غير ممثلة حقيقة لشعوبها، مما يؤدي إلى اتفاقات هشة قابلة للانهيار (سلام ورقي). كما تسعى بعض القوى الدولية أو الإقليمية لاستثمار النزاعات وإبقاء الأزمات في مرحلة “اللا سلم واللا حرب” لتحقيق مكاسب جيوسياسية. او تجاهل الحقوق التاريخية والتعويضات للضحايا، مما يزرع بذور صراعات مستقبلية جديدة.

من النماذج التاريخية والمعاصرة للتسويات الانموذج الأوروبي (معاهدات وستفاليا أو اتفاقيات هلسنكي) حولت القارة الأوروبية من حروب طاحنة إلى منظومة أمن جماعي مستقر. تعد التجربة الأوروبية من أهم المختبرات التاريخية في دراسة تطور مفاهيم الحرب والسلم. لقد انتقلت القارة من حالة “حرب الجميع ضد الجميع” والنزاعات الدموية الطاحنة إلى انموذج فريد من الاندماج والأمن الجماعي والمؤسسي. يمكن تتبع هذا التحول العميق عبر أربع محطات تاريخية وفكرية مفصلية.

 

 

 معاهدات وستفاليا (1648) أدت الى ولادة النظام الإقليمي الحديث السياق: جاءت بعد انتهاء “حرب الثلاثين عاما” (1618–1648)، وهي حرب دينية وسياسية مدمرة أكلت الأخضر واليابس وأودت بحياة ثلث سكان وسط أوروبا. التحول الجذري حدث بان كرست المعاهدة مبدأ “سيادة الدول” وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، مما أنهى أنموذج الإمبراطورية العالمية المهيمنة وأسس لنظام الدول المستقلة متساوية السيادة. وضعت القواعد الأولية للدبلوماسية الحديثة وإدارة التوازن الإقليمي لمنع أي قوة من التفرد بالهيمنة المطلقة على القارة.

مؤتمر فيينا وتوازن القوى (1815): إرساء الاستقرار أعقب هزيمة الإمبراطورية الفرنسية والحروب النابليونية التي هزت أركان القارة بأكملها. التحول الجذري بدأ بابتكار قادة أوروبا (عبر ما عرف بـ “الوفاق الأوروبي” أو Concert of Europe) نظام توازن القوى عبر الدبلوماسية الجماعية والمؤتمرات الدورية. تم الاتفاق ضمنا على أن أي تغيير إقليمي أو أزمة يجب أن تُحل عبر التشاور الجماعي للقوى الكبرى وليس عبر الحرب المنفردة، مما أتاح لأوروبا أطول مدة استقرار نسبي بين القوى الكبرى حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى.

صدمة الحربين العالميتين وإخفاق عصبة الأمم “الدروس المؤلمة”: أثبتت الحربان العالميتان الأولى والثانية أن نظام توازن القوى الكلاسيكي والتحالفات السرية لم يعودا كافيين لمنع الكوارث، وأن تكلفة الحرب المدمرة باتت تهدد وجود الحضارة نفسها. عجزت “عصبة الأمم” عن ردع التوسع العسكري في ثلاثينات القرن الماضي لغياب آليات الردع الفعالة والغطاء التنفيذي الملزم، مما استدعى إعادة تفكير جذرية في بنية الأمن الجماعي. وهكذا نشأت اتفاقيات هلسنكي (1975) في ذروة الحرب الباردة، اذ انقسمت أوروبا إلى معسكرين نوويين متحاربين أيديولوجيا. التحول الجذري بدأ ضمن مسار هلسنكي (منظمة الأمن والتعاون في أوروبا – OSCE) بجمع الشرق والغرب على طاولة واحدة لتبادل الاعتراف بالحدود القائمة مقابل التزام متبادل بحقوق الإنسان والحريات الأساسية، مما أسس لمفهوم “الأمن الشامل” الذي يربط الاستقرار السياسي بالحقوق والحريات. تبنت الدول الأوروبية فكرة “التشابك المصلحي”؛ حيث جرى دمج صناعات الفحم والصلب (عصب الصناعة الحربية) في كيان فوق وطني واحد بحيث تصبح أي حرب جديدة مستحيلة ماديا واقتصاديا. تحولت الحدود من خطوط مواجهة عسكرية إلى مساحات للتكامل المفتوح.

