أ.د. طارق منصور
الحديث عن تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني وحضور الكورد في مصر أقدم بكثير من تأسيس الحزب نفسه، الذي تأسس في العراق في 16 أغسطس 1946 بقيادة الملا مصطفى بارزاني، وكان اسمه عند التأسيس “الحزب الديمقراطي الكوردي”، ثم أصبح اسمه “الحزب الديمقراطي الكوردستاني” عام 1953. ومنذ ذلك التاريخ خاض الحزب، إلى جانب قوى كوردية أخرى، مراحل طويلة من الكفاح الوطني من أجل الحقوق القومية للكورد.
أما قصة الكورد في القاهرة فتعود إلى القرن التاسع عشر الميلادي. فقد لجأت أسرة بدرخان الكوردية إلى مصر بعد صراعاتها مع تركيا، ووجدت القاهرة بيئة مناسبة للعمل الثقافي والصحفي. ففي 22 أبريل 1898 أصدر مقداد مدحت بدرخان العدد الأول من صحيفة “كردستان”، التي تعد أول صحيفة كوردية في التاريخ؛ حيث صدرت الصحيفة في القاهرة، وطُبعت أعدادها الأولى في مطابع دار الهلال باللغة الكوردية، ثم ظهرت فيها بعد ذلك مواد صحفية باللغة التركية-العثمانية.
ولم تكن “كردستان” صحيفة محلية كردية-مصرية، بل يمكن اعتبارها صحيفة منفى ذات صلة مباشرة بالمجتمع الكوردي خارج مصر وداخلها. فقد انتقلت لاحقاً بين جنيف ولندن وفولكستون، وبلغ مجموع أعدادها 31 عدداً قبل توقفها عام 1902. وتكمن أهميتها في أنها جعلت من الصحافة وسيلة للتعبير عن القضية الكوردية، واستطاعت أن تحافظ على الصلة بقرائها من الكورد في بلاد عديدة.
ومن هنا بدأ حضور الكورد في مصر يأخذ أبعاداً تتجاوز إصدار صحيفة واحدة؛ فقد ارتبطت القاهرة، خلال العقود التالية، بشخصيات كوردية من المثقفين والصحفيين والطلاب. وتشير المصادر التاريخية إلى نشاط الطلاب الكورد في القاهرة والأزهر، وإلى تأسيس جمعية الاستقلال الكردي عام 1920 بمشاركة طلاب كورد مقيمين في مصر.
كما عرفت القاهرة نشاطاً ثقافياً وصحفياً كوردياً لاحقاً، الأمر الذي جعل القاهرة واحدة من البيئات الخصبة-الآمنة التي احتضنت النشاط الفكري الكوردي في المهجر، لاسيما وأن موجات هجرات العقول غير المصرية من العراق والشام ولبنان كانت قد بدأت في نهايات القرن التاسع عشر، وازدهرت وتألق نجمها في سماء القاهرة حتى آواسط القرن العشرين.
وبالنسبة إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني تحديداً، فإن علاقته بالقاهرة تطورت في العصر الحديث من خلال النشاط السياسي والثقافي والإعلامي، حيث افتتح مكتبا معتمدا في القاهرة، يعتبر حلقة الوصل بين الكورد وبين المصريين عامة، والطبقة المثقفة منهم، من خلال فعالياته السنوية التي تقام على ضفاف النيل في أكثر من مناسبة، إضافة إلى حرص إدارة المكتب على توثيق صلاته مع شخصيات مصرية بارزة وأحزاب ومؤسسات صحفية، إضافة إلى عدد من كبار المفكرين والمثقفين المصريين، وأساتذة الجامعات المصرية.
وفي هذا الصدد، يلعب المكتب دورًا مهمًا في توثيق العلاقات السياسية والتعليمية والاقتصادية وغيرها بمصر، على الصعيدين الرسمي والشعبي. وهو ما يصفه مسؤول مكتب الحزب في القاهرة، الأستاذ شيركو حبيب، بأن مهمة المكتب سياسية وثقافية وإعلامية وليست تنظيمية، وتركز على تعميق العلاقات المصرية–الكوردية.
ويشمل نشاطه التواصل مع المؤسسات والشخصيات المصرية، والاهتمام بالطلاب الكورد والعراقيين في مصر.
وعلى الصعيد الشخصي، فقد رأيت في السيد شيركوه حبيب رمزًا مخلصًا لوطنه، محبًا لكل الناس، يعرف كيف يوظف القوى الناعمة في تعميق العلاقات بين الأمم، وكيف يصنع حالة من المحبة والمودة بين الكورد في مصر من ناحية، وبين صفوة المجتمع المصري ومثقفيه، الذين يرونه محل تقدير وإعزاز، من ناحية أخرى.
وهكذا، فإن القاهرة ليست مجرد محطة عابرة في تاريخ الكورد؛ فقد كانت المكان الذي خرجت منه أول صحيفة كوردية إلى العالم، ثم تحولت مع الزمن إلى ساحة للتمازج الثقافي والحضاري بين الكورد والمصريين. والأهم تاريخياً أن “كردستان” التي رأت النور على ضفاف النيل، سبقت تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني بعقود، وهي تمثل جذراً مستقلاً من جذور الحضور الكوردي البارز في مصر، الذي استمر تأثيره في العلاقات الكوردية–المصرية حتى اليوم.
* أمين عام اتحاد المؤرخين العرب بالقاهرة