ماهين شيخاني
المجلس الوطني الكردي أمام الاختبار التاريخي: الاندماج بلا ذوبان، والشراكة بلا تبعية
—
تمهيد: المقعد ليس القضية
في سوريا التي تشهد مرحلة سياسية جديدة، لم تعد القضية الكوردية تقف عند حدود السؤال التقليدي: هل ستعترف دمشق بالكورد أم لا؟
مع انحسار دور قوات سوريا الديمقراطية وتفكيك الإدارة الذاتية، أصبح السؤال أكثر إلحاحاً:
من سيمثل الكورد في سوريا الجديدة؟
وكيف يمكن تحويل المطالب الكوردية من شعارات سياسية إلى حقوق دستورية ومؤسسات دائمة؟
هنا تبرز مسؤولية المجلس الوطني الكوردي، الذي انتقل إلى مساحة سياسية جديدة عبر الحضور في مجلس الشعب السوري.
لكن ينبغي ألا يتحول المقعد البرلماني إلى غاية بحد ذاته.
فالمقعد يتغير، والنائب قد يغادر، والحكومة تسقط، والتحالفات تتبدل.
أما الدستور، إذا كان ديمقراطياً ومحمياً بمؤسسات مستقلة، فيستطيع أن يحول الحقوق من منحة سياسية إلى حق قانوني مستدام.
السؤال الحقيقي ليس: كم مقعداً حصل عليه الكورد؟
بل: ماذا يستطيع الكوردي أن يكتب في دستور سوريا الجديدة؟
أولاً: الاندماج ليس استسلاماً
من الأخطاء التي ينبغي تجنبها في النقاش الكوردي والسوري وضع الاندماج والانفصال في خانة واحدة.
فالاندماج داخل الدولة شيء، والاستيعاب القسري شيء آخر:
· الاندماج شراكة.
· الاستيعاب تبعية.
· الذوبان إلغاء.
الكورد لا يحتاجون إلى رفض الدولة السورية لكي يحافظوا على هويتهم، كما أن قبولهم بالدولة الموحدة لا ينبغي أن يعني قبولهم بإعادة إنتاج المركزية التي كانت سبباً رئيسياً في أزمات الماضي.
المطلوب معادلة أكثر نضجاً:
سوريا موحدة، ولكنها ليست بالضرورة مركزية.
فالدولة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على تركيز السلطات في العاصمة، بل بقدرتها على إدارة التنوع وتحقيق العدالة بين المناطق والمكونات.
ثانياً: من التمثيل إلى التأثير
إن وصول ممثلين كورد إلى مؤسسات الدولة السورية يمكن أن يشكل فرصة مهمة، لكنه لا يصبح إنجازاً حقيقياً إلا إذا تحول من تمثيل رمزي إلى تأثير سياسي وتشريعي.
فوجود نائب كوردي تحت قبة البرلمان لا يكفي إذا لم يكن قادراً على طرح قضايا:
· الاعتراف الدستوري بالوجود الكوردي.
· اللغة والتعليم والثقافة.
· اللامركزية الإدارية والسياسية.
· العدالة في توزيع الموارد.
· معالجة آثار التغيير الديموغرافي السابق.
· إعادة الحقوق المدنية لمن حُرموا منها.
· ضمان المشاركة السياسية المتكافئة.
وهنا ينبغي للمجلس أن يطرح سؤالاً صريحاً:
هل نريد مقعداً يتحدث باسم الكورد، أم مؤسسة سياسية تمتلك مشروعاً يتحدث من خلاله المقعد؟
ثالثاً: من “الوفد الكوردي” إلى “العقد السياسي الكوردي”
ربما آن الأوان للانتقال من فكرة الوفد التفاوضي المؤقت إلى صياغة أعمق وأكثر استدامة:
عقد سياسي كوردي سوري
وهو ليس دستوراً موازياً، ولا مشروعاً للانفصال، وإنما وثيقة حد أدنى تتفق عليها القوى السياسية والاجتماعية الكوردية حول الحقوق الأساسية.
ومن أبرز مبادئ هذا العقد:
1. الاعتراف الدستوري بالكورد كشعب أصيل ومكوّن مؤسس في سوريا.
2. الاعتراف باللغة الكوردية وحمايتها وتطوير استخدامها في التعليم والثقافة والإعلام والإدارة المحلية.
3. ضمان التعليم باللغة الكوردية في المناطق ذات الكثافة الكوردية.
4. اعتماد نظام لامركزي واسع يتيح للمناطق إدارة شؤونها المحلية.
5. ضمان المشاركة السياسية العادلة في مؤسسات الدولة.
