من يهرب من الجحيم… لماذا يحنّ إلى ناره؟!!

عطا شميراني

قبل أيام، كتبت مقالًا طرحت فيه سؤالًا ظل يلاحقني منذ اندلاع حرب غزة: إذا كانت النهاية هي العودة إلى طاولة التفاوض، فلماذا كان لا بد أن يسبقها كل هذا الدمار؟ ولماذا لم تُمنح الحكمة فرصة قبل أن يتكلم السلاح؟

ذلك السؤال لم يكن خاصًا بغزة وحدها، بل كان سؤالًا عن طبيعة الإنسان حين يعجز عن مراجعة أفكاره، ويستمر في تمجيد الأسباب التي قادته إلى الكارثة. واليوم، أجد السؤال نفسه يعود بصورة مختلفة، لكن هذه المرة على حدود أوروبا، وفي قوارب الهجرة، وفي قصص أولئك الذين يهربون من أوطانهم بحثًا عن حياة جديدة.

ليس من السهل أن يترك الإنسان وطنه. فالوطن ليس مجرد جغرافيا، بل ذاكرة وهوية وأصوات الطفولة وروائح البيوت القديمة. لذلك لا يبيع الإنسان كل ذلك إلا عندما يصبح البقاء أكثر قسوة من الرحيل.

ولهذا نرى آلاف البشر يقطعون الصحارى، ويتسلقون الجبال، ويمزقون الأسلاك الشائكة، ويختبئون في الشاحنات، ويغوصون في الأنهار، ويواجهون أمواج البحار في قوارب لا تكاد تحملهم، ويهربون من دوريات الحدود وكلاب الشرطة، وهم يعلمون أن الموت قد يكون أقرب إليهم من اليابسة.

لا يفعلون ذلك لأن أوروبا فردوس، بل لأن أوطانهم لم تعد تمنحهم الحد الأدنى من الكرامة والأمان. لقد هربوا من الاستبداد، ومن الخوف، ومن قمع الحريات، ومن أنظمة جعلت الإنسان يخشى الكلمة، ويحسب خطواته، ويخاف حتى من التفكير بصوت مرتفع.

لكن المفارقة تبدأ بعد الوصول.

فما إن يحصل بعضهم على الإقامة أو الجنسية، ويشعر للمرة الأولى أن القانون يحميه بدلًا من أن يطارده، حتى يعود لتمجيد السلطات التي هرب منها، أو يرفع الشعارات ذاتها التي كانت سببًا في نفيه عن وطنه، أو يحاول نقل الثقافة السياسية نفسها إلى المجتمع الذي احتضنه.

هنا يتكرر السؤال ذاته الذي طرحناه في مقال غزة، ولكن بصيغة أخرى:

إذا كنتم تؤمنون حقًا بتلك الأنظمة، فلماذا هربتم منها؟

وإذا كانت تمثل الكرامة والعدالة، فلماذا خاطرتم بحياتكم في البحر، وتركتم أهلكم وأرضكم، وسلكتم آلاف الكيلومترات للوصول إلى دول تختلف عنها في جوهرها؟

إن الإنسان لا يهرب من الطقس، بل من النظام الذي جعله يشعر بالغربة داخل وطنه.

ولا يترك قبر أبيه، وذكريات طفولته، ولغته، وشارعه الأول، إلا عندما يصبح الوطن نفسه عاجزًا عن احتضان أبنائه.

ولهذا فإن الحرية ليست مجرد حق في الإقامة، بل مسؤولية أيضًا. فمن اختار أن يعيش في مجتمع يقوم على سيادة القانون، لا يمكنه أن يطالب في الوقت نفسه بإحياء الممارسات التي فرّ منها، أو أن يبرر العنف، أو أن يعتدي على الممتلكات العامة، أو أن يحاول استيراد ثقافة الاستبداد إلى مجتمع منحه الأمان.

لقد تعلمنا في كوردستان، من خلال عقود طويلة من الألم، أن القضية العادلة لا تنتصر بالشعارات وحدها، ولا بالغضب وحده، بل بالعقل، وبناء المؤسسات، وإدارة الصراع بحكمة. حاولت أنظمة متعاقبة محو كوردستان من الخريطة، لكن الرد لم يكن بالحنين إلى أدوات القمع، بل بالإصرار على بناء تجربة سياسية تحافظ على الإنسان قبل كل شيء.

ولهذا، فإن أكبر انتصار لا يتحقق عندما تعبر الحدود، بل عندما تعبر في وعيك من ثقافة الخوف إلى ثقافة المواطنة، ومن تقديس الحاكم إلى احترام القانون، ومن الولاء للأشخاص إلى الولاء للمبادئ.

فالاستبداد ليس مجرد نظام سياسي، بل قد يتحول إلى طريقة في التفكير، وإلى عادة نفسية يصعب التخلص منها. ولذلك قد ينجح الإنسان في الهروب من بلده، لكنه يفشل في الهروب من الأفكار التي زرعها فيه ذلك البلد.

وهنا تكمن المأساة الحقيقية.

فالحرية لا تبدأ عند مطار الوصول، ولا عند ختم جواز السفر، ولا عند استلام الجنسية. الحرية تبدأ عندما يتحرر العقل من الخوف، ويتصالح مع النقد، ويؤمن بأن الإنسان أكبر من الحاكم، وأن الدولة أكبر من السلطة، وأن الوطن لا يختزل في شخص أو شعار.

لقد عبر كثيرون البحار، لكن قليلين فقط عبروا المسافة الفاصلة بين الاستبداد والحرية.

فالمياه المالحة تستطيع أن تفصل بين قارتين، لكنها لا تستطيع أن تمحو ثقافة متجذرة في العقول. وتغيير الجغرافيا أسهل بكثير من تغيير الوعي.

ولهذا سيبقى السؤال الذي بدأنا به، سواء في غزة أو في الهجرة أو في أي مأساة إنسانية أخرى: لماذا نمنح الكارثة كل هذه الفرص، ولا نمنح العقل فرصة واحدة؟

لأن الأمم لا تنهض حين تنتصر البنادق، ولا حين تعبر الحدود، بل حين يتحرر الإنسان من خوفه، ومن أوهامه، ومن الحنين إلى النار التي أحرقت عمره. فالخروج من الجحيم لا يكتمل بالنجاة منه، وإنما بعدم حمل رماده إلى المستقبل.

قد يعجبك ايضا