قصف كردستان: من عمليات الأنفال 1988 إلى القصف بالطائرات المسيّرة ذاكرة الضحايا الكرد تتجدد التهجين اللغوي في خطاب الإبادة والأيديولوجيات

د.عادل رشيد

تُعد عمليات الأنفال التي نفذها النظام العراقي السابق ضد السكان الكرد في عام 1988 واحدة من أكثر صفحات تاريخ العراق الحديث مأساوية، وقد ارتبطت بعمليات عسكرية وأمنية واسعة النطاق شملت مناطق متعددة من كوردستان، وترافقت مع التهجير القسري والقتل والاختفاء وتدمير القرى، إضافة إلى استخدام الأسلحة الكيميائية في سياق القمع العسكري للسكان الكرد. ولذلك فإن دراسة الأنفال لا تقتصر على الجانب العسكري أو الإحصائي، بل تشمل أيضًا دراسة اللغة التي استُخدمت لوصف العمليات وتقديمها للرأي العام.
لقد جرت الأنفال في سياق الحرب العراقية الإيرانية1980-1988، وفي مرحلة اتسمت بتصاعد الصراع بين النظام العراقي السابق والحركة الكردية المسلحة. غير أن العمليات لم تقتصر في آثارها على المقاتلين، بل امتدت إلى مناطق وقرى سكنية، وأدت إلى نزوح جماعي وتدمير واسع للمجتمعات المحلية.
ويشير توثيق مراحل الأنفال إلى أنها لم تكن حملة عسكرية واحدة منفردة، وإنما سلسلة من العمليات العسكرية المتتابعة التي امتدت خلال عام 1988، واستهدفت مناطق مختلفة من كوردستان.
بدأت الأنفال الأولى في مناطق السليمانية ومرتفعات قرداغ ومحيطها، خلال الفترة الممتدة من أواخر شباط إلى آذار 1988، وارتبطت بالعمليات العسكرية الواسعة التي نفذتها القوات العراقية ضد المناطق الكردية.
ثم جاءت الأنفال الثانية في منطقة قرداغ ومناطق أخرى من محافظة السليمانية، وتواصلت العمليات العسكرية وعمليات التهجير والاعتقال.
أما الأنفال الثالثة فقد شملت مناطق في جنوب محافظة السليمانية، ومنها مناطق قريبة من كرميان، واستمرت العمليات في إطار الحملة العسكرية الأوسع.
وفي الأنفال الرابعة انتقلت العمليات إلى مناطق واسعة من كرميان، وهي من أكثر مراحل الحملة اتساعًا من حيث عدد القرى والمناطق المتضررة. وتزامنت هذه المرحلة مع عمليات عسكرية وأمنية واسعة أدت إلى تدمير عدد كبير من القرى وتهجير سكانها.
ثم امتدت العمليات إلى مناطق أخرى من كوردستان ضمن مراحل لاحقة، شملت مناطق حوض الزاب، بادينان، ومرتفعات ومناطق أخرى في دهوك وأربيل ونينوى، مع اختلاف طبيعة العمليات وتوقيتها من منطقة إلى أخرى.
ومن المهم تاريخيًا عدم التعامل مع هذه المراحل بوصفها أحداثًا منفصلة تمامًا؛ فقد كانت جزءًا من سياسة عسكرية وأمنية أوسع هدفت إلى السيطرة على المناطق الكردية وإعادة تشكيل واقعها السكاني والجغرافي.
وفي سياق هذه العمليات وقعت أحداث أخرى شكّلت جزءًا من مأساة عام 1988، وفي مقدمتها الهجوم الكيميائي على حلبجة في 16 آذار 1988، الذي أدى إلى مقتل آلاف المدنيين، وأصبح لاحقًا أحد أبرز رموز الجرائم المرتكبة ضد السكان الكرد في تلك المرحلة.
كما ارتبطت الحملة بعمليات اعتقال واختفاء جماعي، وبقاء أعداد كبيرة من الأشخاص في عداد المفقودين، فضلًا عن تدمير القرى وحرمان السكان من العودة إلى مناطقهم الأصلية. وقد شكلت هذه الوقائع أساسًا مهمًا في توصيف الجرائم المرتكبة ضد الكرد وفي جهود توثيقها والاعتراف بها بوصفها إبادة جماعية.
لكن قراءة الأنفال لا ينبغي أن تتوقف عند وصف العمليات العسكرية ونتائجها. فهناك جانب آخر لا يقل أهمية، وهو اللغة التي رافقت هذه العمليات.
فالسلطة السياسية لا تستخدم اللغة لمجرد وصف الأحداث، وإنما تستطيع من خلالها إعادة تعريف الأشخاص والأماكن والأفعال. وعندما يُعاد تعريف قرية سكنية باعتبارها «منطقة عسكرية»، أو يُنظر إلى سكانها باعتبارهم مرتبطين بالعدو، فإن اللغة تبدأ بأداء وظيفة تتجاوز الوصف إلى التبرير.
ومن هنا تأتي أهمية دراسة المصطلحات التي استخدمت في الخطاب المرتبط بالأنفال، مثل «فرض الأمن»، و«مكافحة التخريب»، و«مكافحة الإرهاب»، و«التطهير»، و«العدو»، و«العملاء»، و«المناطق المحظورة»، وغيرها من المصطلحات التي يجب قراءتها في سياقها التاريخي والسياسي والعسكري.
إن المشكلة ليست في المصطلح ذاته؛ فـ«الأمن» مثلًا مفهوم مشروع وضروري لحماية السكان، ومكافحة الإرهاب أو الأعمال المسلحة يمكن أن تكون وظيفة مشروعة للدولة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المصطلحات من وصف أفعال محددة إلى أدوات لإعادة تصنيف جماعة سكانية كاملة باعتبارها تهديدًا.
وهنا تظهر إحدى أهم آليات الخطاب التبريري: نقل المسؤولية من الفرد إلى الجماعة.
فبدل أن يُنظر إلى شخص محدد بوصفه مسؤولًا عن فعل محدد، يمكن أن يتحول سكان قرية أو منطقة بأكملها إلى «مخربين» أو «عملاء» أو «أعداء». وعندما يحدث ذلك، يصبح الانتماء الجغرافي أو القومي أو الاجتماعي نفسه جزءًا من تعريف «التهديد».
وتزداد خطورة هذه اللغة عندما يجري وصف القرى والمناطق السكنية بمصطلحات عسكرية، مثل «القواعد العسكرية» أو «مواقع العدو». فالمصطلح هنا لا يصف المكان فقط، وإنما يعيد تحديد طبيعته في الخطاب الرسمي.
فالقرية بالنسبة إلى سكانها هي بيت ومجتمع ومدرسة وأرض ومصدر رزق وذاكرة جماعية. أما عندما تتحول في الخطاب العسكري إلى «قاعدة» أو «موقع للعدو»، فإن سكانها يمكن أن يظهروا في الخطاب نفسه باعتبارهم جزءًا من هدف عسكري.
وهذه النقطة تحتاج إلى تحليل وثائقي دقيق؛ لأن وصف قرية بأنها «قاعدة عسكرية» لا يثبت بذاته وجود قاعدة عسكرية فعلية. لذلك يجب مقارنة الوثيقة الرسمية بشهادات السكان والناجين، والخرائط، والسجلات العسكرية، والأدلة المادية، وغيرها من المصادر.
ومن هنا نصل إلى مفهوم «تهجين المصطلحات».
ويقصد به في هذا السياق عملية لغوية تختلط فيها المفردات العسكرية والأمنية والسياسية والإدارية والقانونية لإنتاج خطاب يعيد تعريف المكان والسكان والفعل، وقد يؤدي إلى توفير غطاء تبريري لإجراءات استثنائية أو جماعية.
فقد يجتمع في الخطاب الواحد مصطلح أمني مثل «فرض الأمن»، مع مصطلح عسكري مثل «العدو»، ومصطلح سياسي مثل «العملاء»، ومصطلح إداري مثل «النقل» أو «الإخلاء»، ومصطلح جغرافي مثل «المنطقة المحظورة».
وبذلك تصبح اللغة شبكة متداخلة لا يمكن فهم وظيفة كل كلمة فيها بمعزل عن الكلمات الأخرى.
وتبرز هنا مسألة التهجير. فمصطلحات مثل «النقل» و«الإخلاء» و«إعادة التوطين» قد تبدو محايدة من الناحية الإدارية، لكنها لا تكشف وحدها طبيعة العملية التي حدثت على الأرض. ولهذا يجب أن يسأل الباحث: هل كان الانتقال طوعيًا؟ هل كان السكان قادرين على العودة؟ ماذا حدث لممتلكاتهم؟ هل دُمّرت قراهم؟ وهل رافقت العملية عمليات اعتقال أو اختفاء أو قتل؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تسمح بالانتقال من دراسة المصطلح إلى دراسة الواقع الذي يحاول المصطلح وصفه أو إخفاءه.
