الهوية الرقمية اللامركزية ومستقبل حماية المستخدم في الفضاء الإلكتروني

اميرة كريم حمه لاو

أصبحت الهوية الرقمية أحد المكونات الأساسية للحياة المعاصرة، إذ لم يعد حضور الفرد في الفضاء الإلكتروني مقتصراً على اسم مستخدم وكلمة مرور، بل بات مرتبطاً بمجموعة واسعة من البيانات والسمات الرقمية التي تستخدم لإثبات شخصيته والوصول إلى الخدمات الحكومية والمصرفية والتعليمية والصحية والتجارية. ومع اتساع الاعتماد على المنصات الرقمية برزت مشكلة مركزية تتمثل في أن كثيراً من أنظمة الهوية التقليدية تعتمد على جهات مركزية تحتفظ ببيانات المستخدمين وتتحكم في عمليات التحقق منها، الأمر الذي يجعل تلك الجهات نقاطاً شديدة الحساسية للاختراق أو إساءة الاستخدام. ومن هنا ظهر مفهوم الهوية الرقمية اللامركزية بوصفه اتجاهاً تقنياً يسعى إلى إعادة توزيع السيطرة على بيانات الهوية ومنح المستخدم دوراً أكبر في إدارتها.
تقوم الهوية الرقمية المركزية عادة على وجود مؤسسة تحتفظ ببيانات الشخص وتقرر متى وكيف يمكن التحقق منها. وقد تكون هذه المؤسسة جهة حكومية أو مصرفاً أو شركة تكنولوجية أو منصة إلكترونية. وعلى الرغم من سهولة هذا النموذج وانتشاره، فإنه يخلق مجموعة من المخاطر؛ إذ إن اختراق قاعدة بيانات واحدة قد يكشف معلومات أعداد كبيرة من المستخدمين، كما أن تعدد الحسابات في المواقع المختلفة يؤدي إلى تكرار البيانات الشخصية في أنظمة كثيرة، وهو ما يوسع مساحة التعرض للهجمات الإلكترونية.
أما الهوية الرقمية اللامركزية فتقوم على فكرة تقليل الاعتماد على مستودع مركزي واحد للبيانات. وبدلاً من أن يكون المستخدم مجرد صاحب بيانات مخزنة لدى الآخرين، يصبح قادراً على الاحتفاظ بأوراق اعتماد رقمية يمكن تقديمها عند الحاجة لإثبات صفة معينة. وبهذا يمكن للشخص، من حيث المبدأ، أن يثبت معلومة مطلوبة من دون الكشف عن مجموعة كاملة من بياناته الشخصية. ويعبر هذا الاتجاه عن انتقال مهم من نموذج جمع البيانات إلى نموذج التحقق منها.
وتكمن أهمية هذا التحول في مبدأ تقليل البيانات. فكثير من الخدمات تطلب اليوم معلومات تتجاوز الحاجة الفعلية للعملية. فإذا كان المطلوب مثلاً إثبات تجاوز المستخدم سناً معيناً، فقد لا تكون هناك ضرورة لكشف تاريخ الميلاد الكامل أو تفاصيل أخرى عن الهوية. وفي بيئة لامركزية مصممة بصورة جيدة يمكن تقديم إثبات رقمي يؤكد تحقق الشرط المطلوب فقط، الأمر الذي يقلل كمية المعلومات المتداولة ويحد من آثار أي اختراق لاحق.
ومن الناحية التقنية ترتبط الهوية اللامركزية بمفاهيم مثل المعرّفات اللامركزية وأوراق الاعتماد الرقمية القابلة للتحقق وتقنيات التشفير. وتسمح هذه الأدوات بإنشاء علاقة ثقة بين الجهة التي تصدر الاعتماد، والمستخدم الذي يحتفظ به، والجهة التي تحتاج إلى التحقق منه. ولا يعني ذلك أن المؤسسات تختفي من عملية الهوية، بل تتغير وظيفتها من الاحتفاظ الدائم بكل البيانات إلى إصدار الاعتمادات أو التحقق من صحتها وفق قواعد واضحة.
وتوفر هذه البنية مزايا مهمة في مجال الأمن السيبراني. فكلما قلت قواعد البيانات المركزية الضخمة قلت جاذبية بعض الأهداف أمام المهاجمين. كما يمكن أن يؤدي توزيع البيانات وتقليل الإفصاح إلى الحد من حجم الضرر عند وقوع الاختراق. ومع ذلك لا تعني اللامركزية انعدام المخاطر؛ فإذا فقد المستخدم مفاتيحه الرقمية أو تعرض جهازه للاختراق فقد يواجه صعوبة في الوصول إلى هويته أو قد تتعرض أوراق اعتماده للخطر. ولهذا تحتاج الأنظمة إلى آليات آمنة للاسترداد دون إعادة إنشاء نقطة مركزية ضعيفة.
ويعد التحكم الذي يمنح للمستخدم من أبرز الوعود المرتبطة بهذا النموذج. ففي النظام التقليدي قد لا يعرف الشخص عدد الجهات التي تحتفظ بنسخ من بياناته، ولا المدة التي تستمر فيها تلك البيانات. أما في النموذج اللامركزي فيفترض أن تكون لديه قدرة أكبر على اختيار المعلومات التي يقدمها والجهة التي يقدمها إليها. وهذا التحول ينسجم مع الاتجاه المتزايد نحو الخصوصية بحسب التصميم، حيث تصبح حماية البيانات جزءاً من هندسة النظام منذ البداية بدلاً من إضافتها بعد تشغيله.
لكن مفهوم السيطرة الذاتية على الهوية لا ينبغي فهمه بصورة مطلقة. فليس جميع المستخدمين قادرين على إدارة مفاتيح تشفير أو التعامل مع إجراءات تقنية معقدة. وإذا صممت الأنظمة بطريقة تفترض مستوى عالياً من المعرفة التقنية فقد تتحول اللامركزية إلى عبء على المستخدم بدلاً من أن تكون وسيلة لحمايته. ولذلك تمثل سهولة الاستخدام عنصراً أمنياً بحد ذاته؛ فالنظام الذي يدفع المستخدم إلى حلول غير آمنة بسبب تعقيده يفشل في تحقيق غايته.
كما تظهر مشكلة الثقة في الجهة المصدرة للاعتماد. فاللامركزية لا تجعل كل ادعاء رقمياً صحيحاً بصورة تلقائية، بل ينبغي أن يعرف المتلقي من أصدر الاعتماد وما إذا كانت له صلاحية أو موثوقية كافية. فإذا كانت جامعة تصدر شهادة رقمية، أو جهة حكومية تصدر إثبات هوية، أو مؤسسة مالية تصدر اعتماداً معيناً، فإن قيمة الاعتماد تعتمد على الثقة في المصدر وعلى سلامة آلية التحقق. وبذلك تنتقل بعض عناصر الثقة من تخزين البيانات إلى إدارة العلاقات بين الجهات المصدرة والمتحققة.
ومن القضايا المهمة أيضاً قابلية التشغيل البيني. فإذا طورت كل مؤسسة نظام هوية مغلقاً لا يعمل إلا داخل منصتها فلن تتحقق الفائدة الأساسية من اللامركزية. المطلوب هو وجود معايير تقنية تسمح باستخدام أوراق الاعتماد بين أنظمة مختلفة بصورة آمنة. وتكتسب المعايير المفتوحة أهمية كبيرة لأنها تمنع احتكار الهوية الرقمية داخل نظام تقني واحد، وتمنح المستخدم حرية أكبر في اختيار التطبيقات والمحافظ الرقمية التي يستخدمها.
ويؤثر هذا الموضوع بصورة مباشرة في مستقبل الخدمات الحكومية الرقمية. فوجود هوية قابلة للتحقق بصورة آمنة قد يسهل الوصول إلى الخدمات من دون تكرار إدخال البيانات في كل مؤسسة. ويمكن للمواطن أن يستخدم مجموعة من الاعتمادات الرسمية لإثبات المعلومات المطلوبة مع الاحتفاظ بقدر أكبر من السيطرة عليها. لكن نجاح ذلك يتطلب بنية قانونية وتنظيمية تحدد مسؤولية الجهات المصدرة، وقواعد حماية البيانات، وإجراءات إلغاء الاعتماد أو تحديثه عند تغير المعلومات.
وفي القطاع الخاص يمكن أن تسهم الهوية اللامركزية في تقليل عمليات إنشاء الحسابات المتكررة وتبسيط التحقق من العملاء والموظفين والمؤهلات. وقد تستفيد المؤسسات من تقليل كمية البيانات الحساسة التي تضطر إلى تخزينها، لأن الاحتفاظ ببيانات أقل يعني التزامات ومخاطر أقل عند الاختراق. ومع ذلك ينبغي ألا تستخدم التقنية ذريعة لإنشاء أنظمة مراقبة جديدة تربط كل أنشطة الفرد بهوية واحدة قابلة للتتبع.
وتبرز هنا قضية قابلية الربط بين المعاملات. فإذا كان استخدام الهوية اللامركزية يؤدي إلى إنشاء أثر رقمي يسمح بتجميع أنشطة الشخص عبر خدمات متعددة، فقد تنخفض الخصوصية رغم أن البيانات موزعة تقنياً. ولهذا يجب تصميم الأنظمة بحيث تقلل إمكان تتبع المستخدم بين السياقات المختلفة، وأن تسمح باستخدام معرّفات أو إثباتات مناسبة لكل علاقة بدلاً من فرض هوية رقمية موحدة تظهر في جميع الأنشطة.
كما أن فقدان الهاتف أو الجهاز الذي يحتوي على المحفظة الرقمية يمثل تحدياً عملياً. فالهويات التقليدية تتيح غالباً مراجعة جهة مركزية لاستعادة الحساب، بينما تحتاج الأنظمة اللامركزية إلى حلول استرداد تحقق توازناً بين الأمان وسهولة الوصول. ويمكن استخدام نسخ احتياطية مشفرة أو آليات استرداد موزعة أو أجهزة متعددة، لكن كل خيار يضيف اعتبارات جديدة ينبغي تقييمها بعناية.
ومن منظور الأمن المعلوماتي، ينبغي ألا ينظر إلى اللامركزية باعتبارها حلاً سحرياً. فهي تعالج بعض المخاطر لكنها قد تنشئ مخاطر أخرى. لذلك يجب تطبيق مبادئ الأمن المتعدد الطبقات، مثل حماية الأجهزة، والتشفير، والتحقق القوي، وإدارة المفاتيح، والتحديثات المستمرة، ومراقبة البرمجيات المستخدمة في المحافظ الرقمية. إن قوة المفهوم لا تعفي من ضرورة التنفيذ الآمن.
ويكتسب الذكاء الاصطناعي أهمية متزايدة في هذا المجال من زاويتين متعارضتين. فمن جهة يمكن استخدامه في اكتشاف محاولات الاحتيال وانتحال الهوية، ومن جهة أخرى تستطيع تقنيات التزييف العميق والهندسة الاجتماعية إنتاج محاولات أكثر إقناعاً لخداع أنظمة التحقق والمستخدمين. ولذلك قد يصبح الاعتماد على السمات البيومترية وحدها أقل كفاية، وتزداد الحاجة إلى إثباتات تشفيرية وسياقية متعددة.
وتثير الهوية الرقمية اللامركزية كذلك سؤال الشمول الرقمي. فنجاحها لا يقاس فقط بمستوى الحماية الذي توفره للمستخدم المتقدم تقنياً، وإنما بقدرتها على خدمة كبار السن والأشخاص ذوي المهارات الرقمية المحدودة ومن لا يمتلكون أجهزة حديثة أو اتصالاً مستقراً بالإنترنت. وإذا أصبحت الهوية الرقمية شرطاً للحصول على الخدمات الأساسية فيجب أن تتوافر بدائل ومسارات مساعدة تمنع تحول التقنية إلى مصدر جديد للإقصاء.
ويحتاج الانتقال إلى هذا النموذج إلى حوكمة واضحة. فحتى الأنظمة اللامركزية تحتاج إلى قواعد تحدد من يستطيع إصدار اعتماد معين، وكيف يمكن سحبه، وكيف تعالج المنازعات، ومن يتحمل المسؤولية عند إصدار معلومات غير صحيحة أو عند فشل التحقق. ولذلك فإن اللامركزية التقنية لا تعني غياب التنظيم، بل قد تتطلب تنظيماً أكثر دقة يحدد الأدوار دون أن يعيد تركيز السيطرة في جهة واحدة.
وفي المستقبل يمكن أن تؤدي الهوية اللامركزية إلى تغيير العلاقة بين المستخدم والمنصات الرقمية. فبدلاً من أن تبدأ كل علاقة جديدة بتسليم مجموعة من البيانات إلى منصة أخرى، قد يصبح المستخدم قادراً على تقديم إثبات محدود ومؤقت يناسب الغرض المطلوب. وإذا تحقق ذلك بصورة واسعة فقد ينخفض الاعتماد على كلمات المرور وقواعد بيانات الحسابات التقليدية، وتتحول الهوية إلى مجموعة من الاعتمادات القابلة للتحقق التي يتحكم المستخدم في طريقة استخدامها.
غير أن الوصول إلى هذا المستقبل يتطلب معالجة مسائل المعايير والثقة والاسترداد وسهولة الاستخدام والتشريعات وقابلية التشغيل البيني. كما يتطلب مقاومة النزعة إلى تحويل مفهوم اللامركزية إلى شعار تسويقي دون تغيير حقيقي في توزيع السيطرة على البيانات. فالمعيار الأساسي لنجاح النظام ينبغي أن يكون مقدار ما يمنحه للمستخدم من حماية فعلية وخيارات واضحة، لا مجرد استخدامه لتقنيات حديثة.
وخلاصة القول إن الهوية الرقمية اللامركزية تمثل اتجاهاً مهماً في تطور تكنولوجيا المعلومات لأنها تحاول معالجة مشكلة جوهرية في الإنترنت المعاصر: تراكم بيانات الهوية في عدد كبير من الأنظمة المركزية. وهي تقدم تصوراً ينتقل من امتلاك المنصات للبيانات إلى تمكين المستخدم من تقديم إثباتات رقمية أكثر تحديداً وأقل كشفاً للمعلومات. ومع ذلك فإن نجاحها يتوقف على التصميم الآمن والحوكمة والمعايير وسهولة الاستخدام وحماية الفئات الأقل قدرة على التعامل مع التقنية. وإذا أمكن تحقيق هذا التوازن، فقد تصبح الهوية اللامركزية إحدى الأدوات الأساسية لبناء فضاء إلكتروني تكون فيه الثقة قابلة للتحقق، والخصوصية جزءاً من البنية التقنية، والمستخدم أكثر قدرة على التحكم في حضوره الرقمي.

قد يعجبك ايضا