مَن يِقرا على راس العراق؟… الوطن مو مريض، الوطن مِتعَب

د. نادية الجدوع

زمان، بالمحلة، من يمرض واحد من أهل المنطقة، صغير لو كبير، يگولون:
«ودّوه للشيخ… خل يقرا على راسه، يمكن رب العالمين يفرّجها.»

يروح المريض، ويقعد الشيخ يمّه، يقرا دعاء، ينفث، والناس حواليه تدعي:
«إن شاء الله يقوم بالسلامة.»

وإذا ما نفع الدوا، يگولون: «يمكن عين… يمكن نَفَس… يمكن الله كاتبله شفا على إيد فلان.»

هسه أسأل سؤال، مو حتى نضحك، ولا حتى نستذكر سوالف المحلات القديمة:

العراق منو يِقرا على راسه؟

منو يقعد يمّه ويگله:
«لا تخاف… راح تقوم، وراح ترجع مثل ما چنت»؟

العراق اليوم مو بس محتاج واحد يقرا على راسه…
العراق محتاج ناس تعرف شلون تعالجه.

لأن مرض الوطن مو حرارة وتنزل، ولا صداع ويروح بحبة دوا.
مرض الوطن مرات يكون فساد، وسوء إدارة، وتعطيل، وفقر، وبطالة، وضياع ثقة، ومؤسسات تحتاج روح جديدة.

والمشكلة الأكبر؟

إنه كل واحد يريد يكون الشيخ…
بس قليل يريد يكون الطبيب.

كل واحد يگدر يحچي عن الوطن،
كل واحد يگدر يشخّص،
كل واحد يگدر يوزع اتهامات،
بس من يجي وقت العلاج الحقيقي، تبدي الأعذار:

«مو آني…»
«الظرف…»
«المرحلة…»
«غيري قبلي…»

والعراق يبقى على السرير.

إحنا تعودنا نريد معجزة، بينما الوطن يريد قرار.

نريد واحد يقرا على راسه، بينما العراق يريد واحد يشتغل على رأس المشكلة.

يريد إدارة تعرف قيمة الوقت،
وقانون يطبّق على الكل،
ومسؤول يعرف أن المنصب مو وجاهة،
والمشروع مو صورة،
والإنجاز مو منشور،
والدولة مو غنيمة.

العراق ما يحتاج بعد واحد يگله:
«إن شاء الله تتحسن الأمور.»

العراق يحتاج واحد يگله:
«هاي المشكلة… وهاي خطتها… وهاي مسؤوليتها… وهاي مدة إنجازها.»

هاي هي الرقية الحقيقية للوطن.

مو بالضجيج،
ولا بالشعارات،
ولا بالتصفيگ،
ولا بالخصومات السياسية اللي تاخذ من عمر العراق أكثر مما تعطيه.

الوطن، مثل المريض، يحتاج ناس صادقة يمّه.

ناس إذا شافت الوجع ما تغطيه بالبطانية،
وإذا شافت الجرح ما تحط عليه عطر،
وإذا شافت الخلل ما تگول:
«خلّيه… باچر ينحل.»

لأن أكو جروح إذا ما تعالجها اليوم، باچر تصير أعمق.

وأكو فرص إذا ما تلحقها اليوم، باچر يجي غيرك ياخذها.

وأكو أجيال ما عندها رفاهية تنتظر بعد عشرين سنة حتى تشوف الدولة اللي تستحقها.

إحنا نريد عراق ما يحتاج أحد يقرا على راسه.

نريد عراق يتعافى بالعلم،
وبالقانون،
وبالإدارة،
وبالاقتصاد،
وبالصناعة،
وبالتعليم،
وبالتكنولوجيا،
وبالمؤسسات،
وبضمير المسؤول.

نريد دولة إذا مرضت بيها مؤسسة، يتشخّص الخلل وينصلح.
وإذا تعثّر مشروع، تنفتح ملفات أسبابه.
وإذا فشل مسؤول، يتحمل مسؤوليته.
وإذا نجح إنسان، ما ينحارب لأن نجاحه كشف تقصير غيره.

لأن العراق مو ناقصه ناس تدعي له.

العراق مليان ناس تدعي له.

الأم تدعي،
والأب يدعي،
والعامل يدعي،
والطالب يدعي،
والفلاح يدعي،
والجندي يدعي،
والمرأة العراقية كل يوم تدعي أن تشوف بلدها بمكان يليق بيه.

بس الدعاء وحده ما يبني دولة.

الدعاء يفتح باب الأمل… والعمل هو اللي يدخل منه.

ولهذا، يمكن السؤال الحقيقي مو:

«منو يقرا على راس العراق حتى يشفى؟»

السؤال هو:

«منو عنده الشجاعة يمد إيده على جرح العراق، ويعالجه بدون ما يخاف من الوجع؟»

لأن الوطن ما يريد شيخاً واحداً يقرأ عليه.

الوطن يريد دولة كاملة تشتغل من أجله.

وإذا يوم من الأيام، رجعنا لمحلاتنا القديمة، وسأل طفل عن العراق:

«شنو كان مريض بيه؟»

أتمنى ما نجاوبه بقائمة طويلة من الأوجاع.

أتمنى نكله:

«إي يمّه… تعب هواية، بس لَگى ناس آمنت بيه، واشتغلت عليه، ورجّعته يوقف على حيله.»

وهناك فقط…

نکدر نگول: العراق ما احتاج أحد يقرا على راسه… لأن أهله عرفوا شلون يشفوه.

قد يعجبك ايضا