شيركو حبيب
هناك رجال لا يكفي أن نضع أسماءهم في صفحات التاريخ، لأن حضورهم في الذاكرة أكبر من مجرد اسم أو منصب. وهناك قادة تركوا أثراً في مسيرة شعبهم من خلال المواقف التي اتخذوها، والظروف الصعبة التي واجهوها، والمسؤوليات التي حملوها في أكثر المراحل حساسية.
ومن هؤلاء يأتي الفقيد الخالد الذكر دريس بارزاني، الذي بقي اسمه مرتبطاً بتاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني وثورتي أيلول وكولان، وبمرحلة مهمة من مراحل النضال السياسي والعسكري للشعب الكوردي.
عندما أتأمل مسيرة إدريس بارزاني، أجد أن الحديث عنه لا يمكن أن يكون منفصلاً عن تاريخ عائلته، ولا عن مدرسة البارزاني الخالد التي تربى فيها. لكنه في الوقت نفسه لم يكن مجرد امتداد لاسم كبير، بل استطاع من خلال حضوره ونشاطه ومواقفه أن يصنع لنفسه مكانة خاصة في تاريخ الحركة الكوردستانية.
التحق إدريس بارزاني بصفوف بيشمركة ثورة أيلول منذ بداياتها عام 1961، وكان شاباً يحمل معه إرثاً عائلياً كبيراً، لكنه دخل ميدان النضال كما دخل إليه أبناء الشعب الكوردي الآخرون: مقاتلاً في الجبال، ومشاركاً في واحدة من أصعب مراحل تاريخ كوردستان. وتشير المصادر إلى أنه تولى عام 1962 مهمة سكرتير والده ملا مصطفى بارزاني، ثم تدرج في مواقع سياسية وعسكرية داخل الثورة والحزب.
لكن إحدى المحطات التي ارتبط فيها اسمه بقوة بالجانب العسكري كانت ملحمة هندرين عام 1966.
في تلك المعركة، برز إدريس بارزاني قائداً ميدانياً، وأشرف على إدارة المعركة في مواجهة الجيش العراقي. وقد أصبحت هندرين واحدة من أبرز المعارك في تاريخ ثورة أيلول، لما حملته من دلالات عسكرية وسياسية، ولما أظهرته من قدرة قوات البيشمركة على مواجهة جيش متفوق في العدد والتسليح.
وهنا تظهر إحدى أهم صفات إدريس بارزاني في نظري: أنه لم يكن رجل بندقية فقط، ولم يكن رجل سياسة بعيداً عن الميدان. وكان يتحرك بين الجبهة والعمل السياسي، وهو أمر لم يكن سهلاً في تلك المرحلة.ففي الوقت الذي كانت فيه الثورة تواجه الحملات العسكرية، كان هناك أيضاً مسار سياسي لا يقل أهمية، وكانت قيادة الحركة الكوردستانية تدرك أن القضية لا يمكن أن تعتمد على المواجهة العسكرية وحدها.ولهذا شارك إدريس بارزاني في المسار السياسي والمفاوضات التي قادت إلى اتفاقية 11 آذار 1970، وكان عضواً في وفد الثورة الكوردية الذي شارك في المفاوضات مع الحكومة العراقية، إلى جانب الرئيس مسعود بارزاني وعدد من الشخصيات السياسية الكوردستانية. وهذا الجانب من شخصية إدريس يستحق التوقف عنده.
فالسلام بالنسبة إليه لم يكن بديلاً عن النضال، كما أن النضال لم يكن يعني إغلاق باب السياسة. كان يدرك، كما أدركت قيادة الثورة، أن تحقيق حقوق الشعب الكوردي يحتاج إلى الجمع بين القوة السياسية والقدرة على التفاوض والبحث عن الحلول الممكنة.
لكن اتفاقية الجزائر عام 1975 وضعت الحركة الكوردستانية أمام مرحلة بالغة الصعوبة. انهارت ثورة أيلول، وتشتتت صفوف كثيرة من البيشمركة والقيادات، وأصبح السؤال الكبير: كيف يمكن الحفاظ على الحزب والقضية وإعادة بناء الحركة من جديد؟
في تلك اللحظة الصعبة، كان إدريس بارزاني واحداً من الذين تحملوا مسؤولية إعادة تنظيم الصفوف. وبالتنسيق مع الرئيس مسعود بارزاني، وبالتوجيه من ملا مصطفى بارزاني الخالد الذكر، شارك في تأسيس القيادة المؤقتة للحزب الديمقراطي الكوردستاني بعد 1975، وهي خطوة مهدت الطريق لإعادة تنظيم الحركة وتهيئة الظروف لانطلاق ثورة كولان عام 1976.
