عبدالكريم مراد
من أصعب ما في الحياة على الإنسان حين يعرف الحقَّ ثم يختار أن يدير ظهره له، وليس أشدّ إيلاماً أن يتحوّل المال من وسيلةٍ للعيش إلى غايةٍ تبرّر كلّ شيء، حتّى الكذب، والمراوغة، والدفاع عن الباطل، وخسارة أقرب الناس.
قد يخطئ الإنسان، وهذا من طبيعته، لكن الخطأ الحقيقيّ لا يبدأ عند لحظة الوقوع في الخطأ، بل عندما يعرف المرء أنّه أخطأ، ثم يصرّ على خطئه، ويدافع عنه، ويبحث له عن الأعذار، خوفاً من خسارة منفعة مادّية أو مكسبٍ شخصيّ.
وقد يفعل ذلك لأنّه يرى المال غايةً لا وسيلة، أو لأنّه يخشى الاعتراف بالحقيقة وما قد يترتب عليه من خسارة، أو لأنّ الغرور يمنعه من أن يقول ببساطة: لقد أخطأتُ.
والمشكلة لا تكمن في المال ذاته، لأنّ المال ضرورة، والسعي إليه حق مشروع، والعمل من أجل حياة كريمة أمر محمود، بل تكمن المشكلة وتبدأ عندما يصبح المال معياراً وحيداً للحكم على الأشياء، وعندما يُطلب من الإنسان أن يختار بين مكسبٍ مادّي وبين كرامته، وصدقه، وعلاقاته الإنسانية.
عندها لا يعود السؤال: كم ربحت؟
بل يصبح السؤال الأهم:
ماذا خسرت وأنت تربح؟
فقد يربح المرء مالًا، لكنّه يخسر صديقاً أو قريباً،
وقد يحافظ على مصلحةٍ عابرة، لكنّه يفقد ثقة إنسانٍ ظلّ إلى جانبه سنوات.
وقد ينجح في إخفاء الحقيقة فترةً من الزمن، لكنّه لن يستطيع أن يخفي آثارها إلى الأبد.
فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالمال، وإنّما تُبنى بالثقة والصدق والوفاء، وبالقدرة على الاعتراف بالخطأ عندما يستدعي الأمر ذلك.
وحين يختار الإنسان المال على حساب هذه القيم، فقد يشعر في البداية بأنّه انتصر، لكنّه في الحقيقة لا يفعل سوى تأجيل خسارته.
فالراحة التي يمنحها المال حين يُكتسب على حساب الآخرين قد تكون راحةً زائفة، سرعان ما تتحوّل إلى قلق وندم وعزلة.
ولايخفى على أحد فإنَّ أخطر الخسائر… خسارة السند
أجل …. الأخطر من خسارة المال هو خسارة السند.
فالأصدقاء والأقارب ليسوا مجرد أسماءٍ في دفتر الهاتف، ولا علاقاتٍ يمكن استبدالها متى شئنا.
إنّهم السند في المرض، والشدائد، والوحدة، واللحظات التي لا ينفع فيها المال وحده.
وحين يكرّر الإنسان الكذب، ويبرّر الباطل، ويستغلّ ثقة من حوله من أجل منفعةٍ شخصية، فإن أول ما يتآكل هو هذا السند.
قد يسامحه البعض مرّة، ومرّتين، وربما أكثر، لكنّ الثقة إذا انكسرت مراراً، يصبح ترميمها أصعب من كسرها.
وعندها قد يجد الإنسان نفسه محاطًا بالمال، لكنّه وحيد في مواجهة الحياة.
ويصبح العناد أقوى من الحقيقة، لأنَّ التمادي في الخطأ لا يحتاج دائمًا إلى قناعةٍ بالباطل، بل قد يحتاج فقط إلى عجزٍ عن الاعتراف بالحقيقة.
فالاعتراف بالخطأ شجاعة، والاعتذار تواضع، والرجوع عن الخطأ قوةٌ داخلية لا يمتلكها الجميع.
ولهذا يجد بعض الناس الاستمرار في الخطأ أسهل من التراجع عنه؛ إذ يكفي أن يخترع الإنسان لنفسه مبررًا جديدًا كلما ظهرت الحقيقة.
