حوار مع الكاتبة والباحثة الجزائرية خيرة عبد الكريم من ولاية بوسعادة

 

 

✍️حاورها: جـلال مشـروك.

👈”أكتب لأكون.. والأسئلة أصدق من الإجابات الجاهزة”

في زمنٍ تتسارع فيه الأصوات وتتكاثر الكلمات، تختار خيرة عبد الكريم أن تكتب بهدوء المتأمل وعمق الباحث. كاتبة وباحثة جزائرية من مدينة “بوسعادة”، جمعت في مسيرتها بين الأدب الحديث، وعلم النفس، وتقنيات الإعلام؛ لتُشكّل من هذا التقاطع رؤيةً استثنائية في الكتابة والتعبير. صدر لها مؤخراً كتاب «أنا التي عبّرتُ نفسي»، وهو عملٌ تأملي يأخذ القارئ في رحلة داخلية نحو الذات، بعيداً عن الأجوبة المعلبة وقريباً من الأسئلة الحقيقية. التقينا بها في هذا الحوار لنقترب من عالمها الفكري وتجربتها الإبداعية.

​1. مَن هي خيرة عبد الكريم ، وكيف تودين تقديم نفسكِ للقارئ؟

​ خيرة عبد الكريم؛ كاتبة وباحثة مهتمة بالأدب الحديث وعلم النفس وتقنيات الإعلام الآلي، وُلدتُ في “بوسعادة” بتاريخ 05 مارس 1990م، تلك المدينة التي تمنح ساكنيها أبجدية الهدوء والتأمل. درستُ الأدب الحديث وتحصلت على ماستر 2 في الأدب الحديث، ثم تعمّقتُ في علم النفس وامتلكت شهادة تطبيقية تخصص “التوجيه المدرسي والمهني”؛ بحثاً عن فهم أعمق لدهاليز النفس البشرية، وتمتلك خيرة كذلك شهادة تقني في الاعلام الآلي. شاركتُ في عدة محافل ثقافية،كما تنشر مقالات تعنى بالثقافة، ويمثّل كتابها «أنا التي عبّرتُ نفسي» محطةً مفصلية في مشروعها الفكري.

​2. جمعتِ بين الأدب الحديث وعلم النفس؛ كيف يتجلى هذا التزاوج في نصوصكِ؟ وهل تجدين بينهما تكاملاً أم صراعاً؟

​لم يكن الجمع بينهما قراراً أكاديمياً بقدر ما كان حاجةً وجودية. الأدب يمنحني “اللغة”، وعلم النفس يمنحني “العمق”. الكتابة عندي لا تكتمل بمعزل عن سبر أغوار الإنسان، كما أن هذا الفهم النفسي لا يصل إلى القارئ دون التعبير الجمالي الذي يتيحه الأدب. لذا، أراهما وجهين لرؤية واحدة، يكمل أحدهما الآخر.

​3. بوسعادة.. مدينة الرمال والجمال، كيف انعكست بيئة هذه المدينة على هويتكِ الإبداعية؟

​بوسعادة ليست مجرد جغرافيا، بل هي “حالة شعورية”. فيها سكونٌ مهيب يغري بالتأمل، وتفاصيل صغيرة تفتح أبواباً واسعة للتفكير. لقد أثّرت هذه المدينة في إيقاع لغتي، وفي اختيار صوري الأدبية ورموزي الدلالية؛ ففي كتاباتي يلمح القارئ دائماً أثراً من ذلك الهدوء البوسعادي.

​4. عنوان كتابكِ «أنا التي عبّرتُ نفسي» يحمل دلالة قوية.. كيف وُلد هذا العنوان؟ وعن ماذا يبحث الكتاب في جوهره؟

​العنوان لم يأتِ عبثاً، بل كان ثمرة رحلة طويلة مع النص؛ فقد مرّ بمسميات عدة قبل أن يستقر على هذا الاسم الذي وجدته الأصدق تعبيراً عن جوهر التجربة. الكتاب هو رحلة داخلية لمحاولة فهم الذات، ليس عبر السرد التقليدي، بل من خلال مقاطع تأملية تمزج بين الشعور والفكرة في تناسق دقيق.

