نوري جاسم
منذ أن رفع الإنسان عينيه إلى السماء، بدأ السؤال الأكبر: أين ينتهي الكون؟ سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه كلما اقتربنا من أعماقه أصبح أكثر تعقيدًا. فإذا تخيلنا إنسانًا يسير في خط مستقيم داخل الكون، متجهًا إلى الأمام بلا توقف، فإن أول ما سيواجهه ليس بالضرورة جدارًا أو حافة أو مكانًا مكتوبًا عليه «هنا تنتهي الأشياء». فالعلم الحديث لا يقدم لنا دليلًا على وجود حافة للكون يمكن الوصول إليها. بل إن السؤال نفسه قد يكون أعمق من قدرتنا على تصوره؛ لأننا نحاول أن نضع اللانهاية داخل خيال محدود.
الكون أكبر من الصورة التي يرسمها العقل. الإنسان يستطيع أن يتخيل مدينة، ثم دولة، ثم قارة، ثم الأرض، ثم النظام الشمسي، ثم مجرة، ثم مليارات المجرات.
لكن عندما نصل إلى الكون بأبعاده الهائلة، تبدأ اللغة نفسها في فقدان قدرتها على الإحاطة. نقول: «مليارات السنين الضوئية»، فنحن نفهم الكلمات، لكننا لا نمتلك بالضرورة صورة ذهنية حقيقية لحجمها. وهنا تظهر إحدى أعظم خصائص العقل البشري: أنه يستطيع أن يعرف شيئًا لا يستطيع أن يتخيله بالكامل. فنحن نستطيع أن نفهم مفهوم اللانهاية رياضيًا، لكن لا نستطيع أن نضع لها صورة نهائية في أذهاننا. هل للكون نهاية؟
حتى الآن، لا نملك جوابًا نهائيًا عن طبيعة الكون كله. ما نستطيع الحديث عنه بثقة أكبر هو الكون المرصود؛ أي الجزء الذي تمكن ضوءه من الوصول إلينا منذ بدايات الكون. وهذا لا يعني أن ما وراءه غير موجود، بل يعني أن قدرتنا على الرصد مرتبطة بسرعة الضوء وعمر الكون وتوسع الفضاء. وقد يكون الكون أكبر بكثير من الجزء الذي نستطيع رؤيته، وربما يكون لا نهائيًا، وربما تكون له بنية هندسية تجعل الكون محدودًا من دون أن تكون له «حافة» بالمعنى المعتاد. وهنا تظهر المفارقة: قد يكون الشيء محدودًا من دون أن تكون له نهاية يمكن أن تصل إليها. تمامًا كما يستطيع الإنسان أن يسير على سطح الأرض دون أن يصل إلى حافة يسقط منها، مع أن سطح الأرض محدود المساحة. لكن الكون أكثر تعقيدًا بكثير من هذا المثال البسيط، لأننا نتحدث عن بنية الزمكان نفسه، لا عن سطح ثنائي الأبعاد. وماذا يوجد بعد آخر شيء؟
ربما يكون هذا السؤال مبنيًا على تصور خاطئ. فنحن معتادون على أن لكل شيء نهاية: للشارع نهاية، وللبناء نهاية، وللأرض التي نسير عليها حدود، وللطريق نقطة يصل إليها المسافر. لذلك عندما نتخيل الكون، نضع له تلقائيًا «خارجًا» نقف فيه بعد الوصول إلى نهايته. لكن السؤال يصبح أكثر صعوبة عندما ندرك أن الكون لا يُفترض أنه جسم موجود داخل مكان أكبر منه. فالفضاء نفسه جزء من الكون الذي نصفه. ولهذا فإن السؤال: «ماذا يوجد خارج الكون؟» قد لا يكون شبيهًا بسؤال «ماذا يوجد خلف الجدار؟». ربما لا يكون هناك «خارج» بالمعنى المكاني الذي اعتاد العقل البشري التعامل معه. حدود العقل ليست نهاية المعرفة وهنا نصل إلى نقطة بالغة الأهمية. إذا عجز الإنسان عن تصور شيء، فهذا لا يعني أن الشيء غير موجود.
العقل البشري تطور للتعامل مع عالم الحياة اليومية: المسافات التي نمشيها، والأشياء التي نلمسها، والأحجام التي نراها. لكن الطبيعة في أعماقها لا تلتزم دائمًا بالصور البسيطة التي اعتدناها. وفي العالم الكوني، نتعامل مع مسافات هائلة وزمن عميق وانحناء للزمكان وسرعات وحدود للرصد وأحداث لا يمكن للإنسان أن يشاهدها مباشرة. ومع ذلك، يستطيع العقل أن يضع لها نماذج رياضية، ويختبر نتائجها، ويقارنها بالمشاهدات. وهذا أمر مذهل في حد ذاته: العقل لا يحتاج دائمًا إلى أن يرى الشيء لكي يبدأ في فهمه. وكل اكتشاف يفتح بابًا جديدًا ربما كان الإنسان قديمًا يظن أن السماء فوقه مجرد قبة عظيمة، ثم اكتشف أن الأرض كوكب.
ثم اكتشف أن الأرض تدور حول الشمس. ثم عرف أن الشمس نفسها ليست مركز الكون، وإنما نجم ضمن مجرة. ثم عرف أن مجرتنا ليست وحدها، بل توجد أعداد هائلة من المجرات. وكلما اتسعت معرفتنا، لم يتقلص الكون أمامنا، بل ازداد اتساعًا في وعينا. وهذا يقودنا إلى حقيقة جميلة: العلم لا يجعل الكون أصغر، وإنما يجعل جهلنا أكثر وضوحًا. فكل إجابة علمية عظيمة تلد أسئلة جديدة. والإنسان بين المعرفة واللانهاية نحن مخلوقات صغيرة جدًا مقارنة بمقاييس الكون، ومع ذلك امتلكنا القدرة على طرح أسئلة عنه. وهذه المفارقة مذهلة.
إنسان يعيش عقودًا قليلة يستطيع أن يفكر في مليارات السنين. وعقل محدود يستطيع أن يتساءل عن اللانهاية. ومخلوق يعيش على كوكب صغير يستطيع أن يحاول فهم المجرات والثقوب السوداء وبداية الكون ومستقبله. لذلك ربما لا تكمن عظمة الإنسان في أنه يستطيع معرفة كل شيء، فهذا مستحيل، وإنما في أنه يدرك حدود معرفته ويواصل البحث بعدها.
حين يعترف العلم بأنه لا يعلم ليست كلمة «لا نعلم» علامة ضعف في العلم. بل هي إحدى علامات قوته. العلم الحقيقي لا يملأ الفراغات بالخيال، ولا يحول الاحتمالات إلى حقائق، ولا يدعي امتلاك إجابة لم تثبتها الأدلة. عندما يقول العالم: «لا نعرف بعد»، فهو يترك الباب مفتوحًا أمام اكتشاف جديد. وهكذا تقدم المعرفة الإنسانية لا يحدث فقط عندما نجد الإجابات، وإنما أيضًا عندما نكتشف أن السؤال الذي طرحناه كان أعمق مما تصورنا.
في النهاية ربما لن يستطيع الإنسان أن يقف يومًا عند «آخر شيء في الكون». وربما لا يوجد آخر شيء أصلًا. وربما يكون الكون محدودًا بطريقة لا تشبه حدود الأشياء التي نعرفها. وربما تكون هناك جوانب من الواقع لا تستطيع حواسنا وعقولنا الحالية الوصول إليها. لكن المؤكد أن الإنسان سيواصل النظر إلى السماء. سيواصل بناء المراصد، وإرسال المركبات، وتطوير النظريات، وطرح الأسئلة. لأن الفضول جزء من طبيعتنا. وكلما تقدمنا خطوة في فهم الكون، اكتشفنا أن الأفق يبتعد خطوة أخرى. فنحن لا نعيش في كونٍ عرفناه، بل في كونٍ بدأنا فقط نفهمه. وربما تكون أعظم درجات المعرفة ليست أن نملك جوابًا عن كل شيء، وإنما أن نملك الشجاعة لنقول: هنا تنتهي معرفتي… وهنا يبدأ المجهول. ومن تلك النقطة بالذات يبدأ السؤال الجديد. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ..