الثوب الأحمر

سمير ميراني

ثمة سؤال يظل معلقاً فوق كل كنز يكدّ صاحبه في جمعه، لا يطرحه صراحة، لكنه يلاحقه في كل ليلة يحصى فيها ثروته، لمن هذا الكنز حقاً؟ ولمن يبقى بعد أن يرحل جامعه؟
يحكى أن ملكاً من ملوك الصين قديماً فقد سمعه، فعاش في صمت لم يختره، محاطاً بحاشية تتحدث ولا يسمعها، وبأصوات مدينةٍ لا تصله، رأته حاشيته يبكي ذات يوم، فأسرعوا إليه، مالذي أبكاك أيها الملك ؟ فقال : هذا قدرٌ سلمت به، وإنما بكائي لأن مظلوماً قد يقف على بابي هذه الساعة، يستغيث فلا اسمع صوته ، ويظن أني أعرضت عنه، وأنا لا ادري بمكانه.
ثم قال : ذهب سمعي وبقي بصري، وسأجعل من بصري تعويضاً لعدلي، فأمر مناديه أن ينادي في الناس: ألا يلبس أحد ثوباً أحمر إلا من كان مظلوماً، وصار يجوب أنحاء مدينته صباحاً ومساءً على فيله، فإذا وقعت عيناه على ثوبٍ أحمر بين الزحام، اقترب من صاحبه ، وعرف مظلمته وأنصفه, وكأنه رغم أنه لم يعرف هذا الدين، جسّد بفعله معنى الحديث ” كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته”.
ولعل أعظم ما صنعه هذا الملك أنه لم يكل النظر في مظالم رعيته إلى حاشيته أو وزرائه، فقد يجد بعض من يحيطون بالعرش، مهما حسنت نياتهم في أول الأمر، في عزلة الحاكم عن رعيته مصلحة لهم : يقفون بينه وبين الناس، ويقرّبون من يخدم مصالحهم، ويبعدون من يهدد امتيازاتهم، حتى يصبح الحاكم نفسه آخر من يعلم بما يجري في مملكته.
وحين اختار هذا الملك أن يركب فيله ، ويجوب الشوارع بعينيه لا بعيون غيره، أغلق الباب – باب الوسيط – الذي يدخل منه الفساد عادةً، وكان بعيداً عن معرفة المؤمن بدينه، غريباً عن آية تتلى أو خطبة تُلقى، ومع ذلك جعل من نقصه باباً لعدله، وحول غفلة الجسد إلى يقظة القلب.
فكيف بكم، وأنتم تملكون حواسكم كاملة، تسمعون بآذانكم أنين رعيتكم لو أرتم الإصغاء، وترون بأعينكم أحوالهم لو أردتم النظر، وتسمعون تلاوة القرآن في كل صلاة، ثم لا تسمعون أنيناً يعلو من وراء أسواركم، ولا ترون ثوباً ممزقاً يمر أمام قصوركم ؟
فلمن تجمع الأموال إذن؟ فالفاسد لا يسرق المال وحده : يسرق مستقبل أمة كانت تستحق أن تنهض، ويخون ثقة شعبٍ وضع فيكم أمله.
إن كنتم تجمعونها لتثبيت سلطانكم، فقد رأى التاريخ ملوكاً كثيرين لم تُغنِ عنهم كنوزهم ولا جيوشهم حين جاءهم أمرٌ لا يرد، فزال سلطانهم كما يزول الظل.
وإن كنتم تجمعونها لأبنائكم من بعدكم، فقد ورث أبناء كثيرون ذهب آبائهم، وحملوا معه ذلاً لم يشتروه ، حين غاب عنهم العدل الذي كان يحميهم أكثر مما تحميهم الخزائن.
وإن كنتم تجمعونها لغايةٍ أعلى من هذه الدنيا وزينتها، فتلك غاية يبلغها قلبٌ سليم، لا يدٌ ممتلئة، كما قال الله تعالى:( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلبٍ سليم ).
وبين ملكٍ فقد سمعه فاستعاض عنه ببصره ورجليه، وبينكم وأنتم تملكون كل شيء ولا تستعملون منه شيئاً لرعيتكم، مسافة يقيسها ما يفعله القلب في خلوته ، حين لا يراه أحد سوى من خلقه.

قد يعجبك ايضا