خريجو القانون بين المعرفة والرسالة

بقلم: نوري جاسم

لم يعد خريج كلية القانون مجرد حافظٍ للنصوص القانونية أو ناقلٍ لأحكام التشريعات، بل أصبح مشروعًا مهنيًا وإنسانيًا متكاملًا، يحمل على عاتقه رسالة العدالة، ويضطلع بمسؤولية حماية الحقوق والحريات، والإسهام في ترسيخ سيادة القانون وبناء دولة المؤسسات. فالمجتمعات لا تنهض بالقوانين وحدها، وإنما تنهض بالكفاءات القادرة على فهمها، وتطبيقها، وتطويرها بما ينسجم مع متطلبات العصر ويحقق المصلحة العامة.

إن الدراسة القانونية الحقيقية لا تقتصر على استيعاب المواد الدراسية، وإنما تصنع عقلًا ناقدًا يمتلك القدرة على التحليل والاستنباط، ويوازن بين النص وروحه، وبين العدالة وحكم القانون. ومن هنا فإن خريج القانون ينبغي أن يكون مؤهلًا للبحث العلمي الرصين، وصياغة العقود والوثائق القانونية، وإعداد المذكرات والاستشارات، والترافع أمام المحاكم، فضلًا عن امتلاكه مهارات التفاوض والوساطة وحل المنازعات بوسائل حضارية تحفظ الحقوق وتقلل الخصومات.

وفي ظل الثورة الرقمية التي يشهدها العالم، أصبح من الضروري أن يجيد القانوني استخدام قواعد البيانات القانونية والتقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، وأن يوظفها في خدمة البحث والتحليل وصناعة القرار القانوني، دون أن يفقد استقلالية تفكيره أو التزامه بأخلاقيات المهنة. فالتكنولوجيا اليوم لم تعد خيارًا، بل أصبحت جزءًا من أدوات الممارسة القانونية الناجحة. ولا تكتمل شخصية خريج القانون إلا إذا اقترنت المعرفة بالقيم؛ فالنزاهة، والأمانة، والاستقلالية، واحترام الدستور، وصيانة حقوق الإنسان، والدفاع عن المظلوم، هي المبادئ التي تمنح القانون روحه الحقيقية، وتجعل من القانوني صاحب رسالة قبل أن يكون صاحب مهنة.

فالعدل لا يتحقق بالنصوص وحدها، وإنما يتحقق حين يحملها رجال ونساء يؤمنون بها ويجسدونها في سلوكهم وأعمالهم. وإن كليات القانون مطالبة اليوم بأن تخرج جيلًا يجمع بين العلم الرصين، والمهارة المهنية، والالتزام الأخلاقي، والقدرة على التعلم المستمر ومواكبة المتغيرات الوطنية والدولية. فخريج القانون ليس موظفًا يبحث عن وظيفة فحسب، بل هو صانع للعدالة، وشريك في بناء الدولة، وحارس لسيادة القانون، ورسولٌ للقيم التي تقوم عليها الأمم المتحضرة. ومن هنا، فإن الاستثمار في إعداد القانوني الكفء هو استثمار في أمن المجتمع واستقراره ومستقبله. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما..

قد يعجبك ايضا