حين يُختصر الإيمان في اطعام الجائع

الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي

تُنسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره كلمات موجزة شديدة الكثافة في معناها، تجعل إطعام الجائع في قلب العبادة، وتعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والسماء على أساس الرحمة والعمل. وبصرف النظر عن اختلاف الصيغ المتداولة لهذه الخطبة ونسبتها التاريخية، فإن معناها الأخلاقي يفتح باباً واسعاً للتأمل: ما قيمة التدين إذا لم يتحول إلى خبز في يد جائع، وأمان في قلب خائف، وكرامة لإنسان أنهكه العوز؟ إن الفكرة التي تحملها هذه الكلمات لا تنتقص من شأن الشعائر، بل تضعها في أفقها الأسمى؛ فالصلاة والصيام والحج والذكر ليست حركات منفصلة عن الحياة، وإنما وسائل لتكوين إنسان أرحم وأعدل وأقدر على رؤية آلام الآخرين. وحين يبلغ الجوع بالإنسان حدّاً يهدد حياته وكرامته، يصبح إغاثته امتحاناً مباشراً لصدق الضمير، لأن الجائع لا يحتاج إلى خطاب طويل بقدر حاجته إلى يد تمتد إليه في الوقت المناسب.

إن العظمة في هذا المعنى تنبع من الانتقال من التدين الذي يكتفي بصورة الفعل إلى التدين الذي يبحث عن أثره. فالعبادة في جوهرها بناء للإنسان من الداخل، وإذا لم يظهر أثر هذا البناء في علاقته بالناس بقيت التجربة الروحية ناقصة في بعدها الاجتماعي. الجوع ليس رقماً في تقارير الفقر، بل تجربة وجودية قاسية تهز شعور الإنسان بالأمان والانتماء والكرامة. والجائع حين يطرق باب المجتمع لا يختبر سخاء فرد واحد فحسب، وإنما يختبر أخلاق الجماعة كلها: هل ترى الإنسان قبل انتمائه؟ وهل تدرك حاجته قبل أن تسأله عن اسمه أو مذهبه أو قوميته أو موقعه؟ هنا تتحول لقمة الطعام إلى موقف أخلاقي كامل، لأنها تعلن أن الحياة الإنسانية تستحق الحماية لمجرد أنها حياة، وأن الكرامة ليست امتيازاً تمنحه السلطة أو الثروة، بل حق أصيل.

ومن هذا المنظور يمكن فهم الصورة الرمزية التي تقارن بين بناء المعابد وإشباع الجائع. ليست المقارنة صراعاً بين المقدس والإنساني، لأن خدمة الإنسان في التصور الروحي الأصيل طريق إلى تعظيم المقدس نفسه. البناء المادي مهما بلغ جماله يظل صامتاً إذا عاش حوله بشر محرومون من الضرورات. أما إطعام المحتاج فيحوّل الإيمان إلى حياة محسوسة. إن الحجر قد يشهد على قدرة الإنسان في العمارة، لكن الرحمة تشهد على قدرته في الارتقاء الأخلاقي. لذلك فإن المجتمع الذي يكثر من مظاهر التدين ويترك الفقراء على هامشه يحتاج إلى مراجعة عميقة لمفهوم العبادة، لا إلى زيادة المظاهر وحدها. فالميزان الحقيقي ليس كثرة ما نرفعه من شعارات، بل مقدار ما نخفضه من ألم البشر.

وتحمل الفكرة بعداً صوفياً واضحاً، لأن التصوف في أفضل تجلياته ليس انسحاباً من العالم، بل تحريراً للقلب من الأنانية كي يصبح أكثر حضوراً مع الناس. فالزهد لا يعني احتقار الدنيا بقدر ما يعني ألا تتحول الدنيا إلى سيد للإنسان، وألا يحتكر المرء ما يمكن أن ينقذ به غيره. حين يتحرر القلب من عبودية المال يصبح العطاء ممكناً، وحين يتحرر من التعالي يصبح الفقير أخاً لا موضوعاً للشفقة. وفي هذه النقطة بالذات تتجاوز الصدقة معناها المادي الضيق؛ فالمعطي لا يقف في مرتبة أعلى من الآخذ، بل يدخل معه في علاقة إنسانية متبادلة: المحتاج يأخذ ما يسد حاجته، والمعطي يتعلم أن إنسانيته لا تكتمل إلا بمشاركة الآخرين.

إن عبارة إطعام الجائع تبدو بسيطة، لكنها تحمل مشروعاً اجتماعياً كاملاً. فهي تبدأ بالفعل الفردي ولا تنتهي عنده. قد يطعم الإنسان محتاجاً اليوم، وهذا عمل نبيل، لكن السؤال الأكبر هو: لماذا يوجد الجوع أصلاً؟ ومن هنا ينتقل الضمير من الإحسان إلى العدالة. الإحسان يعالج الألم المباشر، أما العدالة فتبحث في أسبابه: البطالة، وسوء توزيع الموارد، والفساد، والحروب، والنزوح، وضعف شبكات الحماية الاجتماعية، وغياب تكافؤ الفرص. المجتمع الرحيم لا يكتفي بتقديم الوجبات، بل يبني نظاماً يقلل الحاجة إليها عبر العمل والتعليم والصحة والسكن الكريم. وهكذا يصبح معنى اللقمة أوسع من الطعام، إذ تتحول إلى رمز لحق الإنسان في شروط حياة تحفظ استقلاله وكرامته.

وفي العراق، حيث تركت الحروب والأزمات الاقتصادية والنزوح والتحولات الاجتماعية آثاراً عميقة في شرائح واسعة من الناس، تكتسب هذه الرسالة حساسية خاصة. فالتكافل لم يكن غريباً عن المجتمع العراقي؛ لقد عرف الناس موائد الجيران، وإغاثة العابر، وإكرام الضيف، والنذور، ومساعدة الأسر المتعففة، وتعاون المحلات والعشائر والمجالس الدينية في أوقات الشدة. غير أن التحولات الحديثة تفرض الانتقال من التكافل العفوي وحده إلى تكافل منظم ومستدام. لا يكفي أن تتحرك الرحمة في المواسم ثم تنطفئ، بل ينبغي أن تتحول إلى مؤسسات وآليات تحفظ كرامة المحتاج وتصل إليه من دون إذلال أو استعراض.

وهنا تظهر قيمة السرية في العطاء. فالجوع مؤلم، لكن كشف حاجة الإنسان أمام الناس قد يكون ألماً آخر. إن مساعدة المحتاج لا تكتمل أخلاقياً إذا تحولت صورته إلى مادة للدعاية أو وسيلة لتمجيد المتبرع. الكرامة جزء من الطعام، وربما كانت أهم منه في بعض اللحظات. لذلك فإن أعلى أشكال الإحسان هو ما يحفظ وجه الإنسان من الانكسار، ويمنحه حاجته من غير منّة، ويترك له حقه في الخصوصية. وفي عصر المنصات الرقمية، تصبح هذه المسألة أكثر إلحاحاً؛ إذ يسهل تصوير الفقراء ونشر لحظات ضعفهم، بينما تقتضي الروح الأخلاقية أن يكون الإنسان غاية لا وسيلة، وأن تكون حاجته سبباً لخدمته لا لاستثمار صورته.

إن الجوع كذلك يكشف معنى المسؤولية المشتركة. فلا يجوز اختزاله في مسؤولية الفقير نفسه، كما لو كان العوز دائماً نتيجة تقصير شخصي. هناك ظروف تتجاوز قدرة الفرد: مرض المعيل، فقدان العمل، الكوارث، النزاعات، ارتفاع الأسعار، انهيار مصادر الدخل أو فقدان السكن. ومن ثم فإن التضامن ليس تفضلاً من القادر على العاجز، بل اعتراف بأن المجتمع شبكة مصائر مترابطة. اليوم يكون الإنسان معطياً وغداً قد يصبح محتاجاً، وما يحمي الجميع هو وجود ثقافة ومؤسسات لا تسمح بسقوط الفرد خارج دائرة الرعاية. بهذا المعنى يصبح التكافل شكلاً من أشكال الأمن المجتمعي، لأن الجوع حين يتسع لا يبقى مشكلة أسرية، بل يتحول إلى عامل اضطراب وفقدان ثقة وتهميش.

ومن الزاوية الفلسفية، تضعنا هذه الفكرة أمام سؤال الأولويات الأخلاقية. فليست كل الأفعال المتاحة متساوية عندما تكون حياة الإنسان مهددة. الأخلاق الحية تقتضي القدرة على التمييز بين المهم والأكثر إلحاحاً. قد يكون إنفاق المال على الزينة أمراً مباحاً، لكن وجود إنسان قريب لا يجد قوت يومه يمنح المال معنى آخر ومسؤولية أخرى. هنا لا تأتي القيمة من حجم ما ينفق فحسب، بل من حساسية الضمير تجاه اللحظة. لقمة في وقت الجوع قد تكون أعظم أثراً من مال كثير يأتي بعد فوات الحاجة. ولهذا يرتبط الإحسان بالبصيرة: أن تعرف أين يوجد الألم، ومتى تتدخل، وكيف تقدم المساعدة بطريقة نافعة ومحترمة.

كما أن هذه الرؤية تعيد تعريف القوة. فالقوي ليس فقط من يملك السلطة أو المال أو القدرة على الانتصار في الصراع، بل من يستطيع تحويل قدرته إلى حماية للضعيف. القوة التي لا تنتج رحمة قد تتحول إلى استعلاء، والثروة التي لا تعرف حق المجتمع فيها قد تصبح جداراً يفصل الإنسان عن واقعه. أما حين يستخدم القادر إمكاناته لإحياء الأمل، فإن القوة تكتسب شرعية أخلاقية. ومن هنا يمكن قراءة إطعام الجائع بوصفه ممارسة صغيرة لفلسفة كبرى: كل امتياز يملكه الإنسان يحمل معه مسؤولية تتناسب معه. من يملك المعرفة عليه مسؤولية التعليم، ومن يملك النفوذ عليه مسؤولية الإنصاف، ومن يملك المال عليه مسؤولية ألا يمر بجوار الحاجة وكأنها لا تعنيه.

ولا ينفصل هذا المعنى عن مفهوم الأخوة الإنسانية. فالجوع يزيل الحواجز المصطنعة؛ المعدة الخاوية لا مذهب لها، والطفل المحتاج لا ينبغي أن يدفع ثمن انقسام الكبار. حين يصبح الطعام مشروطاً بالهوية يفقد العطاء جزءاً من نقائه ويتحول إلى أداة فرز أو استقطاب. أما الرحمة التي تتجه إلى الإنسان لأنه إنسان فهي التي تبني السلم الحقيقي. المجتمعات المتنوعة تحتاج إلى مساحات أخلاقية مشتركة، ولعل إغاثة المحتاج من أوسع هذه المساحات. يمكن للناس أن يختلفوا في السياسة والفكر والتقاليد، لكنهم يستطيعون أن يتفقوا على ألا ينام طفل جائعاً، وألا تُترك أسرة بلا دواء، وألا يُهان كبير سن بسبب الحاجة.

وتكتسب هذه الفكرة بعداً تربوياً مهماً. فالأجيال لا تتعلم الرحمة بالمواعظ وحدها، وإنما بالممارسة التي تراها في البيت والمدرسة والمجتمع. حين يشاهد الطفل والديه يخصصان جزءاً من طعامهما أو دخلهما لمحتاج، يتعلم أن الملكية ليست عزلة وأن الآخر حاضر في حساباته. وحين تنظم المدرسة مبادرات تكافلية تحفظ كرامة المستفيد، يتعلم الطالب المواطنة بوصفها مسؤولية لا مجرد انتماء قانوني. ويمكن للجامعات والمؤسسات الثقافية أن توسع هذا المعنى عبر برامج الخدمة المجتمعية، ودراسة الفقر علمياً، وربط المعرفة بحاجات المجتمع. فالتعليم الذي لا يرى الإنسان المهدد بالجوع يفقد جزءاً من رسالته الحضارية.

ومن الناحية الدينية، فإن العناية بالجائع ليست فكرة هامشية، بل تتصل بجوهر منظومة واسعة من القيم التي تجعل الإطعام والإنفاق وكفالة الضعيف من علامات صلاح الفرد والمجتمع. غير أن الخطر يبدأ عندما تتحول النصوص إلى محفوظات لا تنعكس على السلوك. المعرفة الدينية الحقيقية لا تقاس بما يستطيع الإنسان ترديده فقط، وإنما بما تصنعه المعرفة في ضميره. فإذا خرج الإنسان من العبادة أكثر قسوة أو لامبالاة تجاه آلام الناس، فعليه أن يسأل نفسه عن المسافة بين الشكل والمقصد. إن العبادة التي تفتح القلب هي العبادة التي تجعل صاحبها يرى في حاجة الآخر نداءً أخلاقياً لا إزعاجاً عابراً.

وتدعونا صورة الجائع أيضاً إلى التفكير في معنى الكفاية. الثقافة الاستهلاكية الحديثة تدفع الإنسان باستمرار إلى الرغبة في المزيد، حتى يصبح الشعور بالنقص دائماً مهما امتلك. وفي الجهة الأخرى يوجد من ينقصه الحد الأدنى. هذه المفارقة ليست اقتصادية فقط، بل روحية كذلك. الإنسان الذي لا يعرف معنى الكفاية قد يجمع كثيراً ويبقى فقيراً في داخله، بينما يفتح العطاء باباً للتحرر من الخوف المرضي من النقص. ليس المطلوب رفض النعمة أو النجاح، بل إدراك أن الوفرة تكتسب جمالها حين تصبح قابلة للمشاركة. فالخبز المخزون أكثر من الحاجة قد يفقد قيمته، أما الخبز الذي يصل إلى جائع فيستعيد معناه الإنساني الكامل.

وفي هذا السياق يمكن فهم العلاقة بين الرحمة والعدالة. الرحمة تستجيب للوجه الذي أمامنا الآن، والعدالة تسأل عن النظام الذي أنتج معاناته. وإذا انفصلت الرحمة عن العدالة تحولت إلى معالجة متكررة للنتائج، وإذا انفصلت العدالة عن الرحمة تحولت إلى مفاهيم باردة قد تنسى الإنسان الفرد. لذلك يحتاج المجتمع إلى الاثنين معاً: قلب يشعر وعقل ينظم. نحتاج إلى مبادرات عاجلة تمنع الجوع اليوم، وسياسات رشيدة تمنع إنتاجه غداً. نحتاج إلى صناديق اجتماعية شفافة، وإلى فرص عمل، ودعم للفئات الهشة، ومكافحة للهدر والفساد، وتحسين للوصول إلى التعليم والصحة، لأن كرامة الإنسان منظومة مترابطة.

والأهم أن مساعدة الجائع لا ينبغي أن تُبقيه أسيراً لدور المحتاج. الغاية العليا هي تمكينه من الاستغناء عن المساعدة متى كان ذلك ممكناً. فقد تكون أفضل لقمة هي فرصة عمل، وأفضل صدقة في بعض الحالات تدريباً يفتح باب الرزق، وأفضل مساعدة لطالب فقير منحة تحفظ استمراره في الدراسة، وأفضل دعم لأسرة مشروعاً صغيراً مستقراً. بهذا تتحول الرحمة من فعل لحظي إلى صناعة للقدرة. ومن الخطأ أن نفهم الإحسان بوصفه علاقة دائمة بين قوي وضعيف؛ الإحسان الناضج يسعى إلى إزالة الضعف القابل للإزالة، ويعيد إلى الإنسان أدوات الاعتماد على نفسه.

كما تحمل الكلمات المنسوبة إلى الجيلاني نقداً ضمنياً للرياء الاجتماعي. فالمجتمع قد يحتفي بالمشروعات الكبيرة المرئية لأنها تمنح أصحابها حضوراً ورمزاً، بينما تمر الأعمال الصغيرة الصامتة من دون ضجيج. لكن ميزان القيمة الأخلاقية مختلف عن ميزان الشهرة. ربما يغير إنسان مجهول حياة أسرة كاملة من دون أن يعرف به أحد، وربما ينفق آخر أموالاً كثيرة طلباً للصورة والاسم. الفارق هنا هو النية والأثر. العمل الإنساني الأصيل لا يحتاج إلى جمهور كي يكون عظيماً، لأن قيمته تتحدد بما رفعه من معاناة وما حفظه من كرامة. ومن هنا تأتي قوة اللقمة: صغيرة في حجمها، هائلة في دلالتها عندما تصل إلى موضع الحاجة.

إن تحويل هذه الرؤية إلى ثقافة عامة يتطلب خطاباً دينياً واجتماعياً يربط الروحانية بالمسؤولية. المنبر الذي يتحدث عن الرحمة ينبغي أن يقود إلى برامج رحمة، والمؤسسة التي تحتفي بالقيم ينبغي أن تقيس أثرها في حياة الناس. ويمكن للمساجد والتكايا والحسينيات والكنائس والمؤسسات المدنية والجامعات والعشائر ورجال الأعمال أن تتكامل في شبكات محلية ترصد الأسر الأشد حاجة وتساعدها بآليات شفافة تحفظ الخصوصية. إن تعدد مؤسسات المجتمع يمكن أن يتحول من تشتت إلى قوة إذا اجتمعت حول هدف بسيط وعظيم: ألا يُترك إنسان وحيداً أمام الجوع.

وتتجاوز القضية حدود الطعام إلى ما يمكن تسميته بالجوع المعنوي: جوع إلى الأمان، وإلى الاعتراف، وإلى الحنان، وإلى العدالة، وإلى فرصة جديدة. الإنسان قد يشبع جسده ويبقى محروماً من الشعور بالقيمة. لذلك فإن فلسفة الإطعام يمكن توسيعها من دون إفراغها من معناها المباشر؛ فالطعام أولاً حين يكون الجسد جائعاً، ثم تأتي بقية حاجات الإنسان. لا يصح أن نقدم خطاباً معنوياً لمن يحتاج خبزاً ونقول إن الكلمات تكفي، كما لا يصح أن نظن أن الخبز وحده يحل كل مشكلات الكرامة. الإنسان وحدة متكاملة، وخدمته الحقيقية ترى جسده وروحه ومستقبله معاً.

وفي زمن الأزمات الكبرى تتأكد هذه الحقيقة. فالحروب والكوارث والنزوح تجعل الطعام والماء والدواء خطوط الدفاع الأولى عن الحياة. وعندها تتراجع الفوارق النظرية أمام الضرورة الإنسانية. المجتمعات التي تمتلك رصيداً من الثقة والتكافل تكون أكثر قدرة على الصمود، لأن أفرادها لا يشعرون بأنهم متروكون لمصيرهم. ولذلك فإن بناء ثقافة الإطعام والإغاثة ليس عملاً خيرياً فقط، بل استثمار في مناعة المجتمع. كل أسرة تُحمى من الانهيار، وكل طفل يُمنع عنه سوء التغذية، وكل كبير سن تُصان حاجته، يمثل لبنة في استقرار اجتماعي أوسع.

لكن هذا كله يحتاج إلى وعي يمنع استغلال الحاجة. لا ينبغي أن يصبح الطعام ثمناً للصوت السياسي، ولا وسيلة لشراء الولاء، ولا أداة للضغط الديني أو الاجتماعي. الحاجة الإنسانية مقدسة بمعنى أنها لا يجوز أن تتحول إلى باب للابتزاز. وحين يُعطى المحتاج لأنه مواطن وإنسان صاحب حق، تتغير طبيعة العلاقة جذرياً: من تبعية إلى شراكة، ومن منّة إلى مسؤولية. وهذا التحول هو الذي يصنع مجتمعاً حديثاً متصالحاً مع قيمه الروحية؛ مجتمعاً لا يفصل بين الإيمان وحقوق الإنسان، بل يرى حماية الكرامة تجسيداً عملياً لأعلى المعاني.

وإذا أردنا تلخيص الرسالة التي تثيرها هذه الكلمات في الوجدان، فهي أن الطريق إلى الله لا يمكن أن يكون طريقاً يمر فوق آلام البشر من دون أن يراها. فكل تجربة روحية حقيقية توسع دائرة الإحساس بالآخر، وتجعل الإنسان أقل أنانية وأكثر استعداداً للعطاء. وليس المطلوب أن يملك المرء ثروة كي يشارك؛ فقد يكون العطاء بطعام، أو وقت، أو معرفة، أو وساطة خير، أو حفظ كرامة، أو دلالة على فرصة عمل. المهم أن ينتقل الإنسان من موقع المتفرج إلى موقع المسؤول بقدر استطاعته.

وهنا تظهر الحكمة العميقة في جعل الجائع مركزاً للامتحان الأخلاقي. فالإنسان أمام المحتاج لا يستطيع الاختباء طويلاً وراء الأفكار المجردة. أمامه حاجة واضحة وسؤال واضح: ماذا ستفعل؟ ومن هذه اللحظة البسيطة تتشكل شخصية الفرد والمجتمع. قد لا يستطيع شخص واحد القضاء على الفقر، لكنه يستطيع ألا يكون لامبالياً. وقد لا تستطيع مؤسسة واحدة معالجة كل أسباب الجوع، لكنها تستطيع بناء نموذج يحترم الإنسان. والتغيير الكبير يبدأ غالباً من تراكم هذه الأفعال الصغيرة حين تتحول إلى عادة وثقافة ومؤسسة.

إن الإطعام بهذا المعنى ليس نهاية الرحمة بل بدايتها. فمن يقترب من الجائع يسمع قصته، ومن يسمع قصته يفهم أن وراء الحاجة تاريخاً من الظروف والآلام والآمال. وهنا يتحول العطاء إلى معرفة، والمعرفة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى إصلاح. ولذلك فإن لقمة الخبز قد تفتح باباً إلى رؤية المجتمع كله: كيف يوزع موارده؟ كيف يعامل ضعفاءه؟ ما مكانة الإنسان في قراراته؟ وهل التنمية أرقام مجردة أم قدرة حقيقية على ضمان حياة كريمة؟ إن معيار التقدم ليس ارتفاع الأبنية وحده، بل انخفاض عدد الذين ينامون وهم لا يعرفون من أين يأتي طعام الغد.

وتتجلى أهمية هذه الرؤية أيضاً في إعادة بناء مفهوم الوقف والعمل الخيري بما يلائم حاجات العصر. فالوقف في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد بناء ثابت، بل كان أداة اجتماعية لتمويل التعليم والعلاج وإغاثة المسافر والفقراء وأصحاب الحاجات. ويمكن استعادة هذه الروح اليوم من خلال صناديق مستدامة ومشروعات إنتاجية يعود ريعها على الأسر الهشة، بدلاً من اقتصار المساعدة على الاستجابة الموسمية. إن الرحمة حين تُدار بعقل مؤسسي تصبح أكثر قدرة على الاستمرار والوصول العادل، وتتحول من اندفاع فردي محمود إلى بنية اجتماعية تحمي الإنسان في أوقات الضعف. وهذا لا يلغي المبادرة الشخصية، بل يمنحها امتداداً ويمنع ضياع الجهد وتكراره في مكان وغيابه عن مكان آخر.

كما أن مكافحة الجوع ترتبط بثقافة عدم الهدر. ففي مجتمعات كثيرة تجتمع وفرة الطعام المهدور مع وجود أسر لا تجد الكفاية، وهذه مفارقة أخلاقية قبل أن تكون مشكلة في الإدارة. إن احترام النعمة يعني أن نتعامل مع الطعام بوصفه مورداً للحياة لا مادة قابلة للرمي بلا حساب. ويمكن للمطاعم والفنادق والمناسبات والمؤسسات أن تطور آليات آمنة ومنظمة للاستفادة من الفائض الصالح، بالتعاون مع جهات موثوقة، وأن تُربّى الأسر على شراء حاجتها بوعي. فكل تقليل للهدر يحرر مورداً يمكن أن يجد طريقه إلى موضع أنفع، ويعيد إلى الاستهلاك توازنه بين حق الفرد ومسؤوليته تجاه المجتمع والبيئة.

ولعل أعمق ما في صورة إطعام الجائع أنها تضع الإنسان أمام مرآة نفسه. فحين نرى الحاجة قد نسارع إلى تفسيرها أو الحكم على صاحبها، لكن الرحمة تطلب منا قبل الحكم أن نفهم. ليس كل محتاج قادراً على سرد مأساته، وليس كل فقير قادراً على طلب العون. هناك متعففون يخفيهم الصمت، ويحتاج الوصول إليهم إلى حس اجتماعي رفيع يحترمهم ولا يقتحم خصوصيتهم. لذلك فإن المجتمع الأخلاقي لا ينتظر دائماً أن يمد المحتاج يده؛ بل يبني قنوات تحفظ له حقه من غير سؤال مذل. وعندما يصبح البحث عن المتعففين جزءاً من مسؤولية الجيران والمؤسسات، يتحول التضامن من رد فعل إلى يقظة دائمة.

إن رسالة اللقمة تتسع، في النهاية، لتصبح فلسفة في الحكم والإدارة أيضاً. فالدولة التي تضع الإنسان في مركز سياساتها لا تنظر إلى الأمن باعتباره حماية الحدود والمؤسسات فقط، بل تشمل به الأمن الغذائي والاجتماعي والصحي. المواطن الذي يخشى على قوت أطفاله يعيش شكلاً من انعدام الأمن حتى لو كان بعيداً عن العنف. ومن هنا فإن حماية القدرة الشرائية، ودعم الإنتاج الزراعي، وتوفير شبكات أمان فعالة، ومراقبة الأسواق، وضمان وصول الدعم إلى مستحقيه، ليست ملفات اقتصادية منفصلة عن الأخلاق، بل ترجمة عامة للمبدأ نفسه الذي يبدأ بلقمة يقدمها فرد لجائع. الفرق أن الدولة تملك أدوات أوسع، ولذلك تكون مسؤوليتها أوسع.

وفي الخاتمة، فإن المعنى الذي تضيئه الخطبة المتداولة المنسوبة إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني قدس سره يظل صالحاً لاستنهاض الضمير في كل عصر: لا تجعلوا المقدس بعيداً عن الإنسان، ولا تجعلوا العبادة ستاراً يحجب رؤية المحتاج، ولا تسمحوا للوفرة أن تعيش بجوار الجوع بلا سؤال. إن لقمة تُعطى في وقتها قد تحفظ حياة، وقد تعيد ثقة إنسان بالمجتمع، وقد تكون عند صاحبها لحظة تحول من التدين اللفظي إلى التدين الحي. وحين يصبح إطعام الجائع ثقافةً، والستر على المحتاج أدباً، وتمكين الفقير سياسةً، والعدالة غايةً، تتحول الرحمة من عاطفة عابرة إلى مشروع حضاري. عندئذ نفهم أن أعظم الأبنية هي تلك التي نقيمها داخل الإنسان: بناء الأمل، وصيانة الكرامة، وترميم الثقة، وإشعار كل فرد بأنه ليس منسياً. وتلك رسالة لا تحتاج إلى طول خطبة بقدر ما تحتاج إلى صدق فعل.

اللهم صلِّ على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة

قد يعجبك ايضا