الكردينال لويس روفائيل ساكو
البطريرك الكلداني الفخري
منذُ رسامتي الكهنوتية سنة 1974، كرَّستُ حياتي لخدمةِ الكنيسة (المؤمنين) بروح المجمع الفاتيكاني الثاني (1062-1965) الذي عاصرته، بإخلاص ومنهجية علمية، ولخدمة بلدي العراق وشعبِه بانفتاح ومحبة عميقة. وتعلمتُ أن الأمانة فوق المال وخدمة الناس فوق المصالح الشخصية.
أفكر حاليّا في كتابة سيرتي الذاتية، مؤمناً بان عمر الانسان لا يُقاس بالسنين التي يعيشها، ولا بالمناصب التي يحتلّه، انما بالأثر الطيِّب الذي يَتركه في قلوبِ الناس.
سقط النظام السابق في نيسان 2003. وكُنتُ آنذاك كاهناً في الموصل. وفي تشرين الثاني 2003 أصبحتُ رئيساً لأساقفة كركوك، وفي 2013 بطريركاً للكنيسة الكلدانية في العراق والعالم الى تقديم استقالتي في 9 اذار عام عام 2026. وفي 2018 صرتُ كاردينالاً في الكنيسة الكاثوليكية وما أزال.
أتذكر بدقّة اسقاطَ النظام السابق في 9 نيسان 2003، وكيف احتفل العراقيون بهذا الحدث الذي تمنّوه تحريراً وتغييراً إيجابيًّا بعد حرب الخليج الأولى مع ايران والتي دامت 8 سنوات (مع خسائر تتراوح بين 105,000 و200,000 شهيدا من الطرف العراقي ونحو 70,000اسيراً). بعده جاء احتلال الكويت وحرب الخليج الثانية التي تمخضت عن إخراج القوات العراقيّة منها، ثم فرض الحصار الاقتصادي من اب 1990 الى 16 أيار 2003 وتداعياته الأمنية والاقتصادية والاجتماعية وتردي ظروف المعيشة. وقد تحمل العراقيون الكثير.
سنواتٌ عجاف
لكن ما حصل بعد أشهر هو العكس تماماً: فراغٌ أمني وعمليات تصفية حسابات وخطف وقتل على الهوية وتفجيرات، وانتشار الأسلحة في كل مكان، وإشاعة العقلية الطائفية والمحاصصة المكوّناتية واستشراء الفساد بطريقة بُنيوية، وانتشار الامية، وتراجع الخدمات الأساسية والبنية التحتية كالمدارس والمستشفيات، والبطالة.
وما عقّد المشهد أكثر هو ظهور تنظيم القاعدة في العراق بقيادة أبو مصعب الزرقاوي 2004 وتأسيس الدولة الإسلامية 2006. ثم مجيء عناصر الدولة الإسلامية (داعش) كقوة كبيرة، عام 2014 وسقوط الموصل وتهجير المسيحيين والكتابة على بيوتهم حرف (ن). نفس الأمر واكثرحصل مع اليزيديين.
امام هذه المحنة قامت الكنيسة بدور استثنائي بإيواء المهجرين واطعامهم وضمان استمرار دراسة أولادهم. وعند التحرير بتعمير بيوتهم، بينما لم تقدم الحكومة شيئا. شكرا للجمعيات الخيرية الكنسية الاجنبية وبعض الدول التي مدت اليهم يد العون.
يُضاف إلى ذلك تطبيق قانون أسلَمة المسيحيين القاصرين عند اشهار احد الوالدين دينه بغية الزواج، بالرغم من ان الدين شأن شخصي خاص وحر في ان يؤمن أو لا. لا اكراه في الدين، والدين يُعرض ولا يفرض!
أدركت عند ذاك اننا فقدنا الاستقرار وقيم الحرية والديمقراطية والمواطنة الحقة والامن والأمان. وان الكفاح يجب ان يبدأ بتغيير العقليات والسلوك من اجل حياة المواطنين وكرامتهم والمحافظة على وحدة العراق وسيادته بدستور واحد حديث اسوة بدول العالم وجيش واحد واعتماد الكفاءات في إدارة الدولة وليس المحاصصة والموالاة.
بعدئذ تم تحرير البلاد من عناصر داعش في 9 كانون الأول 2017 وإعلان رئيس الوزراء العراقي آنذاك الدكتور حيدر العبادي، استعادة جميع الأراضي التي كان يُسيطـَر عليها.
لكن ما عقَّد المشهد بعد التحرير هو تحوّل فصائل فتوى (الجهاد الكفائي) الى ميليشات مسلحة، سعت الى تنظيم ذاتها عسكريا وسياسيا واقتصاديا. فغالبية أعضاء البرلمان هم من هذه الفصائل ولها وزراء ومستشارون في الحكومة، واستثمارات اقتصادية خيالية؟.
ظهور ميليشيا مسيحية؟
كنتُ دائمًا متحفّظًا تجاه الميليشيات الطائفية ورافضاً قطعياًّ وجود اية ميليشية مسيحية.
