(أحمد عبد الباقي) بين الإدارة والمعرفة وجسر الترجمة إلى الحداثة

محمد علي محيي الدين

وُلد أحمد عبد الباقي في بغداد عام 1917، في مرحلة كانت فيها المدينة تعيش تحولات سياسية وفكرية عميقة، تتداخل فيها ملامح الدولة الحديثة مع إرث طويل من الثقافة والتعليم التقليدي. نشأ في هذا المناخ المتغير، فكان منذ بداياته أقرب إلى عالم المعرفة، متوجهاً إلى الدراسة والتكوين الأكاديمي بوصفهما طريقاً أساسياً لفهم الدولة والمجتمع.

تخرج في دار المعلمين العالية، وحصل على شهادة الليسانس عام 1942، ليبدأ بعد ذلك مساراً مهنياً جمع بين التعليم والعمل الإداري. مارس التدريس والتفتيش التربوي في بداياته، فكان قريباً من الحقل التربوي من جهة التكوين والممارسة، وهو ما منحه خبرة مباشرة في بنية التعليم العراقي وتحدياته في تلك المرحلة المبكرة من بناء المؤسسات.

غير أن مسيرته لم تتوقف عند حدود التعليم، إذ انتقل تدريجياً إلى العمل الإداري والمالي في مؤسسات الدولة، فشغل مناصب مهمة في وزارة المالية، حيث عُيّن مديراً للميزانية عام 1953، ثم مديراً للحسابات في وزارة الإعمار عام 1956، قبل أن يتولى منصب وكيل وزارة المالية عام 1959. هذه المناصب تعكس انتقاله من المجال التربوي إلى قلب الجهاز الإداري للدولة، في مرحلة كانت فيها العراق يشهد توسعاً في مؤسساته الاقتصادية والمالية.

وفي السنوات اللاحقة، واصل صعوده الوظيفي، فشغل عضوية مجلس الخدمة عام 1964، ثم تولى منصب نائب محافظ البنك المركزي، وهو موقع يعكس الثقة العالية التي حظي بها في إدارة الشأن المالي والنقدي، ودوره في صياغة السياسات الاقتصادية للدولة في فترة دقيقة من تاريخها.

إلى جانب عمله الإداري، كان أحمد عبد الباقي باحثاً ومترجماً، امتدت اهتماماته إلى مجالات التاريخ والاقتصاد والفكر. فقد أسهم في نقل عدد من الأعمال الفكرية المهمة إلى اللغة العربية، من أبرزها كتاب “الثورة الكوبرنيكية أو النظام الفلكي الحديث” لبرتراند رسل، الذي ترجمه وصدر في القاهرة عام 1948، في وقت كان فيه الانفتاح على الفكر الغربي الحديث جزءاً من حركة ثقافية أوسع في العالم العربي.

كما ألّف وشارك في إعداد عدد من الكتب ذات الطابع الإداري والتعليمي، من بينها كتاب “ميزانية الدولة العراقية” الصادر عام 1947، وكتاب “وادي الرافدين مهد الحضارة” الذي صدر مترجماً عام 1948، إضافة إلى تحقيقه لكتاب “الطف التدبير” لمحمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي، الذي طبع في القاهرة عام 1964. وتكشف هذه الأعمال عن اهتمامه بالجمع بين المعرفة التراثية والفكر الحديث، ومحاولته بناء جسر معرفي بين الماضي والحاضر.

وقد ورد في بعض الوثائق أنه أسهم أيضاً في تأليف كتب منهجية في التاريخ والجغرافية للمرحلة الثانوية، وهو ما ينسجم مع خلفيته التربوية، ويؤكد حضوره في صياغة جزء من الوعي التعليمي في العراق خلال منتصف القرن العشرين.

يمثل أحمد عبد الباقي نموذجاً للمثقف الإداري الذي جمع بين المعرفة النظرية والخبرة العملية، فلم يكن باحثاً في برجٍ معزول، بل كان جزءاً من جهاز الدولة، يسهم في بناء مؤسساتها المالية والتعليمية، وفي الوقت نفسه ينفتح على حركة الترجمة والفكر العالمي. هذا التداخل بين الإدارة والمعرفة يمنح سيرته طابعاً خاصاً، يعكس مرحلة كان فيها المثقف العراقي فاعلاً في الدولة، لا مجرد مراقب لها.

وبذلك، يمكن النظر إلى تجربته بوصفها امتداداً لجيل من الكتّاب والموظفين الذين أسهموا في تأسيس البنية الحديثة للدولة العراقية، عبر الجمع بين العمل الوظيفي والاشتغال الثقافي، وبين التخصص الإداري والانفتاح الفكري، في سياق تاريخي كان يتشكل فيه العراق الحديث بكل تعقيداته وتحولاته.

قد يعجبك ايضا