الباحث الاقتصادي والحقوقي رنج باراوی
تاريخ دولة الكويت في جوهره هو قصة انتصار الإنسان على قسوة الصحراء ووحشة البحار. فعندما قصدت قبيلة (العُتوب) من عشيرة (السبوح) سواحل الخليج العربي في نهاية القرن الثامن عشر واستقرت هناك، وضعت اللبنات الأساسية لكيان قام على التجارة، صيد الأسماك، وتجارة اللؤلؤ، لا على الاستبداد والقهر القبلي. ولقد برزت الكويت منذ تأسيسها كملاذ للحرية والتعددية؛ مكاناً اجتمع فيه المهاجرون والسكان الأصليون جنباً إلى جنب ليبنوا معاً صرح الحضارة.
وكان نقطة التحول التاريخية في هذه البلاد عام (١٩٦٢)، عندما أعلنت الكويت عن أول دستور دائم وأول برلمان في منطقة الخليج. ولم تكن هذه المؤسسة التشريعية مجرد جهة سن القوانين، بل كانت المحرك الأساسي لخلق مفهوم المواطنة. فقد منح قانون الجنسية لعام (١٩٥٩) ومن ثم دستور (١٩٦٢)، الحق للسكان الأصليين والمهاجرين الأوفياء الذين حضروا منذ بدايات البناء، في الانخراط ضمن فضاء المشاركة السياسية والاجتماعية.
وفي هذه البيئة، أصبحت الكويت محضناً للرواد والمثقفين. وصار المواطنون الكويتيون في مجالات الفن، العلوم، التاريخ، السياسة، الاقتصاد، الدين، الاجتماع، والطب؛ أمثلة يُحتذى بها وأيقونات ثقافية في الخليج والعالم العربي. ففي الأدب والرواية مثل إسماعيل فهد إسماعيل، وفي فن المسرح والدراما، وفي الغناء والموسيقى التي غدت زاخرة بالأصوات الأصيلة كبلبل الخليج نبيل شعيل، كانت الكويت رمزاً ثقافياً كبيراً تجاوز الحدود.
ولكن اليوم، تواجه السلطة الحاكمة في الكويت التي قامت على أساس عقد تاريخي بين أسرة (آل صباح) والمجتمع صدمة عميقة؛ عندما تحولت عملية سحب وإسقاط الجنسية إلى أداة سياسية واسعة النطاق. قانونياً، تُنظم سلطة الأمير، مجلس الوزراء في هذا الشأن بموجب قانون الجنسية الكويتي رقم (١٥) لسنة (١٩٥٩) وتعديلاته. ورغم أن القانون حدد في المادة (١٣) حالات سحب الجنسية، إلا أن صياغة هذا القانون وتطبيقه يمنحان السلطة التنفيذية حالياً صلاحيات مطلقة وغير محدودة. ونظراً لكون هذه القرارات لا تتطلب محاكمة شفافة، أو تقديم أدلة علنية، أو الحق في طعن قوي أمام قضاء مستقل، فقد اتخذت السلطة الأميرية شكلاً مطلقاً يمكنها في وقت قصير، وبناءً على تقارير استخباراتية أو توجهات سياسية فقط، من إسقاط حق المواطنة عن مئات بل آلاف الأشخاص، ودون توفير أي حصانة دستورية فاعلة.
ولفهم عميق للحالة النفسية والسياسية الراهنة للقيادة الكويتية وسلوكياتها المتشددة تجاه هوية المواطن، لابد من ربط هذا الوضع بتاريخ علاقاتها المعقدة مع العراق، والتي تتبلور في ثلاث محطات رئيسية. ففي العهد الملكي، لم يعترف الملك (فيصل الثاني) باستقلال الكويت وكان يعتبرها جزءاً من الأراضي العراقية، إلى أن أُسقط النظام الملكي بانقلاب عسكري دموي عام (١٩٥٨). وبعد ذلك، أكد عبد الكريم قاسم بصورة أشد على أن الكويت جزء من العراق. ثم في عهد البعثيين وبحسب المتغيرات الإقليمية، عادت العلاقات الدبلوماسية والتجارية إلى طبيعتها لفترة من الزمن، إلى أن أحيا (صدام حسين) التاريخ ذاته وشن هجوماً عسكرياً واحتل الكويت بحجة أنها المحافظة (التاسعة عشرة) للعراق. وقد أدى هذا إلى اندلاع حرب الخليج وقصف القوات العراقية من قِبل قوات التحالف.فٲین الزاویة المخفیة في سیاق ماتم ذكره وٲین بوصلة العراق في الكویت؟
لقد ترك هذا التاريخ المرء ظلالاً نفسية وسياسية عميقة في مخيلة ونظام الحكم الكويتي. فالكويت ترى نفسها دائماً كياناً صغيراً يقع في منطقة مليئة بالمخاطر. ورغم أن سياستها الداخلية الحالية في سحب الجنسية تمثل انتهاكاً صارخاً لحقوق الإنسان، إلا أن القوى الكبرى تقف صامتة حيال هذه العملية؛ لأنها في المعادلات الاستراتيجية تفضل دعم الاستقرار المطلق للسلطة الأميرية.
ومن جهة أخرى، فإن عملية سحب الجنسية المنهجية ليست مجرد مشكلة إدارية، بل تواجه خطراً جسيماً يهز أسس وجود الدولة نفسها. فعندما يُحرم آلاف المواطنين الأصليين والسكان القدامى مع عائلاتهم من هوياتهم ويُجبرون على مغادرة البلاد، يؤدي هذا إلى تراجع حاد في عدد السكان وانكماش كيان الدولة المؤسسية. وبحسب الإحصاءات والتقارير الميدانية حتى مطلع (٢٠٢٤)، فإن أكثر من (٤٠,٠٠٠ إلى ٤٢,٠٠٠) شخص (من المواطنين الأساسيين وتبعياتهم والذين يشكلون قرابة (٣٪) من السكان حاملي الجنسية) قد سُحبت جنسياتهم بقرار من اللجنة العليا لتحقيق الجنسية. وهذه الموجة الكبيرة من الحرمان الديموغرافي، تعكس في قراءة جيوستراتيجية عميقة خوف السلطة العميق؛ ألا يشير هذا إلى تدمير ذاتي قد يعرض الكويت في المستقبل البعيد لخطورة الانهيار وفقدان مكانة الاستقلال تحت تأثير الهشاشة الداخلية وضعف الكيان المدني، كرمز خفي للعودة نحو هيكل ضعيف؟
إن الغاية الرئيسية لهذه الخطوات التي تتخذها السلطة هي السيطرة التامة على الديموغرافيا وإسكات الأصوات السياسية الحرة في البرلمان. وتريد السلطة إخفات تلك الأصوات الناقدة التي تطالب منذ سنوات بالإصلاح والقضاء على الفساد. إن توجيه وجهة الكويت من دولة المواطنة نحو شكل جديد من القبلية والتهميش، هو محاولة لتقسيم المجتمع إلى درجات أولى وثانية.
وقد وضع هذا الوضع غير العادل المجتمع الكويتي أمام أزمة قانونية وإنسانية عميقة. فعندما يُسحب جنسية أب، تتحول مشاكل الزواج، الطلاق، الميراث، والعقارات إلى عقد قانونية مستعصية لا تستطيع المحاكم الكويتية حلها بسهولة. وعندما نتحدث عن هذه المأساة الإدارية، فإن الأمر لا يقتصر على أرقام وأوراق يتم تعطيلها، بل إن الشخصيات الكبرى والرموز الوطنية تصبح ضحايا أيضاً. على سبيل المثال، الفنان الكبير نبيل شعيل، المعروف ببلبل الخليج، الذي شكّل لعقود طويلة بصوته وفنه رصيداً رمزياً وثقافياً للكويت، كيف يمكن أن يُعرض لخطر الحرمان من هويته ووطنه؟
وهذا مؤشر على عمق المشكلة في كيف أن سلطة سياسية تحت وطأة الضيق المحلي، مستعدة للتضحية بأعظم مفاخر وطنها نفسه.
تقف الكويت بين ماضٍ ديمقراطي ومض ومستقبل مجهول مليء بقمع الهويات. إن الارتداد من دولة المؤسسات نحو القبلية والعقاب الجماعي، لا يحل مشاكل السلطة السياسية فحسب، بل يهز أساس الكيان السياسي الكويتي من جذوره. فالھوية الحقيقية للكويت ليست في الحبر الأسود وأختام دوائر الهجرة والجنسية، بل في قلوب أولئك المواطنين الذين ظلوا دائماً أيقونات للإبداع، الفن، والحضارة في العالم.وٲن اثار هذه المخاوف لربما لبنة اساسیة لكي ترجع الكویت الی العراق كونها جزءا منه ولكن یاتری هل من المعقول ٲن یحدث هذا؟
الباحث الاقتصادي والحقوقي رنج باراوی
المصادر والهوامش:
١. دستور دولة الكويت (١٩٦٢): الباب الخاص بالحقوق والواجبات العامة ومقومات نظام الحكم والسلطة التشريعية (البرلمان) وتأسيس الدولة المستقلة.
٢. قانون الجنسية الكويتي (رقم ١٥ لسنة ١٩٥٩ وتعديلاته): سيما المادة (١٣) الخاصة بحالات سحب وإسقاط الجنسية من قِبل مجلس الوزراء.
٣. اغتيال المواطنة: إلى أين تتوجه بوصلة النهج القبلي في الكويت؟ والبيانات الرسمية والميدانية (٢٠٢٤-٢٠٢٦): تقارير المراكز القانونية والإعلامية (مثل صحيرتي الجريدة والقبس وتقارير منظمات حقوق الإنسان مثل Salam DHR) حول سحب الجنسية من أكثر من ٤٠,٠٠٠ شخص.
٤. الإعلان العالمي لحقوق الإنسان: المادة (١٥) التي تؤكد على حق كل فرد في التمتع بجنسية وتحظر الحرمان التعسفي من الهوية.
٥. التاريخ المعاصر للعلاقات العراقية الكويتية: المحطات السياسية والعسكرية بين البلدين في العهد الملكي (الملك فيصل الثاني)، العهد الجمهوري (عبد الكريم قاسم)، وأزمة الاحتلال وحرب الخليج عام (١٩٩٠).