من بين هذه الفصائل المسلحة ظهرت ميليشيا تبنّت الاسم الكلداني. ولم يخفَ على أحد أنها تضمّ بين صفوفها عددا بارزا من المسلمي. وروّجت انها تمثل المسيحيين! بينما الانتماء المسيحي التزام روحي واخلاقي متطلب وليس شكليا!
كانت لي مواقف وصراعات معها بهدف حماية المكوّن المسيحي امام استحواذها على حقوقهم ومقدراتهم وممتلكاتهم في بغداد وبلدات سهل نينوى، والاستفراد بهم في السيطرات واستغلالهم، ولا ننسى ما حدث في بلدة قره قوش في ظل ظروف مريبة عن محرقة قاعة الاعراس ووفاة أكثر من 113 شخصا و150 مصابا) وأيضا ما عانت منه تلكيف التي لم يعد اليها أبناؤها الى اليوم.
هذه الميليشيا قسّمت الكنائس بشراء ولائها لها حتى ان بعض اكليروسها يحضر استقبال الزوار وكأنهم من مكتبها السياسي.. لم التقِ بأحد من هذه الميليشيا ابداً، لتصرفاتهم وتجاوزاتهم، ما دفعهم الى تقديم شكاوى ضدّي بتهمة بيع كنائس قديمة واراض وقف الكنيسة الكلدانية.. وسرعان ما كذَّبتُ ادعاءتها امام المحكمة.
بعد هذا الفشل، سعوا لسحب المرسوم الجمهوري (2023) الذي يعترف بسلطتي البطريركية.
اما الوزيرة المنتمية الى التنظيم المذكور، فـكانت تزورني وتردد: اني بنت الكنيسة احتاج الى الدعم، فدعمتها في الانتخابات ورشحتها لاحدى الوزارت، لكنها حالما حصلت على ما أرادت، انقلبت وانتمت رسميا الى هذا الفصيل!
مساعيّ الشخصية مع الحكومات المتعاقبة
بصراحة لم تهتم الحكومات المتعاقبة بإنصاف المسيحيين بالرغم من زياراتي لكبار المسؤولين الذين كانوا يعدون ولا ينفذون، بالرغم من قولهم ان المسيحيين مكوّن أصيل. فاقتنعت بانهم لا يرون قيمة ولا اهمية لـهذا التنوع الديني والإثني والثقافي الغني.
امام هذه الفوضى العارمة وانتشار المحاصصة واستنزاف مقدرات الدولة واستهداف المسيحيين بالخطف ودفع فدية باهضة والقتل وتفجير الكنائس ببغداد (مجزرة كنيسة سيدة النجاة للسريان الكاثوليك في 31/10/2010) ثم تهجير داعش لهم من بلدات سهل نينوى ، والاقصاء من الوظائف والتهديدات… هكذا بدأ نزيف هجرة المسيحيين من العراق، وقد يختفون منه ان لم تتم معالجة أوضاعهم وخلق بيئة مناسبة للعيش الكريم. إذ بتقديري لم يبق حاليا في العراق إلا ما يتراوح بين 400-300 الف من اصل مليون ونصف مسيحي قبل سقوط النظام. واثناء التهجير وتعمير البلدات سألت الحكومة بالمساعدة، فكان الجواب: ما عندنا فلوس!!
ليس هذا قدر العراقيين، تطلـّعات للتغيير
لابد من إجراء التغيير المنتظر. ثمة حاجة الى لقاءات صريحة وصادقة وشجاعة تتجاوز الحدود الطائفية والدينية، وتقييم الوضع وتطوير رؤى مشتركة للمستقبل ورسم سياسة واضحة وتبنّي نظام مدني.
ذلك أن الإصلاح يبدا بتضامن العراقيين وولائهم الى هويتهم الوطنية الشاملة ورفع شأن المواطنة على العصبيات الأخرى، بما في ذلك المشاركة الكثيفة في الانتخابات التشريعية والتصويت لصالح الكفاءات الوطنية النزيهة ومراقبة الأداء بصرامة. وحصر السلاح بيد الدولة: وطن واحد وجيش واحد وصون السيادة.
الى جانب الوضع الأمني ينبغي الإسراع بتنفيذ مشاريع ملموسة لتحقيق السلام وإعادة الإعمار. وبصورة خاصة المدارس والمستشفيات والكهرباء والزراعة وتوفير فرص عمل للناس. هذه مطالب وطنيّة تخص جميع العراقيين.
لا أحد يغادر وطنه برغبته، انما الناس تريد العيش في بيئة آمنة وحياة كريمة وضمان مستقبل اولادهم.
وأودّ اتن اختم بالقول: مع التقدير لأي مساعٍ إيجابية بشأن الإصلاح، لا بدّ من التأكيد ان أي رئيس للوزراء لن يقدر وحده على التغيير، ولئلا تستمر الحالة بنحو غير واعد، لا بدّ ان يكون مع رئيس الوزراء، فريق عمل وطني صادق، مؤمن بالتغيير ويتعاون معه، في سبيل العراق ذي المكانة التي تليق به والتي يتطلع إليها كل المخلصين.