الاستاذ الدكتور
نزار الربيعي
نضمت القصيدة في هذه اللوحة من قبل الاستاذ الدكتور (عبدالسلام الحديثي) وبأمر من حضرة السلطان الخليفة محمد محمد الكسنزان (قدس الله سره ) وحررها الخطاط رضوان الحسيني

اللوحة تقوم على بناء خطي مركب، يجمع بين الكتابة العربية ذات النزعة الزخرفية وبين نصوص تبدو كردية مكتوبة بالحرف العربي في بعض المواضع. والخطاط لا يتعامل مع الكتابة باعتبارها وسيلة لنقل النص فقط، وإنما يحولها إلى هندسة بصرية. ويظهر ذلك بوضوح في العبارات الكبيرة التي تفصل بين المقاطع؛ إذ تتسع الحروف أفقياً، وتطول المدات، وتتداخل بعض العناصر الصاعدة والنازلة، بحيث تصبح الجملة نفسها إطاراً زخرفياً. وتبدو في اللوحة تأثيرات واضحة من الخط الثلث وما يرتبط به من أساليب التكوين الجلي والزخرفي، ولا سيما في العناوين والعبارات الكبرى، بينما تميل الكتابة التفسيرية الأصغر إلى قدر أكبر من البساطة والوضوح. وهذا التفاوت مقصود؛ فالخطاط يضع أمام المتلقي مستويين للقراءة: مستوى بصري احتفالي تمثله العبارات الكبرى، ومستوى معرفي أو تفسيري تمثله النصوص الأصغر. ومن السمات المهمة أيضاً اعتماد التناظر. فاللوحة مقسمة بصرياً إلى وحدات متقابلة، وفي قلب عدد من هذه الوحدات أشكال بيضوية أو لوزية زخرفية تضم أسماء أو عبارات مركزية. وهذه الطريقة تجعل العين تنتقل من المركز إلى الأطراف ثم تعود إلى المركز، وهو أسلوب معروف في الفن الإسلامي الذي يميل إلى بناء الوحدة من خلال التكرار والتناظر والتوازن. ثانياً: أفكار الخطاط وفلسفة اللوحة الفكرة الأعمق التي يمكن استنباطها من التكوين هي أن الخطاط أراد أن يجعل الخط حاملاً للمعنى الروحي، لا مجرد حاملاً للكلمات. فوجود الأسماء والعبارات ذات الدلالة الدينية والصوفية داخل أشكال زخرفية، وربطها بنصوص أخرى، يوحي بفكرة السلسلة والاتصال والاستمرار. وبعبارة أخرى، فإن اللوحة تبدو وكأنها تحاول تمثيل المعنى الروحي في صورة بصرية: هناك مركز، وهناك امتداد، وهناك اتصال بين الأسماء والنصوص. ومن هنا يمكن قراءة المدات الطويلة في الحروف والخطوط الأفقية ليس باعتبارها ضرورة خطية فقط، بل باعتبارها عنصراً يحقق مفهوم الاستمرار والاتصال. ويزداد هذا المعنى أهمية إذا كانت اللوحة مرتبطة بالطريقة الكسنزانية أو بسلسلة مشايخها، كما توحي بعض النصوص الظاهرة فيها. ففي هذه الحالة تصبح اللوحة تمثيلاً بصرياً لمفهوم السلسلة الروحية؛ أي انتقال المعرفة والتربية والإجازة من شيخ إلى آخر، بحيث تتحول الأسماء من بيانات تاريخية إلى حلقات في بناء روحي متصل. كما يظهر أن الخطاط حاول الجمع بين الهوية الدينية والهوية الثقافية المحلية؛ فالكتابة العربية والكردية بالحرف العربي داخل فضاء خطي واحد تكشف عن بيئة ثقافية لم تكن تفصل بين الفن الديني واللغة المحلية والتراث الصوفي. ثالثاً: أهمية اللوحة تكمن أهمية هذه القطعة في أنها تؤدي أكثر من وظيفة في الوقت نفسه. فهي أولاً عمل فني خطي يكشف مستوى الخطاط في ضبط الحروف، والمدات، والتناسب، والتكوين، والتوازن بين الفراغ والكتلة. وهي ثانياً وثيقة ثقافية تساعد على دراسة طبيعة الخط والكتابة في البيئة التي أنتجتها. وهي ثالثاً وثيقة صوفية يمكن من خلالها دراسة كيفية التعبير عن السلسلة والمشيخة والرموز الروحية بواسطة الفن. أما من الناحية التاريخية، فإن الكتابة الصغيرة الموجودة في أسفل اللوحة مهمة جداً؛ لأنها تبدو أقرب إلى تقييد توثيقي يتضمن معلومات عن صاحب اللوحة أو من نظمها أو خطها، وربما تاريخ إنجازها. وهذه الكتابة تحديداً ينبغي قراءتها حرفياً بدقة قبل إصدار حكم نهائي على تاريخ القطعة ونسبتها إلى خطاط معين. قراءة فنية أعمق الميزة اللافتة في هذه اللوحة أن الخطاط لم يجعل الزخرفة منفصلة عن النص؛ بل جعل النص نفسه زخرفة والزخرفة جزءاً من المعنى. وهذا مبدأ مهم في فلسفة الخط الإسلامي: الكلمة المقروءة تتحول إلى صورة، والصورة تعيد المتلقي إلى الكلمة. ومن ثم يمكن القول إن الخطاط بنى اللوحة على ثلاث دوائر متداخلة: الجمال، والذاكرة، والروح. الجمال يتحقق في هندسة الحرف؛ والذاكرة تتحقق في تثبيت الأسماء والسلسلة؛ والروح تتحقق في الدلالات الدينية والصوفية التي تربط أجزاء اللوحة. لهذا فإن قيمتها لا ينبغي أن تقاس بجمال الخط وحده، بل بما تمثله من ذاكرة بصرية للتصوف الكردي والعراقي ومن شاهد على تفاعل الخط العربي مع البيئة الكردية والثقافة الصوفية.
و صلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة.