أنفلة البارزانيين .. الجرح الذي لا يندمل في ذاكرة العراق واقليم كوردستان

كاوه عبان
سفير فوق العادة لمنظمة امسام الاممية

في مثل هذا اليوم، 31 تموز/يوليو 1983، شهد العراق واقليم كوردستان واحدة من أكثر الصفحات إيلامًا في تاريخ الشعب الكوردي عندما تعرض أبناء بارزان لحملة اعتقالات جماعية انتهت باختفاء آلاف الرجال والفتيان في جريمة بقي أثرها حاضرًا في ذاكرة عائلات الضحايا وفي الوجدان الكوردي والعراقي.

لم تكن الحادثة مجرد إجراء أمني عابر بل كانت عملية منظمة استهدفت شريحة واسعة من مجتمع بارزان، المنطقة التي ارتبط اسمها بتاريخ الحركة الكوردية ورموزها السياسية والوطنية.

بارزان .. الاسم الذي حمل تاريخًا من النضال:

لم تكن بارزان مجرد منطقة جغرافية في اقليم كوردستان العراق فقد أصبحت رمزًا تاريخيًا للحركة الكوردية وخرج منها العديد من القادة و الثوار وعلى رأسهم الزعيم ملا مصطفى البارزاني.

هذا الإرث التاريخي جعل المنطقة تحت نظر السلطات العراقية المتعاقبة خصوصًا خلال فترات التوتر والصراع السياسي بين الحكومة المركزية والحركة الكوردية.

صباح 31 تموز .. بداية المأساة:

في ذلك اليوم تحركت القوات الأمنية والعسكرية العراقية لتنفيذ حملة اعتقالات واسعة بحق أبناء بارزان.

جُمِع الرجال والفتيان وفُصلوا عن عائلاتهم ثم نُقلوا إلى أماكن مجهولة كان بين المعتقلين كبار السن والشباب وحتى مراهقون ولم تعرف عائلاتهم مصيرهم لسنوات طويلة.

تحولت حياة آلاف العائلات إلى انتظار مؤلم بين أمّهات تبحث عن أخبار أبنائها وأطفال ينتظرون عودة آبائهم.

كلمة الرئيس مسعود بارزاني .. الذاكرة والعدالة:

في كل مناسبة لإحياء ذكرى أنفلة البارزانيين، يؤكد الرئيس مسعود بارزاني أن هذه الذكرى ليست مجرد استحضار لحادثة مؤلمة بل هي تذكير دائم بحجم المعاناة التي تعرض لها أبناء بارزان وبضرورة الحفاظ على الحقيقة والعدالة.

ومن أبرز المعاني التي يكررها في رسائله أن:

“الشهداء والضحايا الذين فقدناهم لن يغيبوا عن ذاكرتنا، وستبقى تضحياتهم مصدر إلهام للأجيال القادمة، لأن شعبًا ينسى تضحيات أبنائه يفقد جزءًا من تاريخه وهويته.”

كما يؤكد البارزاني أن استذكار الضحايا لا يعني الدعوة إلى الحقد أو الانتقام بل يعني الدفاع عن الحقيقة وإنصاف عائلات الضحايا والعمل من أجل مستقبل يسوده السلام والتعايش واحترام حقوق الإنسان.

سنوات من الانتظار .. ثم اكتشاف الحقيقة:

لم تحصل عائلات الضحايا على إجابات لسنوات طويلة بقي مصير المختفين مجهولًا حتى سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، حين بدأت التحقيقات في ملفات المفقودين والجرائم الجماعية.

كشفت عمليات البحث عن مقابر جماعية في مناطق مختلفة من العراق وتبين أن عددًا كبيرًا من أبناء بارزان الذين اختفوا عام 1983 كانوا قد أُعدموا ودُفنوا في مواقع سرية.

من بارزان إلى الأنفال الكبرى:

جاءت هذه الجريمة قبل حملة الأنفال الكبرى التي نفذها حسب البعث البائد بين عامي 1987 و1988 ضد مناطق واسعة من كوردستان العراق.

وفي تلك الحملات، تعرضت آلاف القرى للتدمير واستشهد اكثر من 8 آلاف شخص من الذكور البارزانيين بحيث تم اقتيادهم من مجمعات قسريّة مثل قوشتبة، حرير، وديانا إلى مناطق صحراوية قاحلة في وسط وجنوب العراق حيث تمت تصفيتهم ودفنهم احياءا .. كما وقعت جريمة استخدام الأسلحة الكيميائية ضد مدينة حلبجة عام 1988.

الذاكرة من أجل العدالة:

إن إحياء ذكرى 31 تموز ليس دعوة للكراهية أو الانتقام بل هو تذكير بأهمية العدالة وضرورة احترام حياة الإنسان وحقوق جميع مكونات المجتمع.

تبقى أسماء آلاف البارزانيين الذين اختفوا عام 1983 شاهدة على صفحة مؤلمة من تاريخ العراق وشاهدًا على أن كرامة الإنسان وحقه في الحياة يجب أن تكون فوق كل الصراعات السياسية.

الرحمة للضحايا .. والعدالة لكل المظلومين.

قد يعجبك ايضا