ولهذا تمثل شهادات الناجين عنصرًا أساسيًا في دراسة الخطاب. فالشهادة تتيح مقارنة اللغة الرسمية بالتجربة الإنسانية المباشرة. وإذا وصفت وثيقة رسمية حدثًا بأنه «نقل» أو «إخلاء»، بينما تصف شهادات السكان فقدان المنازل والاعتقال والاختفاء والاقتلاع القسري، فإن المسافة بين الخطابين تصبح موضوعًا علميًا للتحليل.
وبهذه الطريقة تصبح شهادة الناجي أكثر من مجرد رواية شخصية؛ إنها مصدر يساعد الباحث على الكشف عن الفجوة بين لغة السلطة ولغة التجربة.
ولا يتوقف مفهوم تهجين المصطلحات عند دراسة الأنفال بوصفها حدثًا تاريخيًا. فمن المهم أيضًا دراسة كيفية ظهور أنماط مشابهة في الخطابات السياسية المعاصرة، دون افتراض أن كل خطاب أمني حديث يمثل تكرارًا للأنفال.
المقارنة العلمية يجب أن تبحث عن الآلية اللغوية لا عن التطابق التاريخي.
فعندما يُعاد وصف سكان منطقة بأكملها بأنهم «تهديد»، أو تُختزل جماعة سياسية أو قومية في مصطلحات مثل «الخونة» أو «العملاء» أو «أدوات الخارج»، فإن الباحث يستطيع دراسة الوظيفة السياسية لهذه اللغة، خصوصًا إذا تحولت من اتهام أفراد محددين إلى تعميم المسؤولية على جماعة كاملة.
وقد تظهر في الخطابات المعاصرة اتهامات مثل «عملاء الولايات المتحدة» أو «عملاء إسرائيل». وهذه المصطلحات يمكن تحليلها بوصفها جزءًا من خطاب سياسي، لكن خطورتها تظهر عندما تُستخدم لتجريد جماعة كاملة من الشرعية أو لتبرير إجراءات جماعية ضدها.
ومن هنا فإن دراسة الخطاب لا تهدف إلى إثبات أن كل مصطلح أمني هو مصطلح إبادي، وإنما تهدف إلى تحديد متى وكيف يتحول المصطلح من الوصف إلى التبرير.
إن الأنفال تقدم مثالًا تاريخيًا بالغ الأهمية على ضرورة قراءة العلاقة بين اللغة والسلطة والعنف. فالعمليات العسكرية لم تقع في فراغ لغوي؛ بل رافقها خطاب سياسي وأمني وعسكري أعاد تعريف العدو والمنطقة والسكان والعمليات.
ولهذا فإن توثيق الأنفال لا ينبغي أن يقتصر على توثيق عدد الضحايا والقرى المدمرة والمفقودين والمقابر الجماعية، وإنما يجب أن يشمل أيضًا الوثائق والمصطلحات التي استخدمت لتوصيف العمليات.
فاللغة جزء من الوثيقة التاريخية.
وعندما ندرس كيف تحولت القرية إلى «منطقة عسكرية»، وكيف تحول السكان إلى «عدو» أو «عملاء»، وكيف تحولت عمليات الاقتلاع إلى «نقل»، وكيف قُدّم العنف تحت عناوين مثل «فرض الأمن»، فإننا لا ندرس الكلمات فقط، بل ندرس الطريقة التي حاولت بها السلطة إنتاج معنى سياسي للعنف.
وهنا تكمن أهمية مفهوم تهجين المصطلحات في كوردستان: فهو يتيح للباحث دراسة كيفية تداخل اللغة العسكرية والأمنية والسياسية والإدارية في إنتاج خطاب قادر على إعادة تشكيل صورة الضحية والمكان والجريمة.
إن إعادة قراءة خطاب الأنفال اليوم ليست محاولة لإعادة فتح الماضي فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية معرفية تجاه المستقبل. ففهم اللغة التي سبقت العنف أو رافقته يساعد على التعرف إلى الإشارات المبكرة التي يمكن أن تسبق التمييز والعنف الجماعي.
