تشريح التاريخ المَرَضي للوشاية..

د. محمد الكاظم

لم يكن نظام البعث في العراق مجرد سلطة سياسية استبدادية فحسب، بل كان منظومة متكاملة لإخضاع الإنسان وتحويل المجتمع كله إلى بيئة تحكمها المخاوف والشك والريبة، تشيع فيها المراقبة، وتقصي المثالب، والحكم على النوايا، وإدانة الأشخاص سلفاً، وصناعة (آخر) مختلف. فالفرد العادي مدانٌ حتى تثبت براءته، او غير مذنب – وليس بريئاً- حتى يجري ترتيب ملف الإدانة المناسب.
وفي قلب هذه المنظومة ظهر كتّاب التقارير كظاهرة افرزتها أجواء الرعب تلك. ولم تكن مهمة هؤلاء تسجيل الوقائع بقدر ما كانت صناعة الاتهام.
فكل قول او سلوك يمكن ان يتحول الى قرينة ادانة، ويمكن لمسار حياة أي شخص ان يتغير بمجرد وشاية. فهذه الفئة تعمل على تحويل الكلام العابر إلى ملف، والمقال الى منشور، والقصيدة الى تحريض، والصداقة إلى شبهة، والاختلاف في الرأي إلى جريمة، وجو العمل الى مناخ مسموم، والثرثرة العابرة بين الأصدقاء الى مؤامرة محتملة، والتعليق الساخر الى محاولة انقلاب، والتصرف المعتدل الى تغريد خارج السرب يوجب القتل والتعليق في (الگنّارة) ومصادرة الأموال المنقولة وغير المنقولة.
كان التقرير الأمني في العراق البعثي أداة من أدوات تدمير الإنسان والمؤسسة والاسرة والمجتمع والعلاقات الإنسانية السوية، قبل أن يكون ورقة في أرشيف الدولة. فقد يكتب شخص تقريراً ضد جاره أو زميله أو قريبه، ثم يتناول الطعام معه ويسلم عليه بحرارة. ثم يجد الضحية نفسه أمام أجهزة لا تسأل عن الحقيقة بقدر ما تبحث عن إدانة.
الكلمات المكتوبة على ورق مخطط عليه شعار الحزب كانت قادرة على فتح أبواب السجون، وقطع الأرزاق، وتشويه السمعة، ومحو الأثر، وكانت تمثل تذاكر مجانية لدخول المقابر الجماعية دون عودة. واغلب تلك الكلمات كتبت تطوعاً، وتزلفاً، ونفاقاً، وتقرباً الى صانع القرار.
الأكثر رعباً من ذلك هو أن النظام لم يكتفِ بصناعة أجهزة القمع، بل عمل على تحويل المجتمع نفسه إلى شبكة مراقبة، وجعل الناس يخافون من بعضهم، وعلّمهم أن للكلمة العابرة ثمناً، وأن للجدران آذاناً، وأن الصديق قد يصبح مخبراً، أو آلة تسجيل مدسوسة بين ثنايا الأحاديث التي يتبادلها الأصدقاء. وهكذا لم يعد القمع يحتاج دائماً إلى رجل أمن يقف خلف كل فرد؛ فقد زرع النظام في النفوس رقابة داخلية تجعل الإنسان يحسب كلماته حتى أمام أقرب الناس إليه.
الأخطر من ذلك كله هو ان حس المراقبة وكتابة التقارير تحول من الوظيفة الأمنية الى السلوك الشخصي، فصار الكثيرون مخبرين متطوعين، وصار بعض هؤلاء حاكة مؤامرات رخيصة بعد ان طالهم النبذ الاجتماعي الصامت، فازداد هوسهم بالوشاية والرغبة بالإساءة الى الآخر. وامتد هذا الهوس الى الدائرة الرسمية والشركة والمؤسسة غير الرسمية والسوق والدكان والمدرسة والجامعة والمقهى. ثم ورّث هؤلاء ذلك السلوك المريض الى أبنائهم وبناتهم ومحيطهم، فتفشى ذلك السلوك المريض في كل مكان وصارت الوشاية فاكهة للجلسات، ووسيلة للتقرب الى المسؤول.
كتّاب التقارير، هم الوجه الأكثر ابتذالاً للآلة القمعية. والمتآمرون المنافقون بالوراثة هم الشكل الأكثر رخصاً وهم الأكثر تلويثا للفضاء العام.
في المرحلة التالية تحولت وظيفة كتابة التقارير نفسها إلى وسيلة للانتقام الشخصي والتسلق الوظيفي، وإثبات الولاء، والتملق الرخيص. والحصول على رضا المسؤول، بعضهم كان يعرف أن ما يكتبه قد يدمر حياة انسان او يسيء الى سمعته، ومع ذلك يواصل كتابة التقارير بإصرار؛ لأن النظام يكافئ الطاعة، ويعتبر الوشاية والتآمر وسيلة اثبات حُسن نية من الواشي.
لهذا فإن الحديث عن جرائم البعث لا ينبغي أن يتوقف عند أسماء القادة والوزراء وأجهزة الأمن وجلادي السجون وطبالي الاعلام والثقافة. لأن هناك تاريخاً اجتماعياً كاملاً للقمع يجب أن يُروى، وهناك تاريخ من الخوف، والوشاية، والتقارير المسمومة التي ارتدى أصحابها أزياء جديدة.
