انس الشيخ مظهر
كلما أُلقي القبض على مسؤول فاسد وكُشف عن أموال اختُلست من الدولة، ثم نجحت السلطات في استردادها وإعادتها إلى الخزينة العامة، يُقدَّم ذلك للرأي العام باعتباره انتصاراً مكتمل الأركان في معركة مكافحة الفساد. غير أن استرداد المال لا ينبغي أن يكون نهاية القضية، لأن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو:
كيف تُحتسب هذه الأموال في النظام المالي للدولة؟ وهل تدخل ضمن الموارد التي تُبنى عليها الاستحقاقات الدستورية لإقليم كردستان، أم يجري التعامل معها باعتبارها أموالاً اتحادية خالصة لا نصيب للإقليم فيها؟ خاصة وان التقديرات تشير الى ان الاموال التي نهبت من الخزينة العراقية منذ 2003 تبلغ مئات المليارات من الدولارت..
إن هذه المسألة ليست تفصيلاً محاسبياً يمكن تركه للتقدير الإداري أو للمساومات السياسية، وإنما ترتبط بجوهر النظام الاتحادي وبمبدأ العدالة في توزيع الموارد العامة. فالأموال التي تُختلس من عقد أو مشروع تديره وزارة اتحادية لا تتحول، بسبب وقوع الجريمة، إلى أموال تخص الوزارة وحدها، كما أن استردادها لا يمنح السلطة الاتحادية حق عزلها عن منظومة الإيرادات العامة للدولة. فهي في أصلها أموال عامة عراقية، وكان يفترض أن تبقى ضمن الموارد العامة للدولة لولا وقوع جريمة الفساد التي أخرجتها منها بصورة غير مشروعة.
ومن هنا ينبغي التمييز بين إدارة المال العام وبين الحق فيه.. فكون وزارة اتحادية هي التي أبرمت العقد أو أدارت المشروع لا يعني أن المال الذي خُصص له أصبح ملكاً سياسياً حصرياً للمركز، وإنما يعني أن تلك الجهة كانت مسؤولة عن إدارته ضمن الإطار المالي للدولة. وعندما تُسترد الأموال المنهوبة وتعود إلى الخزينة العامة، فإنها تستعيد طبيعتها كجزء من الموارد العامة للدولة، ومن ثم ينبغي أن تخضع للقواعد الدستورية التي تنظم توزيع تلك الموارد بين مكونات الدولة الاتحادية.
وهنا تبرز المادة 121/ثالثاً من الدستور العراقي، التي تقرر للأقاليم حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحادياً بما يتناسب مع مسؤوليات الإقليم وموارده وحاجاته وعدد سكانه، إلى جانب المادة 105 التي ترتبط بضمان المشاركة العادلة في إدارة الموارد الاتحادية. وبصرف النظر عن التفاصيل التي قد تحيط بتطبيق هذه النصوص وآليات احتساب ، فإن المبدأ الذي تقوم عليه واضح الإيرادات العامة التي تدخل في الدورة المالية الاتحادية لا يجوز التعامل معه بطريقة تؤدي إلى إهدار الاستحقاقات الدستورية للإقليم..
وبناءً على ذلك، فإن القول إن الأموال المستردة من جرائم الفساد لا علاقة لها بحصة الإقليم لمجرد أنها كانت في الأصل مخصصة لعقد اتحادي، يحتاج إلى أساس دستوري وقانوني واضح. فإذا كانت تلك الأموال” لولا اختلاسها” ستبقى ضمن الموارد العامة للدولة، فمن الصعب تبرير استبعادها بعد استردادها من الحسابات المالية التي تُحدد على أساسها الاستحقاقات العامة. فالجريمة لا ينبغي أن تمنح الدولة مبرراً مالياً لإعادة تصنيف المال المسترد بطريقة تنتقص من حق دستوري قائم.
بل إن إبقاء الأموال المستردة خارج الحسابات التي تُحتسب على أساسها حصة الإقليم قد يؤدي عملياً إلى نتيجة غير عادلة، لأن الإقليم يكون قد تحمل آثار الفساد بوصفه جزءاً من الدولة، ثم يُحرم لاحقاً من الاستفادة من الموارد التي أعيدت إلى الدولة نتيجة نجاحها في استرداد الأموال المنهوبة. وبذلك يصبح المال الذي كان ينبغي أن يكون جزءاً من الموارد العامة متاحاً للتوزيع، مالاً مستثنى من الحساب عند تحديد الاستحقاقات، من دون أن يكون هناك بالضرورة نص دستوري صريح يقرر هذا الاستثناء.