ولهذا يجب أن تبقى الكلمات نفسها موضع مساءلة: من هو «العدو»؟ من يحدد أنه «مخرب»؟ متى تتحول القرية إلى «قاعدة»؟ متى يصبح السكان «تهديدًا»؟ ومتى يتحول «الإخلاء» إلى تهجير قسري؟
إن هذه الأسئلة لا تعني إدانة اللغة بحد ذاتها، بل تعني إخضاعها للتحليل التاريخي والقانوني والسياسي، وربطها بالأفعال والوثائق والشهادات والأدلة.
وفي النهاية، فإن دراسة الأنفال من خلال اللغة تكشف أن الإبادة الجماعية لا تُفهم فقط من خلال ما حدث للضحايا، وإنما أيضًا من خلال الطريقة التي حاول بها الخطاب الرسمي تفسير ما حدث.
فالكلمات قد تصف الواقع، لكنها قد تُستخدم أيضًا لإعادة تشكيله. وقد يتحول المصطلح الأمني إلى غطاء سياسي، والمصطلح العسكري إلى أداة لتغيير صورة المكان، والمصطلح الإداري إلى وسيلة لإخفاء القسر، والمصطلح السياسي إلى أداة لنزع الشرعية عن جماعة كاملة.
ومن هنا يصبح تفكيك المصطلحات جزءًا من توثيق الأنفال نفسها؛ لأن مواجهة الإبادة لا تعني حفظ أسماء الضحايا وأماكن المقابر الجماعية فحسب، بل تعني أيضًا كشف اللغة التي حاولت تحويل الجريمة إلى «عملية أمنية»، والضحايا إلى «أعداء»، والقرى إلى «قواعد»، والاقتلاع إلى «نقل».
إن قراءة هذه اللغة اليوم ليست بحثًا في الماضي وحده، وإنما دفاع عن حق الذاكرة في تسمية الأشياء بأسمائها، وعن حق الضحايا في ألا تُعاد صياغة مأساتهم بلغة الجهة التي مارست العنف أو حاولت تبريره.
إن وجود علاقات سياسية أو تحالفات بين أطراف عراقية وقوى دولية أو إقليمية لا يعني تلقائياً أن كل شخص يختلف سياسياً هو «عميل». ففي المجتمع الطبيعي، يمكن للمواطن أن يؤيد سياسة دولة أو يعارضها، وأن يختلف مع الولايات المتحدة أو إسرائيل أو تركيا أو إيران أو أي دولة أخرى، دون أن يفقد صفته كمواطن.
لكن الخطاب المتشدد قد يختصر هذه المساحات المعقدة في كلمة واحدة: «العمالة». وهنا تنتقل اللغة من وصف الاختلاف السياسي إلى نزع الشرعية عن المختلف، وتحويله من مواطن له موقف سياسي إلى شخص يُقدَّم باعتباره جزءاً من «العدو الداخلي».
وتزداد خطورة هذا الخطاب عندما تُستخدم تعبيرات مثل «عملاء أمريكا»، «عملاء الصهاينة» أو «أدوات الخارج» لوصف الكرد أو سكان كردستان بصورة جماعية. فالمشكلة هنا ليست في نقد الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي دولة أخرى؛ فهذا حق سياسي وفكري مشروع، وإنما في تحويل الموقف السياسي من دولة أو حكومة إلى اتهام جماعي لقومية أو مجتمع بأكمله.
ومن هنا تظهر أهمية دراسة التهجين اللغوي في الخطاب السياسي العراقي المعاصر، حيث يمكن أن تجتمع كلمات مثل «الوطن»، و«السيادة»، و«المقاومة»، و«العمالة»، و«الخيانة»، و«الخارج» في منظومة لغوية واحدة. وتنتج هذه المنظومة ثنائية مبسطة: هناك «نحن» الذين نمثل الوطن، و«هم» الذين يُقدَّمون بوصفهم مرتبطين بالخارج.
وهذه العملية اللغوية لا تقتصر على وصف الواقع، بل يمكن أن تساهم في تشكيله؛ فعندما يتكرر وصف جماعة بشرية بأنها «عميلة» أو «أداة للخارج»، يمكن أن تنتقل هذه الجماعة في الوعي العام من موقع المواطن إلى موقع «المشتبه به»، ثم إلى موقع «العدو».
التهجين اللغوي المبطن ودور الجماعات المسلحة
تظهر إحدى أكثر صور التهجين اللغوي تعقيداً عندما تقوم جماعات مسلحة مرتبطة، سياسياً أو عسكرياً، بأجندات إقليمية أو خارجية، بتقديم نفسها في الخطاب العام بوصفها مدافعة عن السيادة الوطنية، بينما تتهم الكرد أو القوى السياسية الكردية بالارتباط بالولايات المتحدة أو إسرائيل أو قوى خارجية أخرى.
وهنا تظهر مفارقة تستحق الدراسة: الفاعل المسلح يُقدَّم بوصفه مدافعاً عن الوطن، بينما يُعاد تعريف الطرف الآخر بوصفه تابعاً للخارج.
ولا يعني ذلك أن كل علاقة بين فصيل عراقي وقوة إقليمية تثبت تلقائياً أن هذا الفصيل لا يمتلك أي دوافع أو مصالح عراقية، كما لا يعني أن كل اتهام للكرد بالارتباط بقوة خارجية هو بالضرورة مختلق. وإنما تقتضي الدراسة العلمية التمييز بين العلاقات السياسية أو العسكرية القابلة للإثبات وبين التوصيفات الدعائية والتعميمات الجماعية.
وتزداد الإشكالية عندما تتحول هذه اللغة إلى إطار لتبرير عمليات عسكرية تستهدف مناطق في إقليم كردستان، بما فيها أربيل ومحيطها، سواء باستخدام الطائرات المسيّرة أو وسائل عسكرية أخرى.
فقد تُقدَّم العملية في الخطاب السياسي باعتبارها «دفاعاً عن الوطن» أو «مقاومة» أو «حماية للسيادة»، بينما يُعاد تقديم المنطقة المستهدفة أو سكانها باعتبارهم مرتبطين بالخارج. وهنا يحدث ما يمكن تسميته «التهجين اللغوي المبطن»: مفردات تمنح الفاعل الشرعية، ومفردات أخرى تنزع الشرعية عن الطرف المستهدف.
من المواطن إلى «العدو الداخلي»
إن وصف الكرد بأنهم «عملاء أمريكا» أو «عملاء الصهاينة» لا يثبت بذاته وجود علاقة عمالة. وإذا لم يكن الاتهام موجهاً إلى شخص أو جهة محددة بناءً على أدلة واضحة، فإنه يتحول إلى تعميم على جماعة بشرية كاملة.
وهنا تصبح اللغة أداة لإعادة تعريف الهوية الوطنية: من هو «العراقي الحقيقي»؟ ومن يحق له أن يمثل الوطن؟ ومن يُدفع إلى خارج هذه الدائرة؟
فالانتقال من «المختلف سياسياً» إلى «العميل» هو انتقال خطابي بالغ الأهمية؛ لأنه يحول الاختلاف من حالة طبيعية داخل المجتمع إلى تهديد أمني أو وطني.
ولا ينبغي أن يكون الانتماء إلى قومية أو مدينة أو إقليم سبباً في فقدان صفة المواطنة. فالكردي والعربي، والسني والشيعي والمسيحي والإيزيدي وسائر مكونات المجتمع العراقي، جميعهم مواطنون، ولا يجوز اختزال أي منهم في علاقة مفترضة بقوة خارجية.
القصف واللغة التي تسبق العنف
عند دراسة الهجمات التي تتعرض لها مناطق كردستان، ومنها أربيل، لا يكفي تحليل السلاح المستخدم أو الجهة التي تنفذ العملية، بل يجب أيضاً دراسة اللغة السياسية والإعلامية التي تسبق الهجوم وترافقه وتبرره.
فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: من أطلق الطائرة المسيّرة؟ وما الهدف الذي قيل إنه مستهدف؟ بل ينبغي أن ندرس أيضاً: كيف جرى تعريف الهدف؟ وكيف وُصف سكان المنطقة؟ وهل جرى تقديمهم باعتبارهم مواطنين عراقيين أم باعتبارهم امتداداً لقوى خارجية؟
فاللغة التي تقول «استهداف موقع» قد تخفي أحياناً حقيقة أن الموقع يقع بالقرب من مناطق مدنية، واللغة التي تقول «عملية أمنية» قد تختزل آثاراً أوسع على السكان. لذلك فإن تحليل الخطاب يجب أن يقارن دائماً بين المصطلح المستخدم لوصف العملية والواقع الذي يعيشه المدنيون.