وهكذا يتحوّل الخطأ الصغير إلى موقف، والموقف إلى عناد، والعناد إلى عادة، ثم يصبح الباطل بالنسبة إلى صاحبه شيئاً يجب الدفاع عنه مهما كان الثمن.
والأخطر من ذلك أن الإنسان قد يصل إلى مرحلةٍ يقنع فيها نفسه بأنّه على حقّ، لا لأنّه كذلك، وإنّما لأنه لم يعد قادرًا على مواجهة الحقيقة.
وفي كثير من الأحيان، قد تكون عبارة بسيطة مثل:
«كنتُ مخطئًا»
قادرةً على إنقاذ علاقةٍ كاملة.
وقد يعيد اعتذارٌ صادق بناء جسرٍ هدمته سنواتٌ من العناد.
ليس العيب أن تخطئ… بل أن تعرف وتصرّ
ليس هناك من هو معصوم عن الخطأ.
لكن الفارق بين إنسانٍ وآخر ليس في عدم الخطأ، وإنما في القدرة على الاعتراف به وتصحيحه.
فالعودة إلى الحق لا تحطّ من منزلة الإنسان ولا تنتقص من قيمته، بل ترفع قدره؛ لأنّ الشجاعة ليست أن تتمسّك بموقفك إلى النهاية، وإنّما أن تمتلك الشجاعة لتقول:
لقد أخطأت… وهذا هو الصواب.
فالاعتراف بالخطأ لا يعني الهزيمة، والاعتذار لا يعني الضعف، والتراجع عن الباطل لا يعني خسارة الكرامة.
بل إنّ الإصرار على الخطأ، مع معرفة الحقيقة، هو الذي يجعل الإنسان أسيراً لموقفٍ كان يستطيع أن يتجاوزه بكلمة صدق.
والمال يبقى… والناس قد يرحلون، فمن المؤلم أن يكتشف الإنسان بعد سنوات أنّ ما جمعه من المال لم يكن قادراً على شراء الذين فقدهم.
فالمال يمكن أن يعوّض بعض الأشياء، لكنّه لا يستطيع أن يشتري ثقةً ضائعة، ولا صداقةً صادقة، ولا قلب قريبٍ جُرح، ولا سنواتٍ مضت.
والحكمة ليست في أن يختار الإنسان بين المال والعلاقات، بل في أن يعرف كيف يكسب المال دون أن يخسر إنسانيته.
فلا قيمة لربحٍ يجعل صاحبه يخسر نفسه.
وهنا يحضرني قول السيد المسيح عليه السلام:
«ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟»
وهو معنى يتجاوز المال وحده؛ فكلّ مكسبٍ يُفقد الإنسان نفسه، أو كرامته، أو صدقه، أو علاقاته الصادقة، هو في حقيقته خسارةٌ مهما بدا في ظاهره ربحًا.
فلا بركة في مالٍ يصبح سبباً في قطيعة الرحم، ولا في مصلحةٍ تحتاج إلى الكذب، ولا في مكسبٍ يقوم على خيانة الصداقة وانهيار الثقة.
ويجب ألّا ننسى بأنَّ العودة إلى الحق ليست هزيمة
فمهما طال الطريق، يبقى باب الإصلاح مفتوحاً.
والخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف، ثم يأتي الاعتذار، ثم تصحيح ما يمكن تصحيحه، وإعادة ترتيب الأولويات،
وهذا لا يعني أن يتخلّى الإنسان عن طموحه، أو عن حقّه في تحسين حياته، وإنّما يعني ألّا يسمح للمادّة بأن تتحوّل إلى ميزانٍ وحيد يقيس به الناس والقيم والعلاقات.
فالحياة أقصر من أن نقضيها في الدفاع عن باطلٍ نعرف أنّه باطل، وأقصر من أن نخسر فيها أهلاً وأصدقاء من أجل مكاسب لا تدوم.
وفي النهاية، قد ينسى الناس كم كان معك من المال، وكم ربحت، وكم جمعت…
لكنهم لن ينسوا كيف عاملتهم حين كان المال في يدك.
فاحرص ألّا يكون ثمن ما تكسبه… أغلى من إنسانيتك.