عزيز ملا هذال
يعيش الشباب اليوم في فيض من صور الحياةالمثالية والرفاهية المطلقة عبر منصات التواصل، هذهالمقارنات تولد سخطاً دفيناً على واقع الأسرة الماديأو الاجتماعي، وتخلق اندفاعاً للهروب بحثاً عن تلكالجنة الوهمية المعروضة خلف الشاشات… والحليبدأ باستبدال اللوم والتوبيخ بجلسات المساءلةالعقلانية وتحميلهم مسؤوليات كاملة توقظ لديهمالضمير والالتزام…
يتسكعون في المقاهي إلى ساعات متأخرة من الليل،أو في ملاعب كرة القدم وقاعات الألعاب الإلكترونية،أو التجول في السيارات لساعات طويلة من اليوم،بدون وقت للراحة والنوم الصحي ولا الاختلاطبالعائلة بالشكل الذي يجعل الالتزام الفردي تجاهالعائلة غائباً، ولا حتى مساعدة الوالدين في إنجازبعض مهام المنزل الثقيلة إذا ما أُلقيت على الأب أوالأم لوحدهما، والتبرير أنهم شباب وهذا وقت راحتهمأو وقت فسحتهم في الحياة؛ هذه أبرز ملامح الكثيرمن الشباب في عالمنا المعاصر، فما هي تداعياتتخبط الشباب؟ وكيف يمكن تحميلهم مسؤوليةأنفسهم على أقل تقدير في المستقبل؟
يتساءل الكثيرون من الآباء والمختصين الاجتماعيينعلى حد سواء، عن سبب قلة قدرة جيل الشبابالحالي على تحمل المسؤولية، فكثيراً ما يتم تسليطالضوء على الاتكالية، والتملص من الالتزامات طويلةالأمد، وضعف القدرة على مواجهة الضغوط الحياتيةالبسيطة، بوصفها سمات مميزة لسلوك العديد منالشباب اليوم للأسف.
في المقابل يدافع الشباب عن أنفسهم بأنهم ضحايالعالم معقد ومتسارع ومليء بالمتغيرات الفائقة التيلم تِتح لهم فرصاً حقيقية لتمكين الذات، بين لومالكبار واحتجاج الصغار تبقى الفجوة في التفكيربين العقليتين قائمة، وحينها ينفرط عقد التفاهم سيمامع كون الشباب متمسكين بآرائهم مما يعقد مهمةالاتفاق على خط للسير المشترك.
شهادة من الواقع
تخبرني إحدى الأمهات أن ابنها البكر يقضي أيامهفي دوامة مستمرة بين وظيفته وبين الخروج شبهاليومي مع أصدقائه والبقاء لأوقات متأخرة في هذاالمكان أو ذاك، وعند عودته إلى المنزل يخلد إلى النوملساعات قصيرة ويعود إلى عمله أو أنه يلهي نفسهبعيداً عن العائلة، وهو ما يجعل وجوده في المنزلشبه منعدم مما يجعلها في موضع إحباط وقلق منقدرته على تحمل مسؤوليته وعائلته في المستقبلسيما وأنه على أبواب زواج كما تقول.
ما هي الآثار الناتجة عن التخبط؟
الآثار التي ينتجها عدم ارتباط الأبناء بمنازلهموعوائلهم كثيرة من أبرزها:
تدهور الجانب الصحي والنفسي: فحين يسهرالإنسان بصورة متكررة فإن ذلك سينال من جرفصحته الجسمانية وحتى النفسية، فيصبح إنساناًعصبياً مستفزاً وناحلاً، وبالتالي قد يصبح غيراجتماعي وانطوائياً.
الهدر المالي الباهظ: يترتب على ذلك هدر كبيرللدخل الذي يحصلون عليه، لا سيما مع كون الأمواللا تأتي بلا جهد، وهذا الجهد يؤخذ من رصيدصحتهم، وبالتالي تُهدر الأموال بصورة مؤسفة.
الانفصال عن الواقع: العيش في حياة أناس غيرهم،وهو ما يجعلهم مرهقين باستمرار نتيجة الانفصالعن البيئة الحقيقية التي يجب أن يرتبطوا بها.
دوافع الهروب من المسؤولية
حتماً هناك ثمة دوافع نفسية تجعل من الشبابيتصرفون على هذه الشاكلة غير المسؤولة، ولعل منأبرزها ما يلي:
1. البحث عن الاستقلالية الخاطئة: حيث إن الشبابتتضخم لديهم “الأنا” فيميلون إلى الرغبة في التحررمن القيود، سيما إذا كانت التربية قائمة على الخنقالتام ومنع إبداء الرأي أو تسخيف الرأي وعدماحترامه، قد يرى الشاب في الهروب إثباتاً متطرفاًلقدرته على الاستقلال وإدارة حياته بنفسه.
2. غياب الوعي بالعواقب: عدم وعيهم بعواقبالخروج المستمر من المنزل من النواحي الأسرية،فهم ينزوون تدريجياً من أسرهم ويحاولون تقليلالارتباط بها لتخفيف الأعباء والمشكلات التي تنتجهاالأسرة كما يعتقدون.
3. الإغواء الرقمي والمقارنات الوهمية: يعيش الشباباليوم في فيض من صور الحياة المثالية والرفاهيةالمطلقة عبر منصات التواصل، هذه المقارنات تولدسخطاً دفيناً على واقع الأسرة المادي أو الاجتماعي،وتخلق اندفاعاً للهروب بحثاً عن تلك الجنة الوهميةالمعروضة خلف الشاشات.
خارطة الطريق: كيف نعيدهم إلى صوابهم؟
رفع المساعدة المالية غير المشروطة: أول ما يجب فعلهمن الوالدين هو رفع المساعدة المالية غير المشروطةعنهم، وعدم القيام بالواجبات التي يجب عليهم القيامبها لئلا يصبحوا اتكاليين، وبالتالي يواجهون الفشلفي المستقبل حين يوضعون بمواجهة أي تحدٍ صغيركان أو كبير، والأفضل تحميلهم المسؤوليات التيتناسب أعمارهم.
إسناد المسؤوليات الكاملة والجماعية: ومن الأهميةبمكان أن يتم إسناد إليهم مسؤوليات كاملة عن أمرمعين مثل التسوق للمنزل ويجب عليه الالتزام، كمايجب أن يشعر أن تقصيره في هذا الأمر سيتسببفي مشكلة حقيقية للمجموعة، مما يوقظ لديه الضميروالالتزام ضمن محددات المجموعة.
جلسات المساءلة العقلانية البديلة: يجب استبدالاللوم والتوبيخ بجلسات المساءلة العقلانية، فالتسلطيضع الشاب في موقف دفاعي أو يدفعه للهروبمجدداً، والأفضل تحويل الحوار إلى جلسة تقييمومساءلة موضوعية، وبهذه السلوكيات يمكن أن يحيدالشاب عن طريق اللامسؤولية إلى طريق المسؤوليةوالانضباط وهذا هو المراد.
/////////////////