تجاوز سيادة الصفر: أولا بالانتقال من السيادة المطلقة المعزولة إلى سيادة منفتحة تعترف بأن أمن الجار هو امتداد للأمن القومي الذاتي. وثانيا، بالمؤسسية وبناء الثقة: الأمن الجماعي لا يتحقق بمعاهدات ورقية آنية، بل ببناء شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية والمؤسسات القانونية المشتركة التي تجعل تكلفة الحرب باهظة ومهولة فالخسارة لجميع الأطراف. وثالثا، مواجهة جذور النزاع: التسويات المستدامة في أوروبا نجحت عندما لم تقتصر على وقف إطلاق النار، بل امتدت لمعالجة العدالة للسكان، والحقوق، وضمانات المشاركة.

 

دور الاندماج الاقتصادي في نزع فتيل الحروب

 

الاندماج الاقتصادي ليس مجرد “تنسيق تقني” بين الدول، بل هو أداة لإعادة هندسة التطلعات الشعبية والوطنية. عندما تصبح مصلحة المواطن في “الاستقرار والازدهار” مرتبطة عضويا باستقرار “الجار”، تتقلص المساحة المتاحة لصناع القرار لشن الحروب. فكيف يحول الاندماج الاقتصادي “العدو المحتمل” إلى “شريك لا غنى عنه؟ يجري ذلك بنظرية “تضارب المصالح الممنوع” (Interdependence Theory) فالاندماج الاقتصادي يخلق حالة من الاعتماد المتبادل المعقد، حيث تتشابك سلاسل التوريد. فإذا كانت دولتك تعتمد على دولة مجاورة في توفير الطاقة، والمواد الخام، وسوقا لتصريف المنتجات، فإن شن حرب ضدها يعني “انتحارا اقتصاديا” ذاتيا. النتيجة، تصبح الحرب خيارا غير عقلاني (Irrational)؛ فبدلا من تدمير الخصم عسكريا، يجد الطرفان أن التعاون لتحقيق مكاسب مشتركة هو المسار الأقصر والأرخص لتعظيم الثروة الوطنية.

عندما أسست الدول الأوروبية (فرنسا، ألمانيا الغربية، إيطاليا، ودول البنلوكس: بلجيكا، هولندا، ولوكسمبورغ) “الجماعة الأوروبية للفحم والصلب” عام 1951، لم يكن الهدف اقتصاديا بحتا، بل كان هدفا أمنيا استراتيجيا يتمثل بوضع الموارد الأساسية لصناعة السلاح (الفحم والصلب) تحت إشراف سلطة عليا مشتركة. الرسالة هي ان نجعل من المستحيل عمليا على أي دولة أن تحشد صناعتها الحربية سرا ضد جارتها، لأن كل طن من الصلب أو الفحم أصبح مراقبا ومخصصا للاستغلال المشترك، كما جرى إحلال “مواطنة المصالح” محل “شوفينية الحدود” فالحروب غالبا ما تتغذى على المشاعر القومية المتطرفة، لكن الاندماج الاقتصادي يغير أولويات السكان بتغيير الأجندة الشعبية فعندما يبدأ المواطنون بالاستفادة من فرص العمل العابرة للحدود، أو انخفاض أسعار السلع نتيجة التجارة الحرة، أو سهولة السفر والترفيه والاستثمار، تترسخ قناعة شعبية بأن “الحدود المفتوحة” أكثر ربحية من “الخنادق المحصنة”.