لقد حاول البعث أن يحكم العراق بالخوف، وأن يجعل المواطن يراقب المواطن. لكن الذاكرة العراقية بقيت شاهدة على الحقيقة الأهم وهي ان الأنظمة التي تكسر رقاب الناس قد تفرض الصمت زمناً، لكنها لا تستطيع أن تكسر الذاكرة، ولا أن تمنع التاريخ من فتح ملفاتها ذات يوم.
وإذا كان رجل الأمن هو اليد التي تمسك بالضحية، فإن كاتب التقرير كان في كثير من الأحيان يمثل اليد التي تشير إليها وتحرض عليها.
تبدأ العملية بكتابة اسم، ثم يضيفون له بضع تُهمٍ لا يتوفر الوقت ولا نزاهة الضمير الكافية للتدقيق فيها، فتتحرك خلف الاسم أجهزة كاملة ومقاصل واحواض تيزاب ومشانق وحرس جمهوري واسلحة محرمة دولياً.
يضع كاتب التقارير سطراً على ورقة تحمل شعار الحزب (الآن يستخدم الواتساب) فتبدأ رحلة قد تنتهي بفقدان حرية او امان او وظيفة او حياة شخص ما. لهذا لم يكن التقرير الأمني مجرد وثيقة إدارية، بل كان في ظل النظام البعثي حكماً بالإعدام.
كان كاتب التقرير يعرف خطورة ما يفعل. ومع ذلك كان بعضهم يكتب عن بسادية وتلذذ عن جاره، وزميله، وصديقه، وقريبه، وصديقه، وصديقته، وعن أخيه. ولم يكن مطلوباً منه أن يمتلك دليلاً؛ كان المطلوب أن يثبت ولاءه. وكلما كان أكثر استعداداً للوشاية، بدا أكثر إخلاصاً في عيون السلطة.
وهنا تكمن المأساة الأخلاقية الكبرى، النظام لم يصنع القمع من فوق فقط، بل جعل بعض الناس أدوات له من الداخل. وأغرى ضعاف النفوس بموقع أو منفعة أو حماية، ومنحهم سلطة لا يستحقونها؛ سلطة أن يجعلوا حياة الآخرين معلقة بجملة يكتبونها. وهكذا أصبح الإنسان في أحيان كثيرة لا يخاف الدولة وحدها، بل يخاف الشخص الجالس إلى جواره. ويخاف زميله الذي يبالغ في الابتسام له.
كان كاتب التقرير يملك سلاحاً لا يحتاج إلى زناد. قلمه يكفي (هاتفه السامسونغ يكفي الآن). لا يرفع مسدساً، ولا يقتحم بيتاً، ولا يصرخ في وجه أحد؛ يكتب فقط. ويضع التهم على شكل نقاط واضحة، لكن ما يكتبه قد يذهب إلى جهاز أمني، ومن الجهاز إلى التحقيق، ومن التحقيق إلى السجن. ومن السجن الى العدم.
ولهذا فإن أثره في حياة الضحية قد يكون أشد قسوة من أثر الجلاد الذي يظهر في النهاية، لأن الجلاد كان يباشر القمع بيده، بينما كان كاتب التقرير يختبئ خلف الورقة ويحاول اقناعك بانك الصديق المفضل لديه.
والأكثر إيلاماً هو أن بعض هؤلاء لم يكونوا يبحثون عن الحقيقة أصلاً. كانوا يبحثون عن سقوط خصم، أو اختفاء منافس، أو خلو مكان زميل، أو الانتقام من جار. فتحولت الوشاية إلى عمل، والخوف إلى سلعة، والولاء إلى منافسة على إيذاء الآخرين.
لقد كان النظام البعثي يعرف جيداً أن أفضل طريقة لإخضاع مجتمع كامل هي أن يجعل أبناءه يشكون بعضهم ببعض. ولذلك لم تكن خطورته في السجون وحدها، ولا في الحروب فقط، بل في تلك الثقافة التي جعلت الصمت فضيلة والخوف حكمة والوشاية وسيلة للنجاة.
الأكثر من ذلك هو ان كتّاب التقارير صنعوا ثقافة إدارية ووظيفية ونشاطا تطوعياً مازال يعمل حتى الآن بحماس بعد ان صارت المغريات أكثر. ولهذا يستحق تاريخ كتّاب التقارير أن يُقرأ بتمعن، لا بوصفهم هامشاً صغيراً في تاريخ الدكتاتورية، بل بوصفهم جزءاً من بُنيتها الأخلاقية التي أصبحت تمتلك جذوراً عميقة.
وليس بوصفهم نتاج ظرف ضاغط قاس، بل بوصفهم حالة تُوّرث وتنمو مع الزمن وتغلغل في جميع المؤسسات.
وليس بوصفهم مضطرين او خائفين او مجبرين، بل بوصفهم مستمتعين بالوشاية التي أصبحت طريقة حياة للكثيرين، ووسيلة للتفاعل مع العالم.
وإذا كان التاريخ قد حفظ أسماء الطغاة والجلادين، فعليه أيضاً أن يحفظ أسماء كتاب التقارير والوشاة والمتآمرين الصغار وعلى الجميع ان يدرك ان هناك من قتلوا الناس بواسطة السلاح، وهناك من سلّموهم إلى القتل بورقة. وكلاهما جزء من آلة واحدة اسمها القمع. أخطر ما في سلوك كتاب التقارير انه قابل للتوريث الى الأجيال التالية، وهو صالح للعمل في كل الأزمنة ومع كل الانظمة. فالأنظمة هي المسؤولة عن اتساع هذه الظاهرة وتمددها، او بمحوها من خارطة السلوك الاجتماعي عبر التربية والتعليم والاعلام وأساليب الإدارة الحديثة.

قد يعجبك ايضا