الدكتور چيا عبد الكريم رشيد
أصبحت البيانات في النظام الدولي المعاصر مورداً يتجاوز قيمته التقنية والاقتصادية ليقترب بصورة متزايدة من مفهوم الموارد السيادية. فالدولة التي كانت تمارس سيادتها تقليدياً على الإقليم والسكان والموارد الطبيعية تجد نفسها اليوم أمام فضاء رقمي تتحرك فيه كميات هائلة من المعلومات عبر الحدود، وتخزن في خوادم قد تقع خارج إقليمها، وتديرها شركات خاصة تمتلك قدرات تقنية واقتصادية تفوق أحياناً قدرات دول كاملة. وقد أدى هذا التحول إلى ظهور سؤال قانوني جديد: هل يمكن اعتبار البيانات مورداً يدخل ضمن نطاق السيادة الوطنية، أم أن طبيعتها العابرة للحدود تفرض بناء مفهوم مختلف للسيادة في القانون الدولي؟
ترتبط السيادة في أصلها القانوني بسلطة الدولة العليا داخل إقليمها واستقلالها في علاقاتها الخارجية. غير أن الثورة الرقمية جعلت العلاقة بين السلطة والإقليم أكثر تعقيداً. فالبيانات التي ينتجها مواطن داخل دولة معينة قد تنتقل خلال لحظات إلى مركز بيانات في دولة أخرى، ثم تعالج بواسطة شركة مسجلة في دولة ثالثة. ونتيجة لذلك لم يعد تحديد مكان البيانات كافياً لتحديد السلطة القانونية عليها، لأن دورة حياتها قد تتوزع بين أكثر من ولاية قضائية. وهذا الواقع يضع المبادئ التقليدية للاختصاص أمام تحديات غير مسبوقة.
وقد ظهر في الخطاب القانوني والسياسي مفهوم «سيادة البيانات» للدلالة على حق الدولة في تنظيم البيانات المرتبطة بإقليمها أو مواطنيها أو مصالحها الأساسية. إلا أن هذا المفهوم لا يعني بالضرورة امتلاك الدولة لجميع البيانات، فالمعلومات قد تكون شخصية أو تجارية أو عامة، ولكل منها نظام قانوني مختلف. المقصود بصورة أدق هو امتلاك الدولة سلطة تنظيم جمع البيانات ومعالجتها ونقلها وحمايتها في الحدود التي يسمح بها القانون الدولي، مع احترام حقوق الإنسان والالتزامات الدولية وحقوق الأفراد والمؤسسات.
وتزداد أهمية هذا الموضوع لأن البيانات أصبحت عنصراً أساسياً في الأمن القومي والاقتصاد والذكاء الاصطناعي. فالقدرة على الوصول إلى البيانات وتحليلها تمنح الدول والشركات قدرة على فهم السلوك الاقتصادي والاجتماعي، وتطوير الأنظمة الذكية، والتنبؤ بالاتجاهات، وصناعة القرار. ومن ثم لم تعد حماية قواعد البيانات الوطنية مجرد قضية أمن معلومات، بل أصبحت مرتبطة باستقلال القرار السياسي والاقتصادي. وقد يؤدي اعتماد دولة بصورة مفرطة على بنية رقمية خارجية إلى نشوء نوع جديد من التبعية، إذ تصبح خدماتها ومعلوماتها الحيوية مرتبطة بقرارات جهات لا تخضع بالكامل لسلطتها.
وفي المقابل، فإن تحويل مفهوم سيادة البيانات إلى سلطة مطلقة للدولة يثير مخاطر قانونية كبيرة. فالدولة لا تستطيع استخدام السيادة ذريعة لإلغاء الحق في الخصوصية أو حرية التعبير أو الوصول المشروع إلى المعلومات. كما أن فرض توطين شامل للبيانات داخل الحدود قد يعرقل التجارة الرقمية والبحث العلمي والخدمات العابرة للحدود. لذلك يتطلب المفهوم توازناً بين مصالح الدولة في الأمن والاستقلال الرقمي وبين طبيعة الإنترنت المفتوحة والالتزامات الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان والتعاون الاقتصادي.
وتبرز مشكلة أخرى في العلاقة بين الدولة والشركات التكنولوجية الكبرى. فهذه الشركات تسيطر على منصات ومحركات بحث وخدمات سحابية وشبكات اجتماعية تنتج وتخزن كميات ضخمة من البيانات. وهي بذلك أصبحت تمتلك شكلاً من أشكال القوة المعلوماتية التي لم تكن معروفة في النظام الدولي التقليدي. وقد تنشأ مواجهة بين طلب الدولة الوصول إلى بيانات معينة وبين التزامات الشركة في دولة أخرى أو سياساتها الخاصة أو متطلبات حماية الخصوصية. وهذه الحالة تكشف أن السلطة على البيانات لم تعد حكراً على الدولة، بل أصبحت موزعة بين فاعلين عامين وخاصين.
كما تثير التدفقات العابرة للحدود إشكالية الاختصاص القضائي. فإذا وقعت إساءة استخدام لبيانات مواطنين في دولة ما بينما تمت المعالجة في دولة أخرى، فمن يملك حق التحقيق وفرض الجزاء؟ إن الاعتماد الحصري على مبدأ الإقليم قد لا يقدم حلاً كافياً، ولذلك تتجه الأنظمة القانونية إلى استخدام روابط أخرى، مثل جنسية الأشخاص المتأثرين أو مكان تقديم الخدمة أو موقع الضرر. لكن توسع الاختصاص قد يؤدي بدوره إلى تنازع القوانين، الأمر الذي يجعل التعاون الدولي ضرورياً لتقليل التضارب.
وترتبط سيادة البيانات أيضاً بالأمن السيبراني. فالهجمات على قواعد البيانات الحكومية أو البنى الرقمية الحيوية قد تمس وظائف الدولة الأساسية. وإذا نفذت هذه الهجمات من خارج الحدود، تظهر أسئلة القانون الدولي المتعلقة بالإسناد والمسؤولية واحترام السيادة وعدم التدخل. ويزداد الأمر تعقيداً عندما يكون منفذ الهجوم جهة غير حكومية أو عندما يصعب إثبات ارتباطها بدولة معينة. ولهذا فإن حماية البيانات الوطنية تحتاج إلى قدرات تقنية، لكنها تحتاج كذلك إلى قواعد قانونية دولية أوضح للتعاون والتحقيق وتبادل الأدلة.
ومن زاوية اقتصادية، أصبحت البيانات مورداً لإنتاج القيمة. فالاقتصاد الرقمي يقوم إلى حد كبير على تحويل المعلومات إلى معرفة وتوقعات وخدمات. ولذلك تسعى الدول إلى ضمان ألا تتحول بيانات مجتمعاتها إلى مصدر للقيمة تستفيد منه جهات خارجية دون وجود قواعد عادلة. ومع ذلك فإن تشبيه البيانات بالنفط أو الموارد الطبيعية يظل محدوداً؛ فالبيانات يمكن نسخها واستخدامها مرات عديدة، وقد تزداد قيمتها عند مشاركتها بدلاً من استهلاكها. ومن هنا تحتاج السيادة المعلوماتية إلى فلسفة مختلفة عن السيادة على الموارد المادية.
ويبدو أن الاتجاه الأكثر توازناً يتمثل في فهم سيادة البيانات باعتبارها مسؤولية تنظيمية لا ملكية مطلقة. فالدولة مسؤولة عن بناء بيئة قانونية تحمي البيانات الحساسة، وتضمن حقوق الأفراد، وتضع معايير للأمن والشفافية، وتنظم نقل المعلومات إلى الخارج وفق درجات المخاطر. كما ينبغي أن تشجع قابلية التشغيل البيني والتعاون الدولي حتى لا يتحول الفضاء الرقمي إلى جزر وطنية مغلقة.
وفي المستقبل قد تصبح القدرة على إدارة البيانات أحد أهم مؤشرات القوة السيادية. فالدولة التي لا تمتلك بنية تحتية رقمية آمنة، وكفاءات بشرية متخصصة، وقواعد واضحة لحوكمة البيانات، قد تجد أن استقلالها القانوني لا يقابله استقلال فعلي في البيئة الرقمية. ولذلك فإن السيادة الحديثة لم تعد مرتبطة بحماية الحدود المادية فقط، بل بحماية القدرة على اتخاذ القرار والتحكم المسؤول في المعلومات التي تقوم عليها وظائف الدولة والمجتمع والاقتصاد.
وخلاصة القول إن البيانات أصبحت مورداً استراتيجياً ذا بعد سيادي، لكن إدخالها في مفهوم السيادة لا ينبغي أن يؤدي إلى نقل التصورات التقليدية للإقليم والملكية إليها بصورة حرفية. المطلوب هو تطوير مفهوم مرن للسيادة الرقمية يوفق بين سلطة الدولة وحقوق الإنسان، وبين الأمن وحرية تدفق المعلومات، وبين المصالح الوطنية والحاجة إلى التعاون الدولي. ومن هنا تبدو سيادة البيانات واحدة من القضايا التي ستسهم في إعادة تشكيل القانون الدولي خلال العقود المقبلة، لأنها تعكس انتقال القوة من السيطرة على الأرض وحدها إلى القدرة على إدارة المعرفة والمعلومات التي تعبر تلك الأرض والحدود معاً.