عطا شميراني
لم يكن قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعليق الضربة العسكرية ضد إيران حدثًا عسكريًا عابرًا، ولا يمكن تفسيره على أنه تراجع أو خوف من المواجهة، كما حاول البعض تصويره. فالسياسة الأمريكية، ولا سيما في عهد ترامب، لا تُدار بمنطق ردود الأفعال، بل بمنطق تحقيق أكبر المكاسب بأقل كلفة ممكنة. ومن هنا، فإن فهم هذا القرار يتطلب قراءة تتجاوز الجانب العسكري، لتصل إلى الحسابات الجيوسياسية والاقتصادية والانتخابية التي تحكم صناعة القرار في البيت الأبيض.
لقد أدرك ترامب أن توجيه ضربة عسكرية واسعة لإيران قد يكون سهلًا من الناحية العسكرية، لكنه سيكون بالغ التعقيد من الناحية السياسية. فإيران ليست دولة معزولة يمكن إسقاطها بضربة جوية خاطفة، بل تمتلك شبكة واسعة من أدوات النفوذ تمتد من الخليج إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن. لذلك فإن أي مواجهة مباشرة قد تتحول بسرعة إلى حرب إقليمية مفتوحة، لا تستطيع واشنطن التحكم بمساراتها أو توقيت نهايتها، وهو سيناريو لا يخدم المصالح الأمريكية.
ومنذ وصوله إلى البيت الأبيض، حرص ترامب على تقديم نفسه بوصفه الرئيس الذي ينهي الحروب ولا يبدأ حروبًا جديدة. وهذه الصورة شكلت جزءًا مهمًا من خطابه السياسي أمام قاعدته الانتخابية التي سئمت من الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان. ولذلك، فإن الانخراط في حرب جديدة مع إيران كان سيشكل تناقضًا واضحًا مع هذا الخطاب، ويمنح خصومه فرصة لاتهامه بإعادة الولايات المتحدة إلى مستنقعات الشرق الأوسط.
إلى جانب ذلك، تدرك الإدارة الأمريكية أن إيران بنت خلال العقود الماضية استراتيجية تقوم على الرد غير المباشر. فبدلًا من مواجهة الجيش الأمريكي وجهًا لوجه، تستطيع طهران استخدام حلفائها وشبكاتها العسكرية المنتشرة في المنطقة، وهو ما يجعل أي حرب أكثر تعقيدًا وأعلى كلفة. كما أن مجرد تهديد الملاحة في مضيق هرمز كفيل بإرباك الاقتصاد العالمي ورفع أسعار النفط، الأمر الذي قد يقود إلى ضغوط اقتصادية واسعة لا ترغب واشنطن في تحمل تبعاتها.
لكن العامل الأكثر أهمية يكمن في طبيعة شخصية ترامب السياسية. فهو رجل صفقات قبل أن يكون رجل حروب. ينظر إلى القوة العسكرية بوصفها وسيلة للضغط، لا غاية بحد ذاتها. ولذلك يعتمد على استراتيجية تقوم على رفع مستوى التهديد إلى الحد الأقصى، ثم فتح باب التفاوض عندما يشعر بأن الطرف الآخر أصبح أكثر استعدادًا لتقديم تنازلات. إنها سياسة يمكن وصفها بـ “التفاوض من موقع القوة”.
وفي هذا السياق، حاول ترامب أن يبعث برسالتين في آن واحد؛ الأولى إلى إيران، ومفادها أن الولايات المتحدة مستعدة لاستخدام القوة إذا اقتضت الضرورة، والثانية إلى المجتمع الدولي بأنه منح الدبلوماسية فرصة قبل اللجوء إلى الخيار العسكري. وبهذه الطريقة، حافظ على صورة الرئيس الحازم دون أن يتحمل كلفة حرب قد يصعب التحكم بنتائجها.
كما أن هناك بعدًا دوليًا لا يمكن تجاهله. فالحلفاء الأوروبيون، إلى جانب عدد من الدول العربية، لم يكونوا متحمسين لانفجار مواجهة عسكرية شاملة. فجميعهم يدرك أن أي حرب أمريكية ـ إيرانية لن تبقى داخل حدود إيران، بل ستمتد آثارها إلى أمن الخليج وأسواق الطاقة وخطوط التجارة العالمية، وقد تؤدي إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. لذلك مارست أطراف عديدة ضغوطًا دبلوماسية، ودعمت الوساطات الإقليمية لإعطاء الحوار فرصة أخيرة.
وهناك بعد استراتيجي آخر لا يقل أهمية، يتمثل في البيئة الدولية التي تتحرك فيها واشنطن. فالولايات المتحدة تخوض منافسة متصاعدة مع الصين، وتواصل انخراطها في دعم أوكرانيا بمواجهة روسيا. ومن ثم، فإن الدخول في حرب طويلة مع إيران كان سيستنزف جانبًا من قدراتها العسكرية والاقتصادية، ويمنح بكين وموسكو فرصة لتعزيز نفوذهما الدولي. ولهذا فضلت الإدارة الأمريكية الحفاظ على سياسة الردع، مع تجنب الانجرار إلى حرب تستنزف مواردها وتشتت أولوياتها الاستراتيجية.
ومن زاوية أخرى، فإن تعليق الضربة لا يعني تخلي الولايات المتحدة عن سياسة الردع. بل على العكس، فإن مجرد حشد القوات وإظهار الجاهزية العسكرية حقق جزءًا مهمًا من الأهداف الأمريكية. فالردع لا يتحقق دائمًا بإطلاق الصواريخ، بل يكفي أحيانًا أن يقتنع الخصم بأنك قادر على استخدامها في أي لحظة. وهنا يكمن جوهر الاستراتيجية الأمريكية الحديثة؛ استخدام التهديد العسكري لتحقيق نتائج سياسية، دون الاضطرار إلى خوض حرب فعلية.
في المقابل، تدرك إيران أيضًا أن مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة قد تعرض بنيتها العسكرية والاقتصادية لخسائر جسيمة، لكنها تعلم في الوقت نفسه أن واشنطن لا ترغب في حرب مفتوحة. ولذلك يتحرك الطرفان ضمن معادلة دقيقة، يحاول فيها كل منهما إظهار القوة، مع الحرص على عدم تجاوز الخط الذي يقود إلى الانفجار الشامل.
ومن المهم كذلك التأكيد على أن القرار الأمريكي لم يكن انتصارًا لإيران، كما لم يكن هزيمة لواشنطن، بل يعكس حقيقة أن ميزان القوى في الشرق الأوسط أصبح أكثر تعقيدًا مما كان عليه قبل عقدين. فلم تعد القوة العسكرية وحدها قادرة على حسم الصراعات، بل أصبحت الحسابات الاقتصادية، والتحالفات الدولية، والرأي العام، وأمن الطاقة، عوامل لا تقل تأثيرًا عن حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية.
في النهاية، لم تكن الضربة التي لم تقع دليلًا على تراجع القوة الأمريكية، ولا انتصارًا كاملًا لإيران، بل كانت تعبيرًا عن تحول في طبيعة إدارة الصراعات الدولية. فواشنطن لم تعد تقيس نجاحها بعدد الصواريخ التي تطلقها، بل بقدرتها على فرض إرادتها السياسية بأقل كلفة ممكنة. أما ترامب، فقد تصرف بعقلية رجل الصفقات أكثر من عقلية قائد الجيوش، إذ رأى أن التهديد بالحرب قد يكون أحيانًا أكثر فاعلية من الحرب نفسها.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل نجح ترامب في تحويل التهديد العسكري إلى ورقة تفاوض رابحة، أم أن تأجيل الضربة منح إيران وقتًا إضافيًا لإعادة ترتيب أوراقها والاستعداد لجولة أكثر تعقيدًا؟ ذلك سؤال لن تجيب عنه التصريحات السياسية، بل ستحسمه تطورات المرحلة المقبلة ونتائج الصراع على طاولة التفاوض قبل ساحات المواجهة.