وهنا، في رأيي، تظهر قيمة أخرى في شخصية إدريس بارزاني.
فالقائد الحقيقي لا يظهر فقط في لحظة الانتصار، وإنما تظهر قيمته عندما تبدو الظروف كلها ضده.
بعد انهيار ثورة أيلول، كان من السهل أن يعتقد البعض أن صفحة النضال قد انتهت. لكن إدريس ورفاقه لم ينظروا إلى ما حدث باعتباره نهاية القضية، وإنما باعتباره مرحلة مؤلمة تحتاج إلى بداية جديدة.
ومن رحم تلك المرحلة جاءت ثورة كولان.
ولم يقتصر دور إدريس على الجانب العسكري. فقد كان له حضور سياسي في محاولة توحيد الصف الكوردستاني وتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية الكوردستانية. وتشير المصادر إلى دوره في المصالحات والحوارات التي جرت في النصف الثاني من الثمانينيات، والتي ساهمت في الوصول إلى صيغة أوسع للتعاون الكوردستاني.
وهذا ربما هو الجانب الذي يحتاج إلى مزيد من التذكير به اليوم.
إدريس بارزاني لم يكن قائداً عسكرياً فقط، بل كان أيضاً رجل حوار ومصالحة.
كان يعرف أن قوة الكورد لا تأتي فقط من قدرتهم على القتال، وإنما من قدرتهم على تجاوز الخلافات عندما تكون القضية الوطنية أكبر من الخلاف السياسي.
ولهذا أرى أن إرث إدريس بارزاني يمكن اختصاره في ثلاث كلمات: النضال، المسؤولية، والوحدة.
النضال لأنه أمضى سنوات من حياته في صفوف الثورة والبيشمركة.
والمسؤولية لأنه تحمل أدواراً سياسية وتنظيمية في أصعب الظروف.
والوحدة لأنه أدرك أن الانقسام الداخلي يمكن أن يكون أخطر من قوة الخصم، وأن جمع الصف الكوردستاني ضرورة لا خياراً.
لقد رحل إدريس بارزاني في عام 1987، وهو في عمر لم يكن يسمح له بأن يرى كثيراً من التحولات التي جاءت بعد ذلك. لكنه ترك وراءه تجربة بقي أثرها حاضراً في مسيرة الحزب والحركة الكوردستانية.
وعندما نستعيد اليوم تضحياته، لا ينبغي أن نحول ذكراه إلى مناسبة عاطفية فقط.
الأهم أن نسأل: ماذا نتعلم من إدريس بارزاني؟
نتعلم أن الانتماء إلى قضية لا يعني فقط أن نرفع شعاراتها، بل أن نتحمل مسؤولياتها. ونتعلم أن القائد يحتاج إلى الشجاعة في الميدان، لكنه يحتاج أيضاً إلى الحكمة في السياسة. ونتعلم أن الوحدة ليست شعاراً للاحتفالات، وإنما عمل يومي يحتاج إلى الصبر والتنازل والحوار.
كما نتعلم أن التاريخ لا تصنعه لحظات الانتصار وحدها، بل تصنعه أيضاً قدرة الرجال على النهوض بعد الهزيمة.
ولهذا، عندما نتحدث عن إدريس بارزاني الخالد الذكر، فإننا لا نتحدث فقط عن شخصية من الماضي، بل عن تجربة ما زالت تحمل رسالة للحاضر.
رسالة تقول إن القضية التي آمن بها الإنسان تستحق أن يدافع عنها، وأن المكاسب التي تحققت بتضحيات الأجيال لا بد أن تُصان، وأن أفضل وفاء لمن رحلوا هو أن نحافظ على ما ناضلوا من أجله.
لقد كان إدريس بارزاني واحداً من رجال مرحلة صعبة، لكنه ترك أثراً يتجاوز تلك المرحلة.
رحل الرجل، وبقيت التجربة. رحل المقاتل، وبقيت مواقف القائد. ورحل إدريس بارزاني، لكن اسمه بقي مرتبطاً بصفحات من تاريخ الحزب الديمقراطي الكوردستاني وثورتي أيلول وكولان.
وفي النهاية، ربما يكون أجمل وفاء لإدريس بارزاني أن نقرأ سيرته لا باعتبارها قصة رجل من الماضي فقط، وإنما باعتبارها درساً في الشجاعة والمسؤولية والوحدة والإيمان بالمستقبل.