عطا شميراني
لا تُقاس قوة الدول بعدد وزرائها، ولا بحجم موازناتها، ولا حتى بما تمتلكه من ثروات طبيعية، بل بقدرتها على إنتاج قرار سياسي موحد يحظى باحترام جميع مؤسساتها. فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ وحدة القرار داخل السلطة التنفيذية، لأن تعدد مراكز القرار لا يعني سوى ضعف الدولة، مهما امتلكت من إمكانات اقتصادية أو عسكرية.
ومن هذا المنطلق، فإن رفض وزير النقل توقيع عقد طريق التنمية، خلافًا لتوجه رئيس مجلس الوزراء، لا يمكن النظر إليه باعتباره خلافًا إداريًا عابرًا أو اختلافًا في الرأي بين مسؤولين. إنه حدث سياسي يكشف طبيعة النظام الذي تُدار به الدولة، ويطرح سؤالًا بالغ الحساسية: هل ما زال العراق يمتلك مركزًا واحدًا لاتخاذ القرار، أم أن القرار أصبح موزعًا بين الأحزاب والقوى السياسية ومراكز النفوذ؟
في الأنظمة البرلمانية، الوزير ليس موظفًا يتلقى التعليمات وينفذها بلا نقاش، كما أنه ليس مسؤولًا مستقلًا عن الحكومة. فهو عضو في مجلس الوزراء، ويتحمل مع رئيس الحكومة المسؤولية التضامنية عن القرارات التنفيذية. ولذلك، فإن وصول الخلاف إلى حد رفض توقيع مشروع استراتيجي بهذا الحجم، يعني أن الأزمة تجاوزت حدود الاختلاف الإداري، وأصبحت تمس هيبة الدولة نفسها.
ومع ذلك، لا ينبغي التسرع في إصدار الأحكام. فإذا كان الوزير قد رفض التوقيع لأنه اكتشف مخالفات قانونية أو مالية أو فنية، فإن موقفه لا يُعد تمردًا، بل أداءً لواجبه في حماية المال العام. فالوزير مسؤول أمام القانون عن كل توقيع يضعه، ولا يجوز أن يتحول إلى مجرد أداة لتنفيذ القرارات دون تدقيق. وفي هذه الحالة، يصبح لزامًا على الحكومة أن تكشف للرأي العام طبيعة هذه الملاحظات، وأن تعرض العقد على الجهات الرقابية والقضائية المختصة، لأن الشفافية هي الطريق الوحيد لحماية الثقة بالمؤسسات.
أما إذا كان الرفض نابعًا من حسابات سياسية، أو ضغوط حزبية، أو صراع بين مراكز النفوذ، فإن الأمر يصبح أكثر خطورة. فهذا يعني أن الوزير لم يعد ينظر إلى نفسه بوصفه عضوًا في حكومة واحدة، بل ممثلًا للقوة السياسية التي جاءت به إلى المنصب. وهنا تتحول الحكومة إلى ائتلاف هش من المصالح المتعارضة، بدل أن تكون مؤسسة دستورية تعمل وفق برنامج موحد.
وهذه ليست مشكلة جديدة في العراق، بل هي إحدى النتائج المباشرة لنظام المحاصصة الذي تشكل بعد عام 2003. فقد أضعف هذا النظام مفهوم الدولة، وعزز مفهوم “الوزارة الحزبية”، حتى بات بعض الوزراء يشعرون بأن ولاءهم الأول للكتلة السياسية التي رشحتهم، وليس للدولة أو للبرنامج الحكومي. ومع مرور الوقت، أصبح رئيس الوزراء في كثير من الأحيان مضطرًا لإدارة توازنات القوى داخل حكومته، بدلًا من ممارسة صلاحياته في قيادة السلطة التنفيذية.
إن أخطر ما تكشفه هذه الأزمة هو أنها تأتي في مشروع لا يشبه بقية المشاريع الحكومية. فـطريق التنمية ليس مشروعًا خدميًا أو إنشائيًا فحسب، بل مشروع جيوسياسي سيعيد رسم خريطة التجارة والنقل في المنطقة. فهو يربط الخليج العربي بتركيا وأوروبا عبر العراق، ويمنح البلاد فرصة للتحول إلى عقدة لوجستية إقليمية، بما يخلق آلاف فرص العمل، ويقلل من الاعتماد المفرط على عائدات النفط، ويعزز المكانة الاستراتيجية للعراق.
ولهذا السبب، فإن أي اضطراب في إدارة هذا المشروع لا يرسل رسالة سلبية إلى الداخل العراقي فقط، بل إلى المستثمرين والدول الشريكة والمؤسسات المالية الدولية أيضًا. فالمستثمر يبحث قبل كل شيء عن بيئة مستقرة، وعن دولة تمتلك مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار وتنفيذه. أما عندما يرى أن أكبر مشروع اقتصادي في البلاد أصبح موضع خلاف داخل الحكومة، فإنه سيعيد حساباته، لأن رأس المال يهرب من الغموض وعدم الاستقرار.
ومن زاوية أخرى، لا يمكن فصل هذا الملف عن البيئة الإقليمية المحيطة بالعراق. فالعراق يحتل موقعًا استراتيجيًا يجعله محورًا لممرات التجارة والطاقة، ولذلك فإن أي مشروع يعيد رسم خرائط النقل في المنطقة ستكون له انعكاسات على مصالح دول عديدة. وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية. لكن غير الطبيعي هو أن تنعكس تلك المصالح على وحدة القرار داخل الدولة العراقية، وأن تتحول الخلافات الداخلية إلى ساحة تتقاطع فيها حسابات الخارج.
ومن كردستان، تبدو هذه القضية أكثر حساسية. فاستقرار القرار في بغداد ليس شأنًا يخص العاصمة وحدها، بل ينعكس على جميع العراقيين، وعلى العلاقة بين الحكومة الاتحادية وإقليم كردستان، وعلى مستقبل الاقتصاد الوطني بأكمله. لذلك، فإن الحفاظ على وحدة القرار الحكومي ليس مصلحة سياسية لفريق دون آخر، بل ضرورة وطنية تمس مستقبل الدولة العراقية.
إن هيبة الدولة لا تُقاس بقدرة رئيس الوزراء على فرض إرادته على الوزراء، كما لا تُقاس بقدرة الوزير على تعطيل مشروع كبير. المعيار الحقيقي هو قدرة المؤسسات على الاحتكام إلى القانون، وقدرة الدولة على إدارة الخلافات بشفافية، بعيدًا عن التسريبات والصراعات الإعلامية.
ولهذا، فإن العراقيين لا يحتاجون اليوم إلى بيانات مقتضبة أو تصريحات متبادلة، بل إلى كشف الحقيقة كاملة. فإذا كان الوزير قد اعترض لأسباب قانونية، فمن حق الشعب أن يعرف تلك الأسباب. وإذا كانت الحكومة ترى أن العقد مستوفٍ لجميع الشروط، فمن واجبها أن تشرح للرأي العام حيثيات موقفها. فالمال العام ليس ملكًا للحكومة، بل للشعب، والمشاريع الاستراتيجية لا تُدار خلف الأبواب المغلقة.
إن الدول القوية لا تخلو من الخلافات، لكنها تمتلك مؤسسات قادرة على حسمها وفق الدستور والقانون. أما عندما تتحول الخلافات إلى صراع بين مراكز القرار، فإن أول ما يتآكل هو ثقة المواطن، وآخر ما يبقى هو هيبة الدولة.
ويبقى السؤال الذي سيحدد مستقبل هذه الأزمة: هل ستكون أزمة طريق التنمية بداية لمراجعة جدية لآلية اتخاذ القرار داخل الدولة العراقية، أم أنها ستضاف إلى سجل طويل من الأزمات التي كشفت أن المحاصصة ما زالت أقوى من المؤسسات؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مصير مشروع اقتصادي فحسب، بل قد تحدد مستقبل الدولة العراقية وقدرتها على استعادة قرارها وهيبتها في الداخل والخارج.