د. احمد العامري
إن الثقافة ليست شهادات تعلق على الجدران ولا كتباً تصطف في المكتبات. الثقافة الحقيقية هي سلوك يومي، هي المرآة الصادقة التي تعكس معدن الإنسان وتربيته ووعيه ونقاء سريرته فبها نرتقي وبغيابها نسقط في دركات لا نعلم نهايتها.
وللأسف الشديد عندما تغيب الثقافة ويغيب الوعي يبرز إلى الواجهة صوتٌ آخر. صوت بعض النفوس المريضة والخبيثة التي لا تعرف للحدود معنى، ولا للحرمة قدسية . اتخذت من الكذب بضاعة رائجة، ومن الافتراء مهنة، ومن الانتقاص من الآخرين وتسفيههم وسيلة لإثبات وجود زائف ومن المكر المغلف بالأخلاق اسلوب لإبتزاز الآخرين. ولم تكتفِ بذلك، بل تجاوزت كل الخطوط الحمراء وذهبت بعيداً لتطعن زوراً وبهتاناً في كل من لاتوافق مع اهوائهم وترمي الناس بما ليس فيهم ظلماً وعدواناً.
هي عاصفة هوجاء، عاصفة ذكية من الرذيلة والدناءة، وأنا شخصياً أقف عاجزاً عن إيجاد تفسير لها سوى أنها نتاج فراغ روحي وخواء فكري وعقم أخلاقي.
والأغرب والأخطر من كل ذلك أن هذه الظواهر البشعة أخذت تتسع وتتمدد بشكل غير مسبوق في مجتمعنا. والسبب واضح، فالمجتمع الذي يفقد بوصلته الثقافية، يصبح أرضاً خصبة لكل نبتٍ شيطاني. مجتمع استبدل الحوار الهادئ بالصراخ، واستبدل النقد البناء بالتجريح، واستبدل الكلمة الطيبة بالطعن في الأعراض وهتك الحرمات!؟
هنا يقع على عاتقنا جميعاً مسؤولية كبرى، وخصوصاً على الطبقة المثقفة. فالمثقف الحقيقي لا يمكن أن يكون متفرجاً في زمن الانهيار. عليه أن يتصدى لهذا السيل الجارف من خلال برامج توعية حقيقية في مدارسنا وجامعاتنا ومنابرنا تُعَلم النشء حرمة الكلمة وقدسية العرض. ومن خلال صحف ومجلات ومنصات إعلامية رصينة ترفض خطاب الكراهية وتسلط الضوء على النماذج النبيلة وتواجه الافتراء بالحجة والدليل لا بالسب والشتم. نحتاج إلى موقف مجتمعي موحد يرفض هؤلاء ولا يصفق لهم ولا يمنحهم أي مساحة، لأن الساكت عن الباطل شريك فيه..وفي الختام تبقى الحقيقة التي لا تقبل الجدل إن الأمم لا ترتقي بالصراخ ولا بالتعصب ولا بالطعن في ظهور بعضها؟ الأمم العظيمة إنما ترتقي برفعة ثقافة أبنائها. فانظر إلى شعوب سبقتنا بالتجربة لم تتقدم بالمال وحده ولا بالتكنولوجيا وحدها، بل تقدمت لأنها جعلت من الكلمة مسؤولية ومن العرض خطاً أحمر لا يقترب منه أحد ومن الثقافة قانوناً غير مكتوب يحكم السلوك العام.. فلنجعل من أقلامنا سيوف حق في وجه الباطل ومن ألسنتنا دواءً للجراح لا ملحاً عليها. فإما أن نكون أمة تقرأ فترتقي، أو نكون أمة تتهاوى بسوء خلق ابناءها مذكراً بقوله تعالى
{وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.