وهذا لا يعني إصدار حكم مسبق على كل عملية عسكرية، ولا يعني أن كل هجوم يمثل بالضرورة سياسة ممنهجة ضد المدنيين. وإنما يعني ضرورة إخضاع كل واقعة للتحقيق والأدلة والقانون، مع دراسة الخطاب الذي يحيط بها.
من يملك حق تعريف الوطن؟
إن جوهر المشكلة لا يتعلق فقط بمن يملك السلاح، بل أيضاً بمن يملك القدرة على تعريف «الوطن» و«الوطني» و«العميل».
فعندما تُستخدم مفردات «الوطن» و«المقاومة» و«السيادة» لمنح الشرعية لجهة معينة، بينما تستخدم مفردات «العمالة» و«الخيانة» و«الخارج» لنزع الشرعية عن جهة أخرى، يصبح الخطاب نفسه ساحة للصراع السياسي.
وهنا يجب التمييز بين نقد سياسات الولايات المتحدة أو إسرائيل أو أي دولة أخرى، وهو حق مشروع، وبين استخدام هذا النقد لتصنيف شعب أو قومية كاملة بوصفها «عملاء» لتلك الدول.
إن السيادة العراقية لا تعني فقط رفض التدخلات الخارجية، بل تعني أيضاً حماية المواطنين العراقيين من أن يصبحوا أدوات في صراعات إقليمية. كما أن الدفاع عن الوطن لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتقسيم العراقيين إلى «وطنيين» و«عملاء» على أساس الموقف السياسي أو القومي.
نحو خطاب وطني عراقي جامع
وفي الختام، فإن الحاجة اليوم لا تتمثل في إنتاج خطاب جديد للإقصاء، وإنما في بناء خطاب لغوي وطني توحيدي يضم جميع مكونات العراق وقومياته وأديانه وأطيافه، ويؤسس لثقافة العيش المشترك والأمان والسلام.
إن الهوية الوطنية العراقية ينبغي ألا تُبنى على أسس مذهبية أو دينية أو قومية تُقسّم المجتمع إلى جماعات متنافسة، بل على أساس المواطنة المتساوية، والاستحقاقات الدستورية، ووحدة الجغرافيا الوطنية، واحترام القانون وحقوق الإنسان.
فالعراقي يجب أن يشعر بأنه مواطن كامل الحقوق والكرامة، بغض النظر عن قوميته أو دينه أو مذهبه أو انتمائه الثقافي.
وهذا الخطاب ليس مجرد خيار سياسي، بل هو مسؤولية تجاه الجيل الجديد. فالأجيال التي تنشأ في بيئة يسودها التخوين والانقسام والخوف قد ترث صراعات لم تصنعها بنفسها. أما بناء خطاب يقوم على المواطنة والاحترام المتبادل، فيمنحها فرصة للنظر إلى المستقبل بثقة وأمان، والتفاعل مع العالم الحديث بعيداً عن إرث الكراهية والصراعات الأيديولوجية.
إن العراق لا يحتاج إلى إعادة إنتاج المصطلحات التي صنعت «الآخر» و«العدو» و«العميل»، بل يحتاج إلى لغة تعيد الإنسان إلى مركز الخطاب الوطني.
فالكلمة مسؤولية، والخطاب أمانة، وتعريف الوطن مسؤولية مشتركة. وما نتركه للأجيال القادمة لا ينبغي أن يكون قاموساً جديداً للخوف والتخوين، وإنما لغة عراقية جامعة تقول إن الاختلاف لا يلغي المواطنة، وإن التعدد لا يهدد الوطن، وإن أمن الإنسان هو الأساس الحقيقي لأمن الدولة.
إنها أمانة إنسانية ووطنية تقع على عاتق الجميع: الدولة، والسياسيين، والإعلام، والمثقفين، والأكاديميين، والمؤسسات الدينية والمجتمعية، وكل من يشارك في صناعة الخطاب العام.
فالعراق الآمن لا يبدأ من توحيد الآراء، بل من احترام اختلافها تحت مظلة المواطنة والدستور والقانون. ولا تتحقق السيادة بتحويل المدن العراقية إلى ساحات لصراعات الآخرين، وإنما بحماية الإنسان والأرض والقانون.
إن مستقبل العراق يحتاج إلى خطاب يتجاوز لغة التخوين والاصطفاف، ويجعل المواطن لا السلاح، والمواطنة لا الأيديولوجيا، أساساً لتعريف الوطن.

قد يعجبك ايضا