6. حماية المناطق الكوردية من أي تغيير ديموغرافي قسري.
7. معالجة آثار سياسات التمييز السابقة عبر آليات قانونية عادلة.
8. ضمان مشاركة الكورد في صياغة الدستور الجديد، لا الاكتفاء بالموافقة عليه بعد إقراره.
9. تحقيق عدالة عادلة في توزيع الموارد والثروات الوطنية بين المركز والمناطق.
10. ضمان استقلال القضاء والمؤسسات الدستورية بما يمنع أي حكومة مستقبلية من الالتفاف على الحقوق.
مثل هذا العقد يمكن أن يتحول إلى أرضية مشتركة تجمع القوى الكوردية المختلفة، بدلاً من أن تبقى كل قوة تفاوض منفردة.
رابعاً: الدستور أهم من البرلمان
المناصب السياسية تتغير باستمرار، أما الدستور فهو الذي يحدد شكل الدولة وعلاقة المواطن بها.
قد يحصل كوردي اليوم على مقعد برلماني، وقد يحصل غداً على وزارة، لكن ذلك كله يمكن أن يتغير بتغير الانتخابات والحكومات.
أما حين يصبح الحق الكوردي جزءاً من النص الدستوري، فإن المسألة تنتقل من:
“ماذا ستمنحنا السلطة؟”
إلى:
“ما الذي يضمنه القانون لنا؟”
وهنا تكمن النقلة النوعية التي ينبغي أن يعمل المجلس على تحقيقها.
خامساً: اللامركزية ليست تهديداً لوحدة سوريا
من الضروري أن يخوض الخطاب الكوردي معركة سياسية وفكرية موازية داخل المجتمع السوري.
الخصوم سيحاولون تصوير أي مطالبة كوردية باللامركزية باعتبارها مقدمة للتقسيم.
وهنا يجب أن يكون الخطاب واضحاً:
اللامركزية ليست تفكيكاً للدولة، كما أن المركزية ليست مرادفاً للوحدة الوطنية.
يمكن لسوريا أن تكون دولة واحدة، ذات سيادة واحدة، وجيش وطني واحد، وسياسة خارجية واحدة، وفي الوقت نفسه تمتلك إدارات محلية واسعة الصلاحيات.
بل إن توزيع السلطة والثروة قد يكون أحد أهم وسائل الحفاظ على وحدة الدولة، لأنه يقلل الشعور بالتهميش ويمنح المناطق والمكونات إحساساً حقيقياً بالشراكة.
ولهذا ينبغي للمجلس أن يقدم مشروعاً سورياً للامركزية، لا مجرد مطلب كوردي.
سادساً: لا تجعلوا القضية الكوردية قضية كوردية فقط
من نقاط القوة التي ينبغ
ي أن يستثمرها المجلس أن يقدم مطالبه ضمن مشروع وطني سوري أوسع.
فحقوق الكورد لا تتعارض مع حقوق السريان والآشوريين والأرمن والتركمان والعرب.
بل إن بناء دولة تحترم التنوع هو مصلحة مشتركة.
لذلك يمكن للمجلس أن يعمل على بناء تحالفات مع:
· القوى الديمقراطية السورية.
· ممثلي المكونات القومية والدينية.
· القوى المدنية.
· الشخصيات القانونية والدستورية.
· منظمات المجتمع المدن
ي.
· النخب الأكاديمية والثقافية.
وبذلك تتحول القضية الكوردية من ملف “مطالب فئوية” إلى جزء من مشروع إصلاح الدولة السورية نفسها.
سابعاً: العلاقة مع إقليم كوردستان.. دعم بلا وصاية
يمثل إقليم كوردستان عاملاً مهماً في دعم الكورد السوريين سياسياً ودبلوماسياً، بحكم موقعه وخبرته وعلاقاته الإقليمية والدولية.
لكن العلاقة الأكثر فاعلية يجب أن تقوم على معادلة واضحة:
· دعم لا وصاية.
· تنسيق لا تبعية.
· خبرة لا إملاء.
فالقرار السياسي المتعلق بمستقبل الكورد في سوريا ينبغي أن يصنعه الكورد السوريون أنفسهم، بينما يستطيع إقليم كوردستان أن يوفر لهم العمق السياسي والدبلوماسي والخبرة والعلاقات الدولية.
وهذه المعادلة
تمنح المجلس شرعية أكبر أمام دمشق والمجتمع الدولي والشارع الكوردي في آن واحد.
ثامناً: البعد الدولي.. كيف تتعامل مع القوى الكبرى؟
لا يمكن فصل القضية الكوردية في سوريا عن البيئة الدولية التي تحيط بها.