ولا تعني هذه الرؤية أن كل مبلغ يُسترد من فاسد يجب أن يُسلَّم مباشرة إلى حكومة الإقليم، ولا أن الأموال المستردة يجب أن تُوزع بصورة منفصلة عن الموازنة العامة. فالمطالبة هنا أكثر تحديداً من ذلك؛ إذ تتعلق بحق الإقليم في أن تدخل هذه الأموال ضمن الموارد العامة التي تُراعى عند احتساب استحقاقاته الدستورية. بمعنى آخر، لا يطالب الإقليم بجزء من «أموال الفاسدين»، وإنما يطالب بحصته الدستورية من المال العام الذي استعادته الدولة بعد أن كان منهوباً.
وهذا التمييز مهم للغاية، لأن استرداد الأموال لا يخلق مالاً جديداً للدولة، لكنه يعيد إليها مالاً كان قد خرج منها بصورة غير مشروعة. وإذا كان المال في الأصل جزءاً من الموارد العامة، فإن عودته إلى الخزينة تعني استعادة الدولة لجزء من قدرتها المالية، وليس إنشاء فئة جديدة من الأموال يمكن استبعادها تلقائياً من قواعد التوزيع.
ومن جهة أخرى، لا يمكن أن تكون الشفافية المالية التزاماً يقع على الإقليم وحده. فإذا كانت الحكومة الاتحادية تشترط معرفة إيرادات الإقليم وحساباته وموارده لتحديد استحقاقاته المالية، فمن الطبيعي أن يكون للإقليم الحق في معرفة كامل الموارد التي تدخل الخزينة الاتحادية، بما فيها الأموال التي تُسترد نتيجة قضايا الفساد. ولذلك ينبغي أن تكون هناك قاعدة واضحة تلزم الجهات الاتحادية بالإفصاح عن قيمة الأموال المستردة، ومصدرها، والقضية التي جاءت منها، وتاريخ استردادها، والحساب الذي أودعت فيه، والطريقة التي أُدرجت بها في الحسابات الختامية للدولة.
فالشفافية في الدولة الاتحادية لا يمكن أن تسير في اتجاه واحد؛ إذ لا يمكن مطالبة الإقليم بالكشف عن موارده باعتبار ذلك شرطاً لتحديد حقوقه، بينما تبقى بعض الموارد الاتحادية، ومنها الأموال المستردة من الفساد، خارج نطاق المعلومات التي يمكن للإقليم والجهات الرقابية الاطلاع عليها والتحقق من كيفية احتسابها وإنفاقها..
ولذلك فإن الحل لا يكمن في تحويل القضية إلى خلاف سياسي جديد بين بغداد وأربيل، وإنما في وضع قاعدة مالية وقانونية واضحة تمنع تضارب التفسيرات. وينبغي أن تحدد الموازنة العامة والحسابات الختامية للدولة بشكل صريح كيفية تسجيل الأموال المستردة من جرائم الفساد، وما إذا كانت تدخل ضمن الإيرادات والموارد التي تُحتسب على أساسها حصة الإقليم، مع إخضاع ذلك للرقابة المالية والقضائية والتشريعية، بحيث لا تبقى المسألة رهينة للتفسير الإداري أو للظروف السياسية..
إن مكافحة الفساد لا تكتمل بمجرد القبض على الفاسد واسترداد الأموال التي اختلسها، لأن الغاية النهائية من استرداد المال هي إعادة الموارد العامة إلى مسارها الصحيح، وليس فقط إيداعها في حساب مصرفي تابع للخزينة الاتحادية. وإذا كانت الدولة الاتحادية تقوم على الشراكة في الموارد والحقوق والالتزامات، فإن استعادة الأموال المنهوبة يجب أن تعزز هذه الشراكة لا أن تصبح سبباً جديداً لاستبعاد الإقليم من استحقاقاته..
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي :- “هل يجوز بعد استرداد المال العام، أن يُحتسب بطريقة تنتقص من حق دستوري للإقليم في الإيرادات العامة”؟
إن الإجابة العادلة ينبغي أن تكون بالنفي ما لم يوجد نص دستوري أو قانوني صريح يقرر خلاف ذلك. فالأموال التي خرجت من الخزينة بفعل الفساد لا تفقد صفتها العامة، والأموال التي تعود إليها بعد استردادها ينبغي أن تدخل مجدداً في الدورة المالية للدولة وفق قواعد الدستور. وإذا كان لإقليم كردستان حق دستوري في حصة عادلة من الإيرادات المحصلة اتحادياً، فإن هذا الحق يجب أن يظل قائماً سواء جاءت تلك الإيرادات من الموارد الاعتيادية أو من أموال عامة استعادت الدولة السيطرة عليها بعد أن كانت منهوبة.
فالقبض على الفاسد واسترداد المال خطوة في طريق العدالة، أما ضمان وصول المال المسترد إلى الدورة المالية التي تحفظ حقوق جميع مكونات الدولة، ومنها حق الإقليم الدستوري، فهو الجزء الذي يجعل تلك العدالة مكتملة.. خاصة وان الاموال المنهوبة حسب التقديرات هي مئات المليارات من الدولارات ..