اليوم الدولي للشعوب الأصلية.. الكورد: هوية تحافظ على حضورها من الذاكرة إلى المستقبل

ياسين الحديدي

في التاسع من أغسطس/آب من كل عام، يحتفل العالم باليوم الدولي للشعوب الأصلية، وهي مناسبة أقرتها الأمم المتحدة بهدف تعزيز الوعي بحقوق هذه الشعوب، وحماية لغاتها وثقافاتها وتراثها، والتأكيد على أهمية التنوع الثقافي والإنساني.

ويشكّل هذا اليوم مناسبة للتوقف عند الشعوب التي استطاعت، رغم الحروب والتحولات السياسية والاجتماعية، الحفاظ على هويتها وذاكرتها الثقافية، ومن بينها الشعب الكوردي، الذي يمتلك تاريخاً عريقاً، ولغة وثقافة وتراثاً غنياً أسهمت جميعها في إثراء الحياة الثقافية والاجتماعية في المنطقة.

الكورد.. هوية حافظت على حضورها

يمتد الوجود الكوردي التاريخي في مناطق واسعة من الشرق الأوسط، ولا سيما في العراق وتركيا وإيران وسوريا. وعلى مدى قرون، حافظ الكورد على عناصر أساسية من هويتهم، وفي مقدمتها اللغة والعادات والتقاليد والأدب والموسيقى والتراث الشعبي.

ولم تكن الهوية الكوردية مجرد انتماء جغرافي، بل شكّلت منظومة متكاملة من اللغة والذاكرة والثقافة والانتماء، استطاعت أن تحافظ على حضورها واستمراريتها رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة عبر التاريخ.

اللغة والثقافة.. ذاكرة شعب

تُعد اللغة الكوردية إحدى أبرز ركائز الهوية، فهي تحمل تاريخاً طويلاً من الأدب والشعر والأمثال والحكايات الشعبية التي تناقلتها الأجيال وحافظت عليها من الاندثار.

وفي الوقت الراهن، تبرز الحاجة إلى تعزيز حضور اللغة الكوردية في مجالات التعليم والإعلام والنشر والفضاء الرقمي، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة في توثيقها وحمايتها وتوسيع نطاق استخدامها.

كما تمثل الموسيقى والأغنية والدبكات والأزياء والحرف التقليدية والأدب والموروث الشعبي مكونات أساسية للثقافة الكوردية. ويأتي عيد نوروز في مقدمة رموزها الثقافية، لما يحمله من معاني التجدد والأمل والحياة، وما يمثله من مناسبة راسخة في الذاكرة والوجدان الشعبي.

إقليم كوردستان.. الحفاظ على الهوية وبناء المستقبل

وفي العراق، يمثل إقليم كوردستان مساحة مهمة للحياة الثقافية الكوردية، إذ تحضر اللغة في مجالات التعليم والإعلام والمؤسسات والحياة العامة، إلى جانب النشاط المتواصل للجامعات والمؤسسات الثقافية ودور النشر ووسائل الإعلام.

وقد أسهمت مدن أربيل والسليمانية ودهوك وحلبجة في إثراء المشهد الثقافي، وتعزيز حضور الأدب والفنون والصحافة والبحث الأكاديمي، فضلاً عن دورها في احتضان الفعاليات والمبادرات التي تعنى باللغة والثقافة والتراث.

غير أن الحفاظ على الهوية لا يعني البقاء في الماضي؛ فالتراث يمكن أن يتحول إلى قوة تدفع نحو المستقبل، من خلال التعليم والسياحة الثقافية والفنون والتكنولوجيا والرقمنة. كما أن توثيق المخطوطات والأغاني والحكايات الشعبية والصور والوثائق، وإتاحتها للأجيال الجديدة، يمثل خطوة أساسية في صون الذاكرة الثقافية وإيصال الثقافة الكوردية إلى العالم.

من الذاكرة إلى المستقبل

إن الاحتفال باليوم الدولي للشعوب الأصلية لا يقتصر على الدعوة إلى حماية التنوع الثقافي، بل يمثل أيضاً مناسبة للتأكيد على أهمية الاستثمار في الإنسان والتعليم وتمكين الشباب، بوصفهم حَمَلة الهوية وصنّاع المستقبل.

وبالنسبة إلى الكورد، فإن الحفاظ على اللغة والثقافة والتراث لا يتعارض مع الانفتاح على العالم، بل يمنح الأجيال الجديدة جذوراً راسخة تساعدها على مواكبة التكنولوجيا والتطور، والمشاركة بصورة فاعلة في المجتمع الدولي.

وفي التاسع من أغسطس/آب، تبرز رسالة واضحة مفادها أن التنوع بين الشعوب ثروة إنسانية، وأن اندثار لغة أو ثقافة أو ذاكرة يعني خسارة جزء من التراث الإنساني المشترك.

وبالنسبة إلى الشعب الكوردي، تبقى هذه المناسبة فرصة للتأكيد على أهمية الحفاظ على لغته وثقافته وتراثه، ونقلها من جيل إلى آخر، ليس بوصفها إرثاً من الماضي فحسب، بل باعتبارها جسراً نحو المستقبل.

فالشعوب التي تحافظ على ذاكرتها، وتحمي لغتها وثقافتها، تمتلك جذوراً أكثر رسوخاً وقدرة أكبر على صناعة مستقبلها

قد يعجبك ايضا