الموقف الأميركي:
واشنطن التي تحالفت مع قسد في الحرب على داعش، تبحث اليوم عن صيغة جديدة للتعامل مع سوريا. وهي ترى في المجلس الوطني الكردي بديلاً سياسياً يمكن التعامل معه، خاصة مع تراجع دور قسد. لكن أميركا لن تقدم دعماً غير مشروط، بل ستراقب مدى قدرة المجلس على تمثيل الكورد بفعالية.
الموقف الروسي:
موسكو التي تسعى للحفاظ على نفوذها في سوريا، تنظر إلى أي دور كوردي مستقل بحذر. لكنها قد تدعم المجلس إذا رأت أن ذلك يخدم استقرار سوريا ولا يهدد مصالحها مع دمشق.
الموقف الأوروبي:
أوروبا التي تتابع الملف السوري عن كثب، قد تكون أكثر استعداداً لدعم مشروع كوردي سياسي معتدل، يركز على الحقوق الدستورية والديمقراطية، بعيداً عن العنف والصدام.
التوصية للمجلس:
· فتح قنوات دبلوماسية مع هذه القوى، وشرح رؤيته السياسية.
· عدم الرهان على طرف واحد، بل بناء شبكة علاقات متوازنة.
· تقديم القضية الكوردية كجزء من مشروع بناء سوريا الديمقراطية، لا كملف منفصل.
لأساسية.
إذا استطاع المجلس أن ينتقل من خطاب “نحن ضدهم” إلى خطاب “ما ال· الاستفادة من الجاليات الكوردية في الغرب كأداة ضغط دبلوماسية وإعلامية.
تاسعاً: أكبر قوة للمجلس ليست في خصومه.. بل في قدرته على الحوار
من الخطأ أن يتحول حضور المجلس الوطني الكوردي إلى مشروع لمواجهة حزب الاتحاد الديمقراطي أو قوات سوريا الديمقراطية فقط.
الشارع الكوردي لا يحتاج إلى حزب كوردي ينتصر على حزب كوردي آخر.
إنه يحتاج إلى سياسة تنتصر للقضية الكوردية.
ولهذا ينبغي للمجلس أن يفتح الأبواب أمام الحوار مع جميع القوى الكوردية، حتى المختلفين معه سياسياً.
فالاختلاف لا يعني العداء، والتعددية لا تعني الانقسام.
الهدف: اختلاف في الوسائل، واتفاق على الحقوق
اذي يمكن أن نتفق عليه جميعاً؟”، فإنه سيكتسب وزناً سياسياً أكبر بكثير.
عاشراً: المطلوب مشروع دستوري لا قائمة أمنيات
من أهم الخطوات العملية التي يمكن أن يقدم عليها المجلس فوراً:
تشكيل هيئة قانونية ودستورية كوردية مستقلة تضم خبراء في القانون الدستوري والسياسة والإدارة والاقتصاد.
مهمتها إعداد مشروع متكامل يتضمن:
· شكل الدولة ونظام الحكم.
· نظام اللامركزية وتوزيع الصلاحيات.
· الحقوق اللغوية والثقافية.
· التمثيل السياسي.
· توزيع الموارد.
· ضمانات منع التغيير الديموغرافي.
· استقلال القضاء.
· آليات حماية الحقوق الدستورية.
ثم يُطرح المشروع للنقاش العام داخل المجتمع الكوردي، ولا يبقى وثيقة مغلقة داخل المكاتب الحزبية.
فالقضية التي لا تملك وثيقة قانونية واضحة ستظل أسيرة الخطابات السياسية.
الحادي عشر: دروس من تجارب مشابهة
تجربة الكورد في العراق:
نجح الكورد في العراق في تحقيق حكم ذاتي موسع بعد سنوات من النضال، لكن الدرس الأهم هو أن الاعتراف الدستوري كان الضمانة الوحيدة لاستمرار هذا الحكم. عندما تُركت التفاصيل للتفاهمات السياسية، أصبحت عرضة للخلافات المتجددة.
تجربة اللامركزية في دول أخرى:
في دول مثل ألمانيا وكندا وسويسرا، أثبتت اللامركزية أنها نموذج ناجح للحفاظ على وحدة الدولة مع احترام التنوع الثقافي واللغوي. ففي كندا، تمتلك مقاطعة كيبيك صلاحيات واسعة في التعليم والثقافة والهجرة، ومع ذلك تبقى جزءاً من دولة موحدة.
الدرس المستفاد:
المطالبة باللامركزية ليست بدعة، بل هي نموذج سياسي ناجح أثبت فعاليته في دول متعددة. المطلوب هو تقديم هذا النموذج كخيار عملي، لا كتهديد للوحدة الوطنية.
الثاني عشر: البرلمان منصة.. وليس نهاية الطريق
ينبغي ألا يُنظر إلى مجلس الشعب باعتباره نهاية الطريق.
على ما تحقق وما لم يتحقق.
مبدأ مهم:
· لا وبل يمكن تحويله إلى إحدى منصات العمل السياسي.
على النواب الكورد العمل على ثلاثة مستويات في آن واحد:
1. داخل البرلمان: طرح القضايا الكوردية والسورية في إطار قانوني ووطني.
2. مع القوى السياسية: بناء تحالفات عابرة للمكونات والأحزاب.
3. مع الشارع: إطلاع الناس بصورة منتظمة
عود بلا جدول زمني.
· ولا اتفاق بلا وثيقة.
· ولا وثيقة بلا آلية تنفيذ.
الثالث عشر: ما الذي ينبغي فعله الآن؟ — خارطة طريق عملية
إذا أراد المجلس الوطني الكوردي تحويل حضوره السياسي إلى مشروع تاريخي، فعليه العمل على سبع خطوات متوازية:
1. تشكيل هيئة دستورية كوردية تضم قانونيين وخبراء لصياغة مشروع حقوقي متكامل.
2. إطلاق حوار كوردي داخلي ليس بهدف توحيد الأحزاب، وإنما توحيد الحد الأدنى من الحقوق.
السياسيين بحيث يعرف الشارع الكوردي ماذا تحقق، وماذا تعثر، ولماذا.
الخاتمة: لا3. إعادة بناء إطار تفاوضي كوردي مشترك بصيغة جديدة تتجاوز أخطاء التجارب السابقة.
4. فتح حوار سوري واسع حول اللامركزية حتى لا يبقى المشروع محصوراً في الخطاب الكوردي.
5. بناء شبكة علاقات دولية تشرح القضية الكوردية كجزء من مشروع بناء سوريا الديمقراطية.
6. ربط الحقوق السياسية بالتنمية فلا معنى للامركزية إذا بقيت المناطق محرومة من الاستثمار والخدمات وفرص العمل.
7. إنشاء آلية شفافة لمحاسبة الممثلين
نريد كرسياً للكوردي.. بل مكاناً للكورد في الدولة
يقف المجلس الوطني الكوردي أمام لحظة سياسية لا تشبه ما سبقها.
المرحلة الجديدة لا تحتاج إلى من يكرر شعارات الماضي، ولا إلى من يدخل المؤسسات حاملاً معه فقط مظلومية الماضي.
إنها تحتاج إلى مشروع سياسي قادر على تحويل الذاكرة إلى قانون، والتضحيات إلى حقوق، والوجود إلى شراكة.
المجلس ليس مطالباً بأن يكون بديلاً عن أي قوة كوردية أخرى، كما أنه ليس مطالباً بأن يدخل في معركة لإثبات من يمثل الكورد أكثر.
المطلوب منه أن يثبت شيئاً أكبر:
لهذا، فإن المعركة الحقيقية تبدأ من البرلمان، لكنها لا تنتهي تحته. أن السياسة الكوردية قادرة على الانتقال من رد الفعل إلى صناعة القرار.
الاندماج ليس ذوباناً،
والشراكة ليست استسلاماً،
واللامركزية ليست تقسيمًا،
والاعتراف بالحقوق ليس امتيازاً.
الكورد لا يحتاجون إلى مقعد في البرلمان بقدر ما يحتاجون إلى مكان ثابت في دستور الدولة ومؤسساتها وذاكرتها السياسية.
قد يتغير النائب، وقد تتغير الحكومة، وقد تتبدل التحالفات.
لكن إذا كُتبت الحقوق في دستور عادل، وأصبحت محمية بالقانون والمؤسسات، فلن يكون من السهل على أي سلطة أن تعيد عقارب الساعة إلى الوراء
.
ومن هنا يمكن أن تكون الرسالة الأوضح للمرحلة المقبلة:
لا نريد كرسياً للكوردي في سوريا الجديدة؛
نريد دولةً يكون الكوردي فيها شريكاً كاملاً.
لا نريد اندماجاً يمحو هويتنا؛
نريد اندماجاً يحفظها.
لا نريد امتيازاً مؤقتاً؛
نريد حقاً دستورياً دائماً.
ولا نريد وطناً خارج سوريا؛
نريد سوريا التي تتسع لجميع أبنائها.
فالمقعد فرصة… أما الدستور فهو المعركة.