البرلمان العراقي بعد عام 2003.. النشأة، التطور، التحديات

د. كريم نوري عبد الله الدليمي

يقول الفيلسوف الفرنسي (مونتسكيو): ((ان بناء الدولة يبدأ ببناء مؤسساتها؛ ويأتي البرلمان في مقدمتها بوصفه ممثلاً لإرادة الشعب)). ونقول بدورنا: (يجب على السلطة أن توقف السلطة).

شهد العراق بعد عام 2003، تحولاً سياسياً جذرياً تمثل في الانتقال من النظام الجمهوري ذو الحكم الواحد، الى نظام سياسي يقوم على التعددية السياسية والانتخابات البرلمانية والدستور الدائم، كان البرلمان العراقي أحد اهم المؤسسات التي أنشئت لتجسد هذا التحول الديمقراطي، اذ أصبح السلطة التشريعية العليا المسؤولة عن سن القوانين والرقابة على البرلمان بمراحل متعددة من التطور، الا أنه واجه العديد من التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية التي أثرت في أدائه ودوره في بناء الدولة.

اولاً: نشأة البرلمان العراقي بعد عام 2003

بعد تغيير النظام العراق في 9 نيسان 2003، تولت سلطة الائتلاف المؤقتة إدارة البلاد، ثم جراء تشكيل مجلس الحكم الانتقالي الذي مثل اول تجربة سياسية جديدة، وفي عام 2005، أجريت اول انتخابات برلمانية لاختيار الجمعية الوطنية الانتقالية التي تولت اعداد دستور جمهورية العراق ، والذي أقر باستفتاء شعبي في تشرين الأول من عام 2005، وبموجب الدستور المقر ، تأسس مجلس النواب العراقي بوصفه السلطة التشريعية المنتخبة، وحدد الدستور اختصاصاته واليات انتخابه وصلاحياته، ليصبح المؤسسة الدستورية المعنية بالتشريع والرقابة على الحكومة وإقرار الموازنة العامة للدولة.

ثانياً: تطور البرلمان العراقي

شهد البرلمان العراقي تطوراً ملحوظاً منذ اول دورة انتخابية عام 2005، اذ تعاقبت عدة دورات انتخابية عكست التغيرات السياسية والاجتماعية في البلاد، كما توسعت مهامه لتشمل اصدار العديد من القوانين المهمة المتعلقة بالإدارة والاقتصاد والاستثمار وحقوق الانسان والامن. من ابرز مظاهر التطور التالي:

-اجراء انتخابات دورية وفق النظام الديمقراطي.
-زيادة مشاركة مختلف المكونات السياسية والاجتماعية في العملية التشريعية.
-تعزيز الدور الرقابي من خلال استجواب الوزراء والمسؤولين وسحب الثقة في بعض الحالات.
-مناقشة وإقرار الموازنات العامة والقوانين الاقتصادية والإدارية.
-تطوير عمل اللجان البرلمانية المتخصصة التي تتولى دراسة مشاريع القوانين ومتابعة أداء الوزارات.

ورغم هذه التطورات، بقي أداء البرلمان متأثراً بطبيعة النظام السياسي القائم على التوافق بين القوى السياسية.

ثالثاً: التحديات التي واجهت البرلمان العراقي

واجه البرلمان العراقي منذ تأسيسه مجموعة من التحديات التي حدت من قدرته على أداء مهامه بكفاءة، ومن أبرزها:

1-التحديات السياسية:
أدى الانقسام السياسي والخلافات بين الكتل البرلمانية الى تعطيل إقرار العديد من القوانين المهمة وتأخير تشكيل الحكومات، فضلاً عن تأثير نظام المحاصصة السياسية في عملية اتخاذ القرار.
2-التحديات الأمنية:
شهد العراق خلال السنوات الأولى بعد عام 2003، اوضاعاً امنية معقدة نتيجة الإرهاب والعنف، ولا سيما خلال سيطرة تنظيم داعش على أجزاء من البلاد بين عامي (2014-2017)، مما أثر في عمل البرلمان وفي تنفيذ التشريعات.

3-التحديات التشريعية:
واجه البرلمان صعوبة في انجاز بعض القوانين الأساسية، بسبب تضارب المصالح السياسية، كما تعرض لانتقادات تتعلق ببطء العملية التشريعية وكثرة تأجيل جلساته.

4-مكافحة الفساد:
يعد الفساد الإداري والمالي من أبرز التحديات التي واجهها البرلمان، اذ تعرض لانتقادات بشأن ضعف الرقابة على المؤسسات الحكومية وعدم قدرته على الحد من انتشار الفساد بصورة فعالة.

5-شهدت السنوات الأخيرة تراجعاً في ثقة المواطنين بالمؤسسة التشريعية المتعلقة نتيجة عدم تحقيق العديد من المطالب الشعبية المتعلقة بتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، والإصلاح السياسي والإداري.
رابعاً: على الرغم من التحديات، أدى البرلمان دوراً مهماً في ترسيخ التجربة الديمقراطية في العراق من خلال:

-سن التشريعات المنظمة للحياة السياسية.
-تمثيل مختلف فئات الشعب داخل المؤسسة التشريعية.
-الرقابة على أداء الحكومة ومساءلة الوزراء.
-المصادقة على الاتفاقيات الدولية.
-مناقشة السياسات العامة والموازنة الاتحادية.

وقد ساهم استمرار اجراء الانتخابات وانتقال السلطة بصورة سلمية في تعزيز النظام الديمقراطي، رغم استمرار الحاجة الى إصلاحات تشريعية وسياسية واسعة.

الختام:
يمثل البرلمان العراقي بعد عام 2003، احدى الركائز الأساسية للنظام السياسي الجديد، وقد اسهم في بناء المؤسسة الدستورية وترسيخ الممارسة الديمقراطية، الا ان اداءه ظل متأثراً بالتحديات السياسية والأمنية والاقتصادية، الامر الذي يتطلب مواصلة الإصلاحات المؤسسية وتعزيز استقلالية السلطة التشريعية، وتطوير التشريعات، وترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة ، بما يسهم في تعزيز ثقة المواطنين وتحقيق التنمية والاستقرار في العراق، ويبقى تطور البرلمان العراقي بعد عام 2003، شاهداً على مسيرة التحول الديمقراطي، بما حملته من إنجازات وتحديات ، لتظل قوة المؤسسة التشريعية مرهونة بقدرتها على تمثيل الشعب وترسيخ دولة السيادة والعمل بالقانون.

ونهاية القول: (ان قوة البرلمانات لا تقاس بعدد مقاعدها، بل بقدرتها على تمثيل إرادة الشعب والحفاظ على ما جاء بالدستور والعمل به).

قد يعجبك ايضا