الجريمة التي هزّت ضمير الإنسانية وغيّرت وجه كوردستان

كاوه عبان

الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين
‎في تاريخ الشعوب محطاتٌ لا تُقاس بالسنوات بل بحجم الألم الذي خلّفته وبالأثر الذي تركته في الذاكرة الوطنية والإنسانية ومن بين تلك المحطات يبقى الثالث من آب/أغسطس 2014 يومًا استثنائيًا في تاريخ العراق وكوردستان إذ شهدت منطقة سنجار (شنكال) واحدة من أبشع الجرائم التي عرفها القرن الحادي والعشرون عندما اجتاح تنظيم داعش الإرهابي المدن والقرى الإيزيدية مرتكبًا حملة منظمة من القتل والابادة الجماعية والاختطاف والاستعباد والتهجير القسري في جريمة اعترفت بها الأمم المتحدة وعدد كبير من الدول والبرلمانات حول العالم بوصفها إبادة جماعية بحق الايزيديين.

لم تكن تلك الجريمة مجرد عملية عسكرية ولم يكن هدفها السيطرة على أرض أو كسب معركة بل كانت مشروعًا لإبادة جماعية للكورد الايزيديين الذين عاشو في هذه الأرض منذ آلاف السنين فقد استهدف تنظيم داعش الارهابي الإيزيديين بسبب عقيدتهم الدينية وسعى إلى محو هويتهم الدينية والثقافية والاجتماعية في انتهاك صارخ لكل القيم الإنسانية والقوانين الدولية.

سنجار.. المدينة التي أصبحت رمزًا للصمود:

تقع سنجار غرب محافظة نينوى وهي موطن تاريخي للإيزيديين الذين عاشوا فيها لقرون طويلة إلى جانب مختلف مكونات المنطقة وفي الساعات الأولى من صباح الثالث من آب 2014، شن تنظيم داعش هجومًا واسعًا على القضاء والقرى المحيطة به مستغلًا حالة الانهيار الأمني التي أعقبت سيطرته على الموصل وأجزاء ومناطق واسعة في العراق.

وخلال ساعات قليلة سقطت عشرات القرى والبلدات وتحولت شوارع سنجار إلى ساحات للرعب حيث أُعدم المدنيون وفُصل الرجال عن النساء والأطفال وبدأت واحدة من أبشع عمليات التطهير الديني التي شهدها العصر الحديث.

أرقام تختصر حجم المأساة:

رغم أن الألم لا يُقاس بالأرقام فإن الإحصاءات تعكس حجم الكارثة التي ألمّت بالإيزيديين. فقد قُتل أكثر من خمسة آلاف مدني خلال الهجوم وما تلاه فيما اختُطف نحو 6,400 شخص معظمهم من النساء والأطفال وتعرض الآلاف منهم للاستعباد الجنسي والزواج القسري والاتجار بالبشر كما أُجبر أطفال كثيرون على التجنيد القسري أو فُصلوا عن عائلاتهم.

وأدت المجازر إلى نزوح أكثر من 360 ألف شخص نحو محافظات إقليم كوردستان ومناطق أخرى بينما لجأ عشرات الآلاف إلى جبل سنجار حيث وجدوا أنفسهم محاصرين لأيام طويلة وسط درجات حرارة مرتفعة ومن دون غذاء أو ماء أو دواء ما تسبب في وفاة عدد من الأطفال وكبار السن بسبب الجفاف والإرهاق.

ورغم مرور سنوات طويلة ما يزال نحو 2,600 شخص في عداد المفقودين بينما اكتُشفت عشرات المقابر الجماعية التي كشفت حجم الجرائم المرتكبة بحق المدنيين الأبرياء.

جريمة لم تستهدف الإنسان فقط:

لم يكتفِ تنظيم داعش بقتل البشر بل حاول القضاء على ذاكرة الإيزيديين وتراثهم فقد دُمّرت المزارات الدينية وفُجرت المقامات التاريخية وأُحرقت القرى والمنازل في محاولة لمحو هوية مجتمع كامل وإزالة كل ما يرمز إلى وجوده.

لقد كانت تلك السياسة امتدادًا لفكر متطرف لا يعترف بالتعددية الدينية والثقافية ويسعى إلى فرض رؤية أحادية بالقوة وهو ما جعل المجتمع الدولي يعتبر ما جرى جريمة إبادة جماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

جبل سنجار.. رمز المأساة والأمل:

أمام زحف تنظيم داعش لم يجد عشرات الآلاف من المدنيين سوى جبل سنجار ملاذًا لهم وهناك عاشوا أيامًا عصيبة وسط حصار خانق ونقص شديد في الغذاء والماء والدواء بينما كان الأطفال والنساء وكبار السن يواجهون خطر الموت في كل لحظة.

وأصبحت صور العائلات التي احتمت بسفوح الجبل رمزًا عالميًا للمأساة الإنسانية ودافعًا لتحرك دولي أفضى إلى إسقاط مساعدات إنسانية جوًا وفتح ممرات آمنة لإنقاذ المحاصرين.

موقف الرئيس مسعود بارزاني:

في خضم هذه المأساة أكد الرئيس مسعود بارزاني أن ما تعرض له الإيزديين يمثل جريمة بحق الإنسانية جمعاء وليس بحق مكون واحد فقط.

وفي أكثر من مناسبة وصف ما جرى بأنه جرح عميق في ذاكرة شعب كوردستان مؤكدًا أن الإيزيديين استُهدفوا بسبب دينهم وهويتهم وأن تضحياتهم لن تُنسى.

كما شدد على أن قوات البيشمركة ستواصل الدفاع عن كوردستان بكل مكوناتها وأن الإرهاب لن ينجح في كسر إرادة الشعب الكوردي أو تمزيق نسيجه الاجتماعي داعيًا المجتمع الدولي إلى تحمل مسؤولياته في حماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الجرائم.

البيشمركة.. تضحيات في مواجهة الإرهاب:

خاضت قوات البيشمركة معارك شرسة ضد تنظيم داعش على امتداد جبهات القتال وقدمت آلاف الشهداء والجرحى دفاعًا عن كوردستان والعراق.

وفي معركة تحرير سنجار لعبت البيشمركة دورًا رئيسيًا بالتنسيق مع التحالف الدولي، في كسر سيطرة داعش وفتح الطرق أمام المدنيين واستعادة المناطق المحتلة في معارك اتسمت بصعوبتها بسبب طبيعة المنطقة وكثافة تحصينات التنظيم.

ولا يمكن الحديث عن تحرير سنجار دون استذكار التضحيات الكبيرة التي قدمها المقاتلون البيشمركة الابطال والجهود التي بذلتها القوات الأمنية والمتطوعون لإنقاذ العائلات المحاصرة.

موقف حكومة إقليم كوردستان:

منذ الساعات الأولى للكارثة فتحت جميع محافظات إقليم كوردستان ابوابها أمام اخوانهم الايزيديين واستقبلت مئات الآلاف من الإيزيديين في محافظات دهوك وأربيل والسليمانية.

ورغم التحديات الاقتصادية والحرب المفتوحة ضد داعش أنشأت الحكومة مخيمات للإيواء ووفرت الغذاء والماء والخدمات الصحية والتعليمية بالتعاون مع الأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية لتخفيف معاناة الأسر النازحة.

كما واصلت حكومة الإقليم مطالبة المجتمع الدولي بالاعتراف الرسمي بالإبادة الجماعية والكشف عن مصير المختطفين وتقديم الدعم للناجين وإعادة إعمار سنجار وتهيئة الظروف المناسبة لعودة سكانها إلى ديارهم.

اعتراف دولي بالجريمة:

شكّل الاعتراف الدولي بما جرى نقطة مهمة في مسار العدالة فقد خلصت الأمم المتحدة إلى أن تنظيم داعش ارتكب جريمة إبادة جماعية بحق الإيزيديين كما اعترفت دول وبرلمانات عديدة بهذه الحقيقة ودعت إلى محاسبة المسؤولين عنها وفق القانون الدولي.

ورغم ذلك لا تزال العدالة غير مكتملة إذ ما زالت آلاف العائلات تنتظر معرفة مصير أحبائها وما زالت المقابر الجماعية تُفتح تباعًا لتكشف عن فصول جديدة من المأساة.

الناجون.. رحلة طويلة نحو التعافي:

لا تنتهي الإبادة بانتهاء الحروب بل تبدأ بعدها معركة أخرى هي معركة التعافي وإعادة بناء الحياة.فالآلاف من النساء اللواتي نجون من الأسر يحملن آثارًا نفسية واجتماعية عميقة والأطفال الذين عاشوا سنوات في قبضة تنظيم داعش الارهابي يحتاجون إلى برامج طويلة لإعادة التأهيل بينما تواجه العائلات النازحة تحديات العودة وإعادة بناء منازلها واستعادة سبل العيش.

إن إعادة إعمار الحجر لا تكفي إذا لم تترافق مع إعادة إعمار الإنسان وتوفير العدالة والدعم النفسي والاجتماعي والاقتصادي للناجين.

مسؤولية جماعية:

إن ذكرى الثالث من آب ليست مناسبة للبكاء على الماضي فحسب بل دعوة إلى استخلاص الدروس، فالمجتمعات التي لا تحمي تنوعها ولا تصون حقوق جميع مكوناتها تصبح أكثر عرضة لخطابات الكراهية والتطرف فنرى الان اقليم كوردستان اصبحت نموذجا للتعايش السلمي بين جميع الاطياف ومكونات الشعب العراقي.

ومن هنا، فإن حماية الإيزيديين وسائر المكونات الدينية والقومية في العراق ليست مسؤولية جهة واحدة بل مسؤولية وطنية ودولية مشتركة تبدأ من ترسيخ قيم المواطنة وسيادة القانون ولا تنتهي عند محاسبة مرتكبي الجرائم.

رسالة إلى المستقبل:

ما زال اسم سنجار يختزل قصة شعب قاوم الإبادة وتمسك بالحياة رغم حجم المأساة وما زال الإيزيديون يقدمون نموذجًا في الصبر والإصرار على الحفاظ على هويتهم وتراثهم رغم كل ما تعرضوا له.

إن الوفاء لضحايا الثالث من آب لا يكون بإحياء الذكرى سنويًا فقط بل بالعمل الجاد من أجل إعادة إعمار سنجار وكشف مصير جميع المفقودين وضمان عودة النازحين بكرامة وأمان وترسيخ الام الذي يحمي جميع مواطنيها دون تمييز.

رحم الله شهداء الإبادة الجماعية بحق الإيزيديين والشفاء للناجين والحرية لكل من لا يزال مفقودًا أو مختطفًا وليبقَ ال 3 من آب شاهدًا على أن الإنسانية لا ينبغي أن تسمح بتكرار مثل هذه الجرائم مرة أخرى وأن العدالة مهما تأخرت تظل حقًا لا يسقط بالتقادم.

سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية

قد يعجبك ايضا