كيف نغرس حقوق الإنسان في تربية أبنائنا؟

الدكتور كريم شمخي جبر

 

تبدأ قصة حقوق الإنسان الحقيقية ليس في القصور ولا في المؤتمرات الدولية، بل في ركن صغير في المنزل، حيث يجلس الأب مع طفله ليشرح له أن رأيه مسموع،  فالأسرة هي المختبر الأول الذي يتعلم فيه الطفل معنى الكرامة، وهي المدرسة التي تغرس في روحه احترام الذات واحترام الآخر قبل أن تدخل أي مدرسة نظامية، وإذا أردنا لمجتمعاتنا أن تنهض وتتقدم، فعلينا أن نبدأ من هذه الزوايا الدافئة، حيث تتربى الأجيال على أن العدالة ليست كلمة في الكتب، بل سلوك يومي يمارس في التعامل مع الإخوة والجيران والخدم، وأن الحرية ليست شعاراً يُرفع في المظاهرات، بل هي أن يشعر الطفل بأن له حقاً في الاختيار، وحقاً في الخطأ، وحقاً في أن يعترض بأدب على قرار يظلمه، وكل هذه الحقوق الصغيرة التي نمنحها لأطفالنا في حياتهم اليومية هي التي تشكل وعيهم الحقوقي عندما يكبرون، وتجعلهم مواطنين لا يقبلون بالظلم، ولا يسكتون عن الفساد، ولا يترددون في المطالبة بحقوقهم وكرامتهم.

إن التعامل مع مفهوم حقوق الإنسان في التربية الأسرية لا يحتاج إلى خطط معقدة أو نظريات فلسفية، بل يحتاج إلى أب يعرف كيف يستمع لابنه دون أن يقاطعه، وإلى أم تعلم طفلها أن الاختلاف بين الناس ليس تهديداً بل ثراء، وإلى أسرة تضع قوانينها بالتشاور مع جميع أفرادها، فلا تكون الأوامر والنواهي هي اللغة السائدة، بل الحوار والتفاهم، وهذه الممارسات البسيطة هي التي تغرس في الطفل الإحساس بأن له قيمة، وأن كرامته محفوظة، وأن رأيه مهم، وعندما يكبر هذا الطفل، سيصبح إنساناً يرفض أن يُعتدى على حريته، ويدافع عن حق الضعيف، ولا يقبل بأن يكون مجرد رقم في نظام إداري، بل يصر على أن يكون شريكاً فاعلاً في بناء مجتمعه، وهكذا نستطيع أن نصنع تغييراً حقيقياً، ليس بالقوانين التي تشرع من فوق، بل بالتربية التي تنبت من تحت، لأن الأسر التي تزرع كرامة أبنائها هي التي تحصد مجتمعات لا تعرف الظلم، وكل طفل ينشأ على احترام حقوقه وحقوق الآخرين هو لبنة في صرح نهضة حقيقية، لا تنهار بفعل الأزمات، لأنها مبنية على أساس متين من الوعي والكرامة الإنسانية، وحين يصبح احترام الحقوق جزءاً من الروتين اليومي في بيوتنا، لن نحتاج بعدها إلى حملات توعية أو مواثيق دولية لتذكير الناس بحقوقهم، لأن الكرامة ستصبح جزءاً من هويتهم، وكأنها الدم الذي يجري في عروقهم، لا يمكنهم العيش بدونه .

غير أن التحدي الأكبر الذي تواجهه الأسر في ترسيخ ثقافة الحقوق ليس نقص الرغبة، بل غياب النموذج العملي، فالطفل يتعلم بالقدوة قبل الكلام، وبالمشاهدة قبل النصيحة، فكيف يمكننا أن نعلم أبناءنا احترام حرية الآخرين ونحن نصرخ في وجوههم ونقمع آراءهم؟ وكيف نغرس فيهم قيم المساواة ونحن نميز بين الذكور والإناث في المعاملة والاهتمام؟ وكيف نطلب منهم الصدق ونحن نكذب أمامهم في مكالماتنا اليومية؟ إن التربية الحقوقية ليست منهجاً نظرياً نلقنه، بل هي حياة نعيشها أمام أبنائنا، تتجسد في كل نظرة حانية، وكل كلمة تشجيع، وكل اعتذار نقدمه حين نخطئ في حقهم، وكل احترام نبديه لخصوصياتهم، فالأطفال مرايا تعكس ما نفعله لا ما نقوله، وإذا أردنا جيلاً واعياً بحقوقه، فعلينا أولاً أن نكون نحن نموذجاً لهذا الوعي في تصرفاتنا اليومية، وأن نعترف بأن التغيير يبدأ من داخلنا، من قدرتنا على مراجعة أنفسنا، ومن شجاعتنا على الاعتراف بأننا قد نكون جزءاً من المشكلة قبل أن نكون جزءاً من الحل، فحين نصلح بيوتنا، نصلح مجتمعاتنا، وحين نقدس كرامة أطفالنا، نقدس مستقبل أمتنا بأكمله .

 

قد يعجبك ايضا