أثر ذلك على القرار السياسي: الحكومات التي تخوض حروبا تؤدي إلى عزل اقتصادياتها تخاطر بفقدان شعبيتها، فيما الحكومات التي تجلب الرخاء عبر التبادل التجاري تكتسب شرعية أوسع، وان التداعيات الهيكلية التي تمنع النزاع تتمثل في الاندماج الاقتصادي العميق الذي يفرض آليات تحول دون الوصول إلى مرحلة الصدام المسلح بالمؤسسات القانونية المشتركة وبناء محاكم أو هيئات تحكيم تجارية عابرة للحدود يؤدي إلى اعتياد الأطراف على حل النزاعات بوساطة “القانون” وليس هن طريق “القوة”. ويتوجب الاستثمار المشترك فعندما تضع دولة استثمارات بمليارات الدولارات في البنية التحتية لدولة جارة، فإنها تصبح “شريكا في الاستقرار” وليست “محرّضا على الاضطراب”؛ لأن تدمير الجار يعني تدمير استثماراتك الخاصة.

كانت دروسا للبيئات الإقليمية (إسقاط الواقع) إذا طبقنا هذا المفهوم على سياقات إقليمية (مثل المنطقة العربية)، نجد أن التحدي ليس في غياب الموارد، بل في غياب “الإرادة المؤسسية للربط”: مشاريع الربط الاستراتيجي و الربط الكهربائي، خطوط الغاز، سكك الحديد العابرة للحدود، والمناطق الصناعية الحرة، كلها ليست مجرد مشاريع بنية تحتية، بل هي صمامات أمان ترفع تكلفة التوتر السياسي إلى مستويات تجعل الحرب “مكلفة جدا” حتى لأكثر الأطراف تشددا.

خلاصة القول، الاندماج الاقتصادي يحول مفهوم “الأمن” من كونه “حماية ضد الآخر” إلى “عمل مع الآخر”. هو عملية “ترويض للمصالح” تجعل من السلام “ضرورة حياتية” تهم المواطن في قوته اليومي، وليس مجرد “خيار سياسي” يتقلب مع تقلبات الحكومات. 

 

أزمة مضيق هرمز

 

إن أزمة مضيق هرمز تقدم انموذجا صارخا وصادما لكيفية هيمنة “الهاجس الأيديولوجي والسياسي” للنخب الحاكمة على “المصلحة الوجودية” للشعوب. حين يُدار ممر مائي حرج يمر عبره جزء ضخم من إمدادات الطاقة والتجارة العالمية بمنطق “حافة الهاوية” و”الورقة السياسية”، فإن الضحية الأولى ليست الجيوش، بل المواطن البسيط الذي يدفع ثمن ارتفاع الأسعار، وتعطل الأسواق، واهتزاز الأمن المعيشي والغذائي، وكأن أرزاق الشعوب مجرد بيادق على رقعة شطرنج جيوسياسية. ويمكن تفكيك هذه المفارقة المؤلمة عبر النقاط الآتية: 1. الانفصال التام بين أولوية “الدولة” وأولوية “المواطن” منظور المواطن: يبتغي استقرارا يضمن له استمرار لقمة عيشه، انسيابية السلع، وتدفق الإيرادات لتمويل الخدمات الأساسية (صحة، تعليم، بنية تحتية) والسياحة والتسلية. بالنسبة له، أي تهديد للممرات المائية يعني مباشرة تضخما، وشحا في السلع، وانكماشا اقتصاديا. منظور النخب السياسية: تُدير الصراع أحيانا بعقلية “البقاء السياسي” أو فرض النفوذ الإقليمي، اذ تستعمل التهديدات بغلق المضيق أو عرقلة الملاحة كأوراق ضغط تفاوضية مع القوى الدولية، بغض النظر عن الفاتورة الباهظة التي يتكبدها السكان المحليون في الداخل والدول المجاورة. 2. غياب “المنفعة المتبادلة” وتحول الجغرافيا إلى “عقوبة”. في أوروبا، تحولت الجغرافيا إلى أداة تكامل (كما ذكرنا في تجربة الفحم والصلب)، اما في مناطق الأزمات مثل مضيق هرمز، تُعامل الجغرافيا وكأنها “سلاح دمار شامل اقتصادي”. بدلا من أن يكون المضيق نقطة التقاء لتشبيك المصالح الاقتصادية لدول الخليج وإيران والعراق وبقية دول الإقليم، جرى تحويله إلى “عنق زجاجة” يمكن خنقه في أي لحظة وفقا لحالة الطقس السياسي. هذا النهج يدفع الدول المتضررة (والمتلقية الصامتة لتبعات الصراع) للبحث المضني وبأثمان فلكية عن “مسارات بديلة” (مثل خطوط الأنابيب البرية عبر الصحراء أو الموانئ البديلة)، وهو ما يمثل هدرا هائلا للمال العام كان من المفترض أن يُستثمر في التنمية لا في الهرب من مخالب الجغرافيا.

يجري أسر الاقتصاد بأيديولوجية الصراع، فعندما تُسيطر الأيديولوجيا على القرار الاقتصادي، تُعطل مشاريع الربط الإقليمي الكبرى (كالسكك الحديدية المشتركة، أسواق الطاقة الموحدة، والمناطق الصناعية الحرة العابرة للحدود) بمسوغ “عدم الثقة السياسية”. ونتيجة لذلك، تبقى شعوب المنطقة رهينة لمعادلة “اللا سلم واللا حرب”، حيث تعيش الاقتصاديات على أعصابها مع كل تلويح بإغلاق مضيق أو اشتعال أزمة عسكرية، وتتبخر خطط التنمية المستدامة لصالح موازنات التسلح وإدارة الأزمات.  فكيف تخرج الشعوب من معادلة “صنع القرار”؟ المشكلة العميقة تكمن في غياب الآليات الديمقراطية الحقيقية أو المجتمعات المدنية القوية القادرة على فرض “صوت العقل الاقتصادي” على صناع القرار. في الدول التي تفتقر لمؤسسات المساءلة الحقيقية، تستطيع الحكومات الاستمرار في سياسات المواجهة والمغامرة الإقليمية لسنوات طويلة، لأن تكلفة هذه السياسات لا تتحملها النخب الحاكمة، بل تفرض اقتطاعا مباشرا ومستمرا من قوت اليوم ومعيشة المواطن المنسي. إن تحويل ممر مثل مضيق هرمز من “تهديد دائم” إلى “شريان تعاون” يتطلب أولا وقبل كل شيء إسقاط الأوهام الأيديولوجية، والاعتراف بأن أمن الدول لا يجري بتدمير أمن الجيران، بل بالتشابك الاقتصادي الذي يجعل الحرب “مستحيلة اقتصاديا”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة في ظل هذا الواقع المعقد: كيف يمكن كسر هذه الحلقة المفرغة، وهل هناك أمل في ظهور قوى ضغط محلية أو إقليمية (اقتصادية أو اجتماعية) قادرة يوما على إجبار الحكومات على تغليب مصالح الشعوب على صراعات النفوذ؟

 ارتبطت آمال انتهاء أزمة مضيق هرمز بجهود الوساطة القطرية والعمانية مثلا لصياغة مقترحات ومذكرات تفاهم مؤقتة بين واشنطن وطهران، إلا أن تجدد الهجمات على ناقلات النفط وتبادل الاتهامات وعرقلة الاتفاقات أبقى حالة التهدئة هشّة وعلاوات المخاطر مرتفعة في الأسواق. حتى في حال التوصل إلى اتفاق قصير الأجل لإعادة حركة الملاحة التجارية في المضيق إلى طبيعتها، قد يظل غير قادر على إنهاء الحرب بصورة حاسمة أو معالجة المخاوف مما يؤدي الى إبقاء التوترات وعدم حلها جذريا ما يبقي شعوب المنطقة في حالة ذعر من قادم الأيام؛ لارتباط ذلك بأوضاعها الاقتصادية والمعيشية التي تدمرها الحروب بدوافع السياسة والايدلوجيا.

قد يعجبك ايضا