بين خدمة المواطن وصناعة الصورة!

عرفان الداوودي

متى تتوقف دعاية المسؤولين على حساب الحقيقة؟

تحولت وسائل التواصل الاجتماعي، التي يفترض أن تكون نافذة للتواصل مع المواطنين وعرض الحقائق بشفافية، إلى منصة للدعاية السياسية والتسويق الشخصي لدى عدد من البرلمانيين وأعضاء مجالس المحافظات والمسؤولين. فبدلاً من أن تكون وسيلة لمحاسبة المسؤول وعرض إنجازاته الحقيقية ضمن صلاحياته القانونية، أصبحت لدى البعض وسيلة لبناء (الصورة) أكثر من بناء الوطن.

على مدار أربعٍ وعشرين ساعة، تتدفق المنشورات والصور ومقاطع الفيديو، حتى يظن المواطن أن البلاد تعيش نهضة غير مسبوقة. لكن عند التدقيق، يجد أن كثيراً مما يُعرض ليس إنجازاً شخصياً للمسؤول، بل هو من صميم واجبات مؤسسات الدولة ودوائرها التنفيذية.

فإذا تم تبليط شارع، تسابق الجميع لالتقاط الصور وكأن المشروع نُفذ من أموالهم الخاصة، مع أن تبليط الشوارع من اختصاص البلديات. وإذا تم توفير الكاز للمولدات، ظهر أكثر من مسؤول يتحدث عن (إنجازه)، رغم أن هذه المهمة تقع ضمن صلاحيات الجهات التنفيذية المختصة بقطاع النفط والمنتجات النفطية. وينطبق عليهم المثل المعروف: (النصر له ألف أب، أما الهزيمة فهي يتيمة).

فكل إنجاز تنسبه عشرات الصفحات إلى عشرات المسؤولين، أما عند وقوع الفشل أو تعطل الخدمات فلا تجد من يتحمل المسؤولية. لقد تحولت بعض الصفحات إلى ساحات للهوسات السياسية والألقاب الرنانة: “الهيبة”، “الزعيم”، “المنقذ”، “الشيخ”، “القائد الأوحد”، بينما ينتظر المواطن الماء والكهرباء والطرق والخدمات الأساسية.

والمؤسف أن بعض المسؤولين يزور مدير البلدية أو مدير دائرة حكومية أو مسؤولاً تنفيذياً، ويلتقط صورة أو مقطع فيديو، ثم تُنشر على أنها إنجاز شخصي، في حين أن الموظفين والدوائر المختصة هم من يؤدون واجباتهم القانونية والإدارية. إن العمل الرقابي والتشريعي يُقاس بجودة التشريعات، ومتابعة تنفيذ القوانين، ومساءلة المقصرين، وليس بعدد الصور والمنشورات والإعلانات الشخصية.

لذلك، أقترح على السيد رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي وضع ضوابط واضحة لاستخدام الصفحات الرسمية للمسؤولين فيما يتعلق بالإعلان عن الأعمال الحكومية، بحيث تكون البيانات الخاصة بالمشاريع الحكومية تصدر عبر الجهات التنفيذية المختصة وبشكل مؤسسي، مع التركيز على الشفافية ونسب الإنجاز، لا على الترويج للأشخاص.

فالمسؤول الحقيقي لا يحتاج إلى مئات الصور ليثبت أنه يعمل، لأن إنجازاته تتحدث عنه، أما من يعتمد على الكاميرا أكثر من اعتماده على العمل، فسرعان ما تنكشف الحقيقة أمام المواطنين. العراق بحاجة إلى مسؤول يعمل بصمت، لا إلى مسؤول يعيش أمام عدسة الكاميرا. فالوطن يُبنى بالإنجاز، لا بعدد المنشورات، ولا بطبول الدعاية، ولا بالألقاب الرنانة.

قد يعجبك ايضا