​5. هل كانت هناك شرارة أو تجربة معينة وراء تأليف هذا العمل؟

​نعم، كانت هناك لحظة فارقة شعرتُ فيها أن الصمت لم يعد كافياً لاحتواء الأسئلة المتراكمة في داخلي. لم تكن تجربة واحدة هي المحرك، بل هي تراكمات وتجارب متشابكة جعلت من “البوح” ضرورة لا مفر منها.

​6. كم استغرق الكتاب من الوقت؟ وكيف تصفين لنا “المخاض” الشخصي أثناء كتابته؟

​كُتب في فترات متقطعة؛ فالكتابة عندي لا تخضع لجدول زمني منتظم، بل تأتي في لحظات مكثّفة وحالات وجدانية استثنائية. كانت تجربة مواجهة حقيقية مع الذات؛ تارةً كانت محرِّرة تمنحني الراحة، وتارةً أخرى كانت مُرهِقة ومُثقِلة بعبء الحقيقة.

​7. وصفتِ نصوص الكتاب بأنها «مقامات تأملية»؛ ماذا تعني لكِ هذه التسمية؟

​”المقامات” هنا تتجاوز المفهوم التراثي الكلاسيكي، لتصبح “حالات وعي”. كل مقام هو لحظة تجلٍّ مختلفة، أو زاوية نظر جديدة نطلّ منها على أنفسنا وعلى العالم.

 

 

​8. يلاحظ القارئ أن الكتاب يطرح أسئلة أكثر مما يقدّم إجابات؛ هل هذا تعمّد فلسفي منكِ؟

​بالتأكيد، وهو اختيار نابع من قناعة راسخة؛ فالأسئلة الحقيقية دائماً ما تكون أصدق وأبقى من الإجابات الجاهزة. الإجابة “تغلق” الفكرة، أما السؤال فيبقيها “مفتوحة” على احتمالات لا نهائية.

9. كيف وظّفتِ الرمز والأسطورة في نصوصكِ؟ وما هو الرمز الذي تعتبرينه قلب الكتاب النابض؟

​الرمز بالنسبة لي وسيلة لتكثيف المعنى، والأسطورة هي الجسر الذي يربط التجربة الفردية بالموروث الإنساني الشامل. ولعلّ رمز «العبور» هو المحور الذي يدور حوله الكتاب، فهو يتجلى بصور شتى في كل فصل.

​10. ما هو تعريفكِ لـ «العبور» في سياق العمل؟

​هو انتقال داخلي من حالة إلى أخرى؛ من الوعي الضيق إلى الوعي الأرحب، ومن سجن الصمت إلى حرية التعبير، ومن الانغلاق على الذات إلى الانفتاح عليها وفهمها.

​11. لمَن تكتب خيرة عبد الكريم؟ ومن هو قارئكِ المنشود؟
​أكتب لكل إنسان يبحث عن “ظله” بين السطور، القارئ الذي لا يكتفي بالقصص الجاهزة، بل يأتي إلى النص بأسئلته وقلقه الخاص؛ هذا القارئ هو من يمنح النص حياته الحقيقية.

​12. ما هو الأثر الذي تتمنين أن يتركه كتابكِ في نفس القارئ بعد إنهاء صفحته الأخيرة؟

​أتمنى أن يشعر بأنه أصبح “أقرب” إلى نفسه. ليس بالضرورة أن يخرج بإجابات، بل يكفيني أن يشعر بلذة التصالح مع الذات والاقتراب منها.

​13. هل تقلقكِ فكرة “سوء الفهم” أو القراءات المغلوطة لنصكِ؟

​على العكس، أنا أرحب بتعدد القراءات. كل قارئ يرى النص من زاويته الخاصة يعيد كتابته من جديد، وهذا التباين هو ما يمنح العمل الأدبي ثراءه وديمومته.

​14. أخيراً.. ماذا تمثل الكتابة لخيرة عبد الكريم؟ وما هو جديدكِ القادم؟

​الكتابة عندي ليست مجرد وسيلة أو غاية، بل هي “طريقة وجود”. أنا أكتب لأكون. أما عن مشروعي القادم، فأنا أعمل حالياً على نص يغوص بشكل أعمق في التجربة الإنسانية المشتركة، ملامساً الجوانب الكونية التي تسكن كل واحد منّا.
​كلمة أخيرة لقرائنا:
الكتابة ليست مجرد ما نقوله للآخرين، بل هي ما نكتشفه عن أنفسنا ونحن نحاول القول. شكراً لكم.

قد